في ظل التطورات المتلاحقة للثورة التكنولوجية ، والتي كان من أهم نتائجها ما يعرف بتقنية الميتافيرس ، وهي التقنية التي أدت إلي تحولات عميقة ، توحي بعدم السكون في حياة البشرية علي كافة الأصعدة ، الاجتماعية والاقتصادية وحتي الدينية .
ولذلك فقد باتت البشرية علي أعتاب مواجهة جديدة لمستجدات الحياة المعاصرة التي أصبحت تشمل العالم الافتراضي بكل ما فيه من خيال يصعب علي العقل البشري استيعابه .
ولم يُعد في إمكان الإنسان الحالي أن يعيش في معزل عن التطورات المذهلة في التقنيات التكنولوجية، التي جعلت العالم الافتراضي أحد أهم المستجدات التي تقدم للفرد خيارات مختلفة تجعله يبتعد عن واقعة الحقيقي ويتعلق بالعوالم الافتراضية .
وهذا التطور في الذكاء الاصطناعي أدي إلي بروز مظاهر وسلوكيات جعلت الفرد يطمح إلي حياة غير التي يعيشها في الواقع ،ليعيش في عالم افتراضي يقع ما بين الحقيقة وبين الافتراض ، وما أدي إلي إثارة العديد من الإشكاليات والتساؤلات .
ومن ذلك مدي قدرة تقنية الميتافيرس علي توفير كل مناسك الحج والعمرة للمستخدم ، وهل يمكن لهذه التقنية أن توفر الحالة الروحية والعقلية والجسدية للمستخدم لكي يشعر أنه يؤدي مناسك الحج والعمرة كما يؤديها الحاج أو المعتمر الحقيقي ؟
فإذا كانت تقنية ميتافيرس توفر عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد من الزمان والمكان والشعور أو الأحساس ، فلا هو حقيقي ، ولا هو خيالي ، ولكنه بين هذين العالمين ، ويتيح للمستخدم الدخول فيه بمساعدة أدوات معينة ، وباستخدام صورة رمزية متحركة تمثله ( أفاتار ) ، وذلك لإجراء بعض العمليات مثل التسوق ومقابلة الأشخاص والألعاب وغيرها الكثير من الأنشطة في هذا العالم بدون أن يتحرك من مكانه .
ومن ثم فإن هذه التقنية وبلا شك قد توفر الحالة الروحية التي يشعر بها الحاج أو المعتمر ، حيث قد تشعرك بالوقوف بعرفة ، والسعي بين الصفا والمروة ، والطواف حول الكعبة ، بل من الممكن أن تشعرك بلمس الحجر الأسعد .
كما يمكن أن توفر لك هذه التقنية الشعور بالتزاحم عند رمي الجمرات وتصور لك الشيطان وهو يهرول من أمامك ، كما يمكن أن تنقلك للمبيت في مني وتوفر لك الخشوع والزهد في أبهي صورة .
فمن أهم خصائص تقنية ميتافيرس إنها من نتائج الثورة التكنولوجية والتي تبشر بنقل البشرية إلي طفرة غير مسبوقة في نطاق التواصل ، كما تبشر بمستجدات لا نهاية لها ، فهي تقوم علي فكرة العالم الافتراضي الذي يُعد في ظاهره مجرد خيال ، ولكنه يحمل في طياته الكثير من التطبيقات الواقعية التي ستوفر للإنسان عالم شبه حقيقي متميز ، ومن ثم فهي ليست حقيقة مطلقة ، كما إنها ليست خيال مطلق ، ولكنها عالم ثالث .
فهي تعتمد علي تقنية تشفيرية تقوم علي تقنية تكنولوجيا التناظر الإلكتروني ، فيمكن للشخص أن يقوم بممارسة نشاطه من خلالها باستخدام أدوات معينة تساعده علي الولوج في العالم الافتراضي بشكل تام وكامل .
وبدلاً من أن تكون التفاعلات البشرية واقعية ومحسوسة عبر التلاقي المادي أو تكون غير مادية وغير محسوسة عبر التلاقي الرقمي من خلال شاشات الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، سوف يكون هناك طريق ثالث يسد الفجوة بين هذين العالمين الواقعي والرقمي ، ليظهر عالم ثالث افتراضي يأخذ من الواقع شيئاً، ومن الخيال و الإنترنت والتقنيات الذكية أشياءً وخصائص أخرى.
أدوات تقنية ميتافيرس :
=============
من خلال استخدام بعض الأدوات كنظارات الواقع الافتراضي والواقع المُعزز وارتداء السترات والقفازات والسماعات المُزودة بأجهزة استشعار ، يستطيع المُستخدم أن يعيش تجربة شبه حقيقية، تعمل فيها هذه التقنيات الذكية كوسيط بين المُستخدمين في عالم الميتافيرس ، لإيصال الشعور بالإحساس المادي، فيستطيع الشخص المستخدم من خلال القفازات أن يشعر بملمس الأشياء كالأحجار والأستار والحصي ودرجة حرارتها .
كما يستطيع أن يرى المُستخدم بواسطة النظارة الخاصة الأشياء من حوله بصورة ثلاثية الأبعاد فيري الجبال والمآذن والمساجد ، وعن طريق السماعات يستطيع المستخدم أن يسمع الآذان وآيات القران .
كما يمكن أن يشعر فيها بالمؤثرات الجسدية الحسية من خلال السترة أو البدلة ، كإحساس التزاحم والاحتكاك أو غيرها من المؤثرات ، من خلال المستشعرات الموجودة في السترات والقفازات التي يرتديها، فيحصل على تجربة أشبه بالواقعية حتى وإن كانت غير مباشرة .
كيفية الدخول إلي عالم الميتافيرس لمعايشة مناسك الحج والعمرة :
=======================================
يتم الدخول عن طريق إنترنت سريع وباستخدام بعض تطبيقات الهواتف الذكية، وتأتي الخطوة التالية في تحديد الهيئة المناسبة لشخصيتك باختيار صورة متحركة تمثلك باستخدام «الأفاتار» المناسب لك، هذا كل ما تحتاج إليه لدخول العالم الافتراضي ؛ لتكتشف بعدها القدرة الهائلة للانتقال إلى العالم الافتراضي الذي توفره الميتافيرس .
ومن خلال ذلك يستطيع المستخدم أن يعيش تجرية الحج والعمرة بكل أحاسيسها ومشاعرها الروحية ، باستخدام كل الحواس مثل الرؤية والسمع واللمس وحتى الشم، ، ولا أحد يستطيع القول أن هذه التقنية لا توفر هذه المشاعر ، وتوفر الاستطاعة للمستخدم غير القادر صحياً ، وتوفر الاستطاعة للمستخدم غير القادر مادياً ، ناهيك عن توفير الجهد والوقت ، وتخفيف الزحام وتقليل المخاطر !!!
تقنية الميتافيرس لا تصلح لتأدية الحج أو العمرة !!
============================
مهما وفرت تقنية الميتافيرس من مميزات وتسهيلات ورفاهيات ، إلا أنها تعجز عن الصلاحية لتأدية مناسك الحج والعمرة لم يستخدمها ، فهذه المناسك هي رحلة روحية وعقلية وجسدية ، ترتبط بوجود الإنسان بجسده وروحه وعقله في زمان معين ووقت محدد ، في مكان معين ومحدد ، بحيث لا ينفك هذا الجسد عن هذا المكان وفي هذا التوقيت وإلا ما تقبلت مناسكه .
فالحج والعمرة لا يكونا إلا كما فعل الرسول صلي الله عليه وسلم ، فيجب فيه أداء العبادات من طواف وسعي ومبيت بمني ورمي الجمرات والوقوف بعرفة وذلك بحضور الجسد حقيقة وليس خيالاً .
ولا يمكن أن تكون هذه الشعائر عن طريق المحاكاة والافتراض ، فالجسد الحقيقي فيها هو المتطلب الأساسي ، بمعني أن وقوف الجسد بعرفة مثلا فقط ، يكفي حتي وإن كان الشخص نائماً الوقوف بعرفة يتحقق بوجود الحاج في أي جزء من أجزاء عرفة، سواء كان واقفًا أو راكبًا أو مضطجعًا، لكن إذا لم يقف الحاج داخل حدود عرفة المحددة في هذا اليوم فقد تكون حَجُّته غير مقبولة .
وبمجرد التواجد فقط تتم العبادة ، وقد وردت بعض الأحاديث النبوية التي تتحدث عن ذلك منها: ما رواه أبو هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:- ” إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْثًا غُبْرًا ”
وما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : ” ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو يتجلى، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم ”
ويتضح من ذلك أن عبادة الحج والعمرة عن طريق المحاكاة عبر تقنية الميتافيرس لا يمكن أن تقبل ، لعدم توافر أركانها و شرائطها الشرعية .

التعليقات