الإثنين - الموافق 24 يونيو 2024م

الاعلامية فريهان طايع: :- رواية الأحلام  و الواقع

حيث
تصور  الرواية معاناة  زواج القاصرات حيث تدور أحداثها
حول قصة الطفلة  يارا   التى تعيش في إحدى ضيعات لبنان
و كانت تحلم أن تصبح  معلمة
لكنها تزوجت بالإكراه  رجلا أكبر منها سن ،حاولت أن  تواجه المجتمع  و العادات و التقاليد و تحقق ذاتها لكنها كانت  في كل مرة    تفشل و تختنق  من كل القيود التى تكبلها و لم يعد لديها إختيار  ثالث
لم يكن أمامها  إلا  الانتحار  أو الهرب
حاولت أن  تتغلب على هاجس الانتحار و أن تتمسك بالحياة و أن تحارب مجتمع بأكمله  ،و في ليلة من ليالي بعد أن  استعدت ،هربت إلى  بيروت و بعد
الصعوبات التى واجهتها التحقت بملجىء أين  تعلمت و اتخذت أول  الخطوات لتحقيق حلمها :
الرواية :
قضت يارا أصعب  أيام طفولتها في الضيعة ،لم تعش طفولة مثل كل الأطفال  ، كانت تعاني منذ الصغر  من ويلات الحياة و صعوباتها
كانت أبسط  أحلامها  فستان جديد أو  لعبة
هي من عائلة فقيرة جدا و هي البنت  الصغرى بين ست أخوات، الحصول على لقمة عيش هدفهم الرئيسي في الحياة كانوا يعملون بين المزارع و الحقول و كانت تذهب هي أيضا  معهم بحثا عن لقمة العيش لكنها كانت كثيرا ما  توفق بين ذهابها للمدرسة و عملها في المزارع مع  عائلتها رغم أن المدرسة كانت بعيدة جدا لكنها كانت تقاوم على مدار السنة الدراسية و كانت مجتهدة و متفوقة
حلمها كان أن  تصبح  معلمة في المستقبل ،معلمة مثل المعلمة التى تدرسها كثيرا ما  أحبت يارا شخصية معلمتها في المدرسة الآنسة  جنى ،كانت تنظر إليها  كمثلها الأعلى  في الحياة ،كانت معجبة بشخصيتها اللطيفة و ملابسها الأنيقة و نبرات صوتها الهادىء و الرصين و أفكارها  و ثقافتها و أخلاقها  و لباقتها
حلمها كان أن تصبح مثلها و أن تعلم الأجيال ،لذلك كثيرا ما كانت تحرص على دراستها ،كانت تتعلم  كل  شيء بإتقان  كانت متميزة في جميع المواد
يارا  تملك ثقة عالية في نفسها و صاحبة مسؤولية مع أنها  طفلة لكن طموحها كان يتجاوز كل إمكانياتها و ظروفها القاسية
كانت تتحدى كل العراقيل و الصعوبات و المشاكل ،كانت تتطلع  إلى  بعيد إلى  مستقبل تعيش فيه بكرامة ،بمستقبل تثبت نفسها فيه
و تتالت السنوات و كانت تزداد تألق  و جمال
كانت الأجمل من بين بنات الضيعة ،و كانت على خلق عالي جعلها  تحظى باحترام الجميع
كانت رمز الفتاة الخلوقة و العفيفة و الصادقة و الطيبة
لم تفكر يوما في زوج و لا في فارس أحلام  بل أحلامها اختصرتها في النجاح و المستقبل
لكن صدمتها كانت كبيرة عندما عادت من المدرسة كعادتها بعد مشقة الطريق الطويل و في وسط الرياح و الأمطار
فتحت باب المنزل و حاولت أن  تتدفىء بمدفئة المنزل الصغيرة
و ما أن جلست ،سمعت والدتها تناديها
“يارا  ،يارا هل هذه أنتي  ”
أجابتها ” نعم يا أمي  هذه أنا  ،قد عدت الآن  ”
والدة يارا ” لماذا تأخرتي  أنا  أنتظرك بفارغ الصبر لاتحدث معك في موضوع في غاية الأهمية ”
ردت يارا ” أنا  آسفة  يا أمي لأنني  جعلتك تنتظرين رجوعي ،لكن الأمطار  كانت قوية كنت مظطرة إلى  البقاء في المدرسة مع الآنسة  جنى إلى  أن  انتهت  العاصفة قليلا
هل تعلمين أمي  كم هي جميلة الآنسة  جنى
حلمي أن أصبح مثلها معلمة ”
أجابت  الأم  ” و ماذا جنت أنستك جنى من العمل الشاق و من قلة الراتب ،ماذا جنت أنستك و هي لا تملك زوج  و لا أبناء  ”
استغربت يارا من كلام والدتها و قالت ” هي  أمي  لا ترغب في الزواج مع أن الكثيرين يريدون الارتباط بها
هي يا أمي  قد أفنت  جميع الأطفال  بوقتها و جهدها و طاقتها ،لو تعلمين يا أمي  كم أن الجميع يحبونها و يقدرون مجهوداتها  في سبيل بناء  أجيال  متعلمة و مثقفة تنهض بالمجتمع  ”
أجابت  الأم  بغضب “هذا هراء ،هذا كلام تافه وسطحي مثل هؤلاء الأصناف  قد زرعوا في عقول أطفالنا  السموم
الفتاة لا يوجد لها مستقبل إلا  الزواج و الزوج و الأبناء
المرأة  لم تخلق إلا  من أجل  الزواج و إنجاب الأطفال  و تربيتهم  ،احذفي هذه جنى من عقلك ”
يارا :
“هذا ليس كلام تافه يا أمي  ،لكن لا بأس  ليس مهم ،أخبريني يا أمي لماذا كنت تنتظرين  رجوعي ليست عادتك”
اقتربت الأم  من يارا و وضعت يديها على وجه يارا و قالت:
” يارا اليوم أنتي أصبحت عروسة و الجميع يريدون الزواج منك ،قد خطبك  جارنا وسيم و يريد الزواج  منك
أنتي  الآن  سوف تصبحين أجمل عروسة ،من الغد سوف تتركين المدرسة و سوف تستعدين لمراسم زفافك  على  وسيم ”
انصدمت يارا من كلام والدتها ،كاد أن يغمى عليها من شدة الصدمة ،شعرت  أنها  في دوامة و أن  كل عقارب الساعة توقفت
مرت خمس دقائق  و هي صامتة و كأن  كلام والدتها قد أخرسها
لكنها تمالكت نفسها حاول أن تستعيد أنفاسها  و تواجه هذه الصدمة التى تفوق كل التعبير و الوصف
بكل صعوبة حاولت أن تتكلم
قالت:  ” ماذا تقولين يا أمي
أي  زواج يا أمي
أنا  طفلة يا  أمي  كيف سأتزوج و أنا  طفلة يا أمي
كيف تقولين لي هذا يا أمي
كيف تقولين لي لا مدرسة بعد اليوم
و أنتي تعلمين أنني  أحب  المدرسة و أنني  أشقى  من أجل التعلم
لا أبدا يا أمي  لا أصدق ما أسمع
صحيح يا أمي  أن الحياة جعلتني أنضج و أتعلم  بسرعة كل  شيء في  الحياة  ،و أجاهد  بكل قوتي لكنني طفلة يا أمي، لازالت طفلة ،سني صغير جدا عن الزواج
أنا لا أريد  الزواج
،و من هذا وسيم لكي أتزوجه؟؟؟
و أنتي تعلمين يا أمي أنه كبير جدا
،كيف يجرؤ على طلب يدي و أنا أقول له يا عم ؟؟؟
السنة الفارطة يا أمي  قد اشترى لي لعبة عند نجاحي و قلت له شكرا يا عم
،كيف يفكر أن  يتزوجني ؟؟؟
لا أصدق يا أمي  ،لا أستطيع  حتى أن أصدق يا أمي

أجابت  الأم:  “لا يوجد لديك خيار آخر سوف تتزوجين  به شئتي أم  أبيتي ذلك
حياتنا صعبة من أجل  توفير لقمة العيش و إذا لم تتزوجي من وسيم فسيطردنا من المزارع لأنه صاحبها و سنموت بالجوع
لن نستطيع أن نوفر رغيف خبز واحد بعد اليوم  إذا لم تتزوجي وسيم
و هل تعلمين كم سيدفع مهرك ،مهرا غالي و ذهب و هدايا و سيتحسن وضعنا ،كل فتاة تحلم بعريس مثل هذا
لا يوجد دافع واحد لكي نرفضه يكفي جنون و كلام فلسفي
وسيم  هو مستقبلك و مستقبلنا ،إذا لم تفكري في نفسك فكري في عائلتك  التى أنجبتك و تعبت من أجلك
أم  أننا  لسنا ذو أهمية لديك
هل ترضين لنا المذلة و الشقاء  ،ألا  يكفي كل سنوات شقاؤنا  من أجلك و من أجل أخواتك
ماذا لو قدمتي بعض التضحيات من أجل  عائلتك يكفي أنانية يا ابنتي ،أنتي  لا تفكرين  إلا  في نفسك و  في أوهامك التى صنعها عقلك  الساذج”
انصدمت  يارا و قالت
“أوهام  يا أمي!!!!!
هل أبسط  أحلامي  في نظرك أوهام؟؟؟؟

هل التعليم  يا أمي  في نظرك أوهام؟؟؟؟
هل كرامتي قي نظرك أوهام؟؟؟؟

أنا  لا أفهمك و أكاد  أجن مما أسمع
أشعر أنني في كابوس حقيقي
و كأنني  دفنت في المقبرة هذه الليلة و على يديك يا أمي

لأول  مرة أشعر أنك لاتشعرين بي و أن  بيننا كل هذه  المسافات و الحواجز و الأميال
أنا لا أصدق  لا أستطيع حتى أن أصدق ما أسمع، أتمنى أن يكون مجرد حلم مزعج
أن يكون مجرد كابوس ،لكنها الحقيقة التى أراها و أسمعها و  المصيبة أنها  من أمي و ليس من غريب ”
صرخت الأم  و قالت:
“لا أريد الجدال في هذا  الموضوع قررنا و انتهى الأمر من الغد لا توجد مدرسة و سوف تستعدين لزواجك ”
مرت الأيام  و الأسابيع  و يارا رهينة الحزن و الأسى
رهينة الخذلان   و خيبة الظن
رهينة وجع و جرح ينزف
كانت تنظر لنجوم و هي شاردة بالساعات
لم تجد  حل واحد يخلصها من هذه الورطة و اللعنة التى حلت عليها

قالت لنفسها  أنا حالي يشبه ما قاله طارق ابن زياد
” البحر أمامكم و العدو ورائكم
و لا يوجد أمامي  أي طريق يخلصني و لا أي  سبيل لنجاة
أنا مثل السمكة  التى خرجت من الماء لتموت  في نفس الثانية
ماذا سأفعل  و ماذا عساني أن أفعل
يا إلهي  سوف أفقد عقلي  و صوابي
لو رفضت سوف يطردنا وسيم و سوف يموت  أهلي من الجوع
ماذا عساني أن أفعل
سوف أقدم نفسي لهذه المجزرة و ليحدث ما يحدث
ليس لي خيار ثالث ”
كانت تخاطب نفسها  و تجيب مثل المجانين  و كأنها  تخاطب جدران  البيت التى لا تسمع
مرت الأيام  و يارا على تلك الحالة و اتخذت  يارا قرار بالزواج بوسيم
تركت يارا المدرسة مثلما قررت عائلتها و كانت تنزف مثل الطائر المجروح، كانت تشتاق للمدرسة و للدفاتر و للاقلام و للمعلمة جنى التى كانت تحبها جدا
حتى جنى كثيرا ما كانت تسأل  عن يارا زملائها  و كانت خائفة أن يكون قد أصابها  مكروه
طلبت  عنوان بيتها من مدير المدرسة  و قررت أن تزورها لتطمئن عليها
ما ان وصلت إلى منزل يارا
لم تكن  تظنه  بسيط لتلك الدرجة التى لم يتخيلها عقلها لبرهة واحدة
شعرت بالحزن بداخلها تجاه يارا و في الآن نفسه شعرت أنها فخورة بطفلة تعاني الحرمان  من كل شيء لكنها  ذكية و مجتهدة و تواجه في  كل مصاعب الحياة بقوة لا يتحملها سنها
تواجه يوميا عناء الفقر و مشقة الطريق و أحوال  الجو المتردية بكل تفاؤل  و طاقة إيجابية
كم تنبأت لها بمستقبل جيد
كم شعرت بالفخر بها
كانت رمز الطفلة المثالية ،قدوة لبنات جيلها
و مثل يحتذى به في الانضباط
بعد ثواني من الاندهاش ،لمحتها يارا فذهبت إليها  مسرعة و حضنتها  ،
شعرت بالسرور  و البهجة و كأنه  يوم العيد   قالت لها:
“لا أصدق  أنك  هنا ،كم اشتقت إليك  آنسة  جنى و كم اشتقت للمدرسة ،لا يمكن أن أصف لك مقدار سعادتي برؤيتك
كنت أظن  أنني لن أراكي مجددا”
أخبرتها إياها  بعد أن تغيرت نبرة صوتها إلى  نبرة  حزينة ،إلى  نبرة طفلة حكم عليها بالسجن
وضعت جنى يديها بكل لطف على وجه يارا  و كأنها  ابنتها
و قالت لها”
حبيبتي  يا  يارا ،أخبريني  ماذا حدث معاكي
لماذا تغيبتي عن المدرسة

لماذا أرى في  عينيك بريق  حزن
أين  اختفت يا حبيبتي شعلة الأمل  التى كانت تنبض بالحياة بداخلك”

“شو صاير يارا  ،أنا  بالي كتير   مشغول عليكي”
اختنقت يارا ،شعرت و كأن  أنفاسها  قد انكتمت ثم صرخت :
“بدهم  يزوجوني ،بدهم يقتلوني ،عم يجهزولي كفني و مفكرينو فستان زواج ”
انصدمت جنى  و تساءلت
“زواج؟؟؟؟
زواج شو ؟؟؟
انتي بعدك طفلة على أي  زواج عم تحكي
يارب شو صاير في الدنيا
شو هالمصيبة
أبدا  ما راح اسمح بهيدا الشيء
بدي وقف هيدي المسخرة
و بدي ساعدك ما راح اتركك
لا تخافي ،أنا معكي و راح ضلني حدك ”
انغمرت عينان يارا بالدموع و بحسرة
قالت لها “أبدا  ما راح يطلع معكي شيء
،أنا أخذت قرار و راح اتزوج وسيم، ما عندي أي  خيار تاني

لو رفضت ،راح يموتو أهلي من الجوع

راح نصفي في الشارع
هيدا حكم الغني على الفقير
و انتي ماراح يطلع معكي شيء
ماراح تقدري تساعدني و تساعدي أهلي

إنتي  يا دوب عم تكفي حالك
دخيلك آنسة  جنى ما تاكلي همي

أنا  منيحة و منيحة كتير
هيدا قدري و  أنا رضانية فيه
و راح واجهو بكل قوتي
مشاني ما تورطي حالك بمشاكل
انتي ما بتعرفي مين بيكون وسيم
هيدا رجال كتير قاسي و راح يأذي أهلي و يأذيكي
وسيم   لما بيقرر شيء لازم ينفذو حتى لو كان على حساب حياة ناس و مستقبلهم
لو سمحتي آنسة جنى ،انسي هيدا الموضوع
انتي غريبة على هيدي الضيعة و راح يأذيك
صدئيني ،بيكفيني مشاعرك و حبك إلي هيدا  شيء كتير غالي على ألبي
راح بتضلي عطول عبالي
أنا كتير بحبك آنسة  جنى ”
حضنتها جنى و ودعتها و هي مستاءة ،حاولت أن  تجد الحلول  لتساعدها لكنها في كل مرة كانت تفشل و كثيرا ما كانت  تواجه الضغوطات و التهديدات من عائلة يارا و من وسيم
لم تكن تعتقد أنه  بذلك البطش و هو الذي أصبح  يمثل لها عائق في عملها  و حتى داخل  منزلها و  وصل به الأمر  إلى  اقتحام خصوصيات حياتها  و تهديد سلامها و أمنها ،كثيرا ما وجدت أثاث   منزلها متبعثر في كل مكان ،كثيرا  ما كان يرسل لها أشخاص  يعبثون بالمنزل مثلما  شاءوا ليزرع الرعب في قلبها
استسلمت جنى و لم يعد بإمكانها أن تفعل شيء
كثيرا ما كانت تبكي من أجل تلك الطفلة و من أجل  ما ينتظرها من عذاب
إلى  أن جاء اليوم الملعون ،اليوم الذي سوف تزف فيه يارا زوجة  لرجل أكبر  منها بكثير  ،كانت تختنق و تعتسر من الألم ،لكن  لم يكن بإمكانها فعل شيء  لإيقاف  ما يحدث
وسط أصوات  الدبكة و الزغاريد و المعازيم ،وسط أجواء الاحتفالات  ،كانت تذرف دموعا ،كانت تصرخ من الأنين  لكن صوتها كان مكتوم أمام أصوات الدبكة
كانت تموت بالبطىء لكنهم كانوا يرقصون على إيقاع الدبكة
اليوم الذي تنتظره كل فتاة أصبح  في نظر يارا جنازة ،و الفستان الأبيض  الذي تتمنى أن ترتديه أي  فتاة في السن المناسبة أصبح  في نظر يارا كفن
هاهم يحتفلون بموت طفلة و هي على قيد الحياة ،هاهم يصفقون للجلاد و المجرم
،على مرىء  الجماهير هم يحتفلون بتدمير مستقبل طفلة ،
على مرىء و مسمع  الناس يسلط الجلاد الضوء  على ضحيته ،هي لا تختلف على قصة جميلة مع الوحش
هم يرقصون  و هي تتألم  من مرارة ما تشعر به ،كانت تظنه كابوس لكنه واقع أصبح لا مفر منه
واقع سجنها و قتلها و هي على قيد الحياة
دموعها لم تشفع لها بل فسرها الأهل  و الناس بكونها دموع الفرح
لم يستنتج لبرهة أحدا  منهم أنها  دموع الانكسار و الذل
،كيف لطفلة أن تسعد بالزواج و هي لا تعلم  شيء عن الزواج
،كيف لطفلة أن تسعد بالزواج برجل أكبر منها بكثير
كيف لطفلة أن ترغم على الزواج بالإكراه  أن تكون سعيدة  أو أن تجد عنوان واحد لسعادة أو درب للحياة
في تلك اللحظة شعرت أنها  انكسرت و تلاشت كل أحلامها و طموحاتها
شعرت أنها أصبح مثل الهيكل العظمي بدون روح و نبض
و منذ ذلك اليوم الملعون فقدت يارا الأمل بالحياة ،أصبحت  مثل الخادمة في منزل وسيم ،عبدة و جارية يمارس عليها كل طقوس و فنون التعذيب
أصيبت  بالاكتئاب ،و أصبحت  تعاني من احباطات نفسية  متراكمة
عانت  و هي بمفردها ،شعرت أنها لا شيء في الحياة و كأنها  لا تملك سند في الحياة ،لا أب  و لا أم و لا أخوات، كل ما كان يشغل بال  هؤلاء هو مهرها الثمين و الهدايا التى تلقونها من وسيم ،بعد صفقة بيع طفلة صغيرة  جدا لوحش
لجلاد علمها  كل معاني الإنكسار و الذل  ،لجلاد دفنها في قبر بداخل منزله
بعد أن سجنها سجنا محكم
هي أصبحت  مثل الطائر المجروح كل حلمها أن تتحرر من ذلك القفص الذي يقيدها
لكن  ماذا عساها أن تفعل
كثيرا ما صرخت  من الضرب ،كثيرا ما شعرت بالخوف وسط صراخه و شتائمه لها
هو اشتراها ليستعبدها بدون رحمة و لا شفقة ،استغل صغر سنها ليضمن طاعتها و خضوعها
هي من أصبحت  عبدة في بيت الطاعة لوحش
و في مرة عنفها لكن هذه المرة أغمى  عليها ،وسط تدخل الجيران ،قاموا بنقلها لمستشفى الضيعة   ،هناك  أين فقدت ابنها،حيث أعلمهم الطبيب أن العنف الذي تعرضت له أدى إلى اجهاضها و أنها  في حالة خطيرة جدا و أنها قد تفقد حياتها لضعف قدرتها على التحمل
شاع الخبر  داخل الضيعة و علمت جنى به ،أسرعت  للذهاب إليها، أين  كانت تدعو لها بالحياة ،
كانت تقول
“يارب بس تعيش  ،و أنا راح اعمل كل شيء مشان خلصها من هيدا العداب حتى لو كان على حساب حياتي
يارب بس هي تقوم بالسلامة و ما بدي أي  شيء تاني
يارب راح موت لو صارلها شيء
يارب دخيلك رجعلي ياها ”
كانت يارا  تصارع ما بين الحياة و الموت ،لأيام  متتالية و هي في غرفة العناية المشددة ،لم يزول الخطر عن حياتها

كانت يارا  تصارع ما بين الحياة و الموت ،لأيام  متتالية و هي في غرفة
العناية المشددة ،لم يزول الخطر عن حياتها

كثيرا ما كانت جنى تدعو لها ،إلى  أن  استجاب الله  دعائها
بعد فترة استيقظت يارا من الغيبوبة  و كانت تتساءل
“أنا  ليش هون
شو صاير معي ”
كانت تشعر بالألم  مثل السكاكين الحادة إلى  أن  سمعت صوت الطبيب يقول لها
“بليز يارا ما تتحركى انتي  بعدك تعبانة ”
نظرت  إلى  جانبها الأيسر  وجدت
جنى ،جنى التى كانت تنظر لها و هي باكية
ثم اقتربت منها و مسكت يديها

“حبيبتي  يارا لو بتعرفي شو كنت زعلانة عليكي
حبيبتي انا كنت عم بدعي لربي مشان بس تفتحي عيونك
حبيبتي  أنا  كتير مبسوطة هلا انو الله حماكي ،هيدي معجزة من معجزات رب العالمين

نظرت لها يارا و قالت لها “أنتي بتعرفي انتي هدية الله الي انا كتير بحبك ،انتي شيء كتير حلو في حياتي ،أنا  بلاكي و لا شيء ،إنتي أكتر  من أهلى
انتي شيء كتير غالي عألبي
انتي عطول بتضلي حدي
عن جد شكرا كتير ،كلمة شكرا ما بتكفي مشان اتشكرك على كل شيء منيح عم تساويه مشاني ”
جنى “حبيبتي  انتي اختى الصغيرة ،ماراح اتركك بعد هلا
حبيبتي  انتا هلا صحيتي و لازم تتشكى على وسيم مشان يحبسوه

يارا ” و شو راح استفاد و رجالو في كل مكان يمكن  يقتلو بيي أو  خي أو  امي
ما بدي ،أنا بس بدي اترك الضيعة  وروح لغير مكان ،بدي كفي تعليمي ،و انسى هيدا الكابوس ،بدي بس عيش بسلام و بدي اترك عيلتي ،عيلتي يلي كتير اذوني بس ما بدي وسيم ياذيهم ،بدي بس فل من هون و معاد ارجع
ألبي كتير انكوى ”
جنى “أنتي بس طيبي و بوعدك راح نفل من هون و راح نروح على بيروت و راح تكفي تعليمك و تصيري معلمة وراح تنسي كل شيء وراح يخف وجعك ”
يارا “راح يخف وجعي بمرور الزمن ،بدي بس فل انا كتير تعبانة ،ما بدي كفي حياتي في هيدا السجن ،في هيدا الجحيم
كل يوم  كنت عم خاف كتير
وين بيي و أمي  و اخواتي تركوني واجه قدر
ليش تركوني لحالي ،ليش ولا يوم خطر عبالهم انتو بنتهم يمكن تموت بأي  تانية ”
جنى”حبيبتي لا تزعلي انا هون حدك راح نفل على بيروت راح اتركك فترة في ملجأ  ،مديرة الملجأ  بتكون رفيقتي من زمان ،راح اتركك مشان تتعلمي لحد ما يوافقو على طلب تعييني في بيروت و لحد ما يروق الوضع هون ”
و بعد أن  تحسنت يارا  قليلا و في ذلك اليوم اتفقت يارا مع جنى على الهروب و التوجه إلى بيروت و بعد أن جهزت العدة ،سافرت جنى بصحبة يارا إلى بيروت ثم اخذتها إلى  الملجأ  أين  باشرت تعليمها و تحسنت حالتها النفسية  وعاد الأمل  من جديد إلى حياتها كانت تدرس و ترسم و تحلم
و كانت تنتظر قدوم جنى كانت تطوق إلى العيش بجانبها و فعلا تحقق الحلم و أصبحت  جنى في بيروت ،استأجرت منزل صغير جدا و أصبحت  تعيش معاها ،حياة بسيطة لكنها مليئة  بالتفاؤل
كانت تنجح كل سنة و كانت تشاركها نجاحها ،مرت السنة تلو  الأخرى  إلى  أن  نجحت في البكالوريا  و التحقت بالجامعة و أصبحت  معلمة و تغيرت أوضاعها المادية و أصبحت  المرأة  القوية و المثقفة
قررت حينها أن تزور الضيعة و تحديدا منزل عائلتها بصحبة جنى
ما أن وصلت كانت تتأمل  في ذلك المكان الذي سجنها و حرمها من الطفولة نظرت إلى عائلتها لكن كانوا ينظرون إليها باندهاش ،لأن  ملامحها  قد تغيرت مع تغير شخصيتها
لم تعد تلك الطفلة المنكسرة بل أصبحت  مرأة قوية
سألها  أباها الذي لم  يعرفها ” مرحبا نورتي الضيعة
على مين عم بدوري أستاذة ،شكلك غريب عالضيعة”
أجابته “عم دور على عيلتي ”
نظر لها باستغراب”عيلتك ؟؟؟؟
،هيدا بيتنا ”
يارا “بيتكم من زمان كان بيتي
شو بيي ،شو امي أنا بنتكم يارا ،يارا يلي هلا صارت إنسانة تانية ،ما ادرتوا حتى تتعرفوا عليها
يارا يلي تركتوها زمان  تواجه قدرها و هي بعدها طفلة

انا اجيت لهون بس لبرهن انو البنت فيها تحقق أحلامها و بالنهاية صرت معلمة يا أمي، صرت إنسانة الكل عم يحترمها حتى انتو يلي ما ادرتوا حتى تعرفوني لاني ما بشبه يارا البنت الضعيفة يلي أهلها  جبروها على الزواج و هي طفلة
هيدي يارا يلي اعتمدت عحالها و ما اختارت الحياة يلي كان بدكم ياها
يارا يلي ما اختارت انو تكفي في حياة الذل و القهر
يارا يلي اختارت طموحها و انتصرت بالنهاية على العادات و التقاليد يلي بتسجن البنت و ادمر حياتها بمعتقدات و أفكار كتير   قاسية
تخيلوا لو كفيت مع وسيم كان زماني في القبر و صوتي مكتوم
بس شوفو انا هلا وين و كان زماني كنت راح صير وين في غير مطرح     “

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك