الثلاثاء - الموافق 16 يوليو 2024م

الدعم العيني أم النقدي ايهما اصلح للحالة المصرية ..بقلم الدكتور عادل عامر

تبذل الحكومة المصرية جهودا كبيرة لحماية الفقراء وتخفيف العبء عن محدودي الدخل بدعم السلع والخدمات الأساسية وتوفيرها بأسعار مناسبة، مما يساعد على الارتقاء بمستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة وتحقيق التكافل الاجتماعي والاستقرار السياسي. فوفقا لسياسة الدعم الحالية، تخصص الحكومة نسبة كبيرة من الموارد العامة للإنفاق على الدعم بصورة ظاهرة وصريحة، كما تتنازل عن قدر كبير من الإيرادات العامة لتوفر دعما ضمنيا لأسعار عديد من المنتجات والخدمات. وعلى الرغم من تلك الجهود، تؤكد الأدلة المتاحة أن قدرا كبيرا من هذا الدعم لا يصل إلى مستحقيه ويتسرب لغير مستحقيه. ويؤدي ذلك إلى عدم العدالة الاجتماعية،

وتزايد الإنفاق العام، وانخفاض الإيرادات الحكومية، وتترتب عليه زيادة عجز الموازنة العامة وصعوبة إدارة السياسة المالية، وخاصة مع تناقص الإيرادات الضريبية في الأجل القصير نتيجة للتخفيض الذي تم مؤخرا في معدلات الضرائب الجمركية على الواردات ومعدلات الضرائب على الدخل. كما تؤدي سياسة الدعم الحالية إلى سوء تخصيص الموارد الاقتصادية نتيجة لتشوه الأسعار وعدم توافر الحوافز السليمة لكل من المنتجين والمستهلكين،

مما يترتب عليه انخفاض الكفاءة الاقتصادية. وبالإضافة لما سبق، يفوق الدعم الضمني قيمة الدعم الظاهر بكثير، وتوضح هذه الدراسة أنه أحد العوامل الرئيسية وراء عدم العدالة الاجتماعية وانخفاض الكفاءة الاقتصادية لسياسة الدعم الحالية في مصر.

أن مصر مطالبة بتحويل الدعم العيني بما في ذلك دعم المحروقات والطاقة، إلى دعم نقدي من خلال التوسع في برامج شبكة الحماية الاجتماعية، مثل برنامج تكافل وكرامة، الذي تقدم الحكومة من خلاله مساعدات نقدية مشروطة لمساعدة الأسر الفقيرة والأكثر احتياجا.

أن المنظومة الخاصة بتوزيع الدعم في طريقها للانتهاء ولكن لم تكتمل بعد. لان الدعم النقدي يعد الخيار الأنسب في الدول الناشئة والتي تميل إلى الاستهلاك أكثر من الادخار. لو تم تحويل الدعم المقدر بـ 630 مليار جنيه إلى دعم نقدي

فإنه يعادل ضخ نحو 6 مليارات جنيه ما يعادل 50% من الناتج المحلي الإجمالي في دورة الاقتصاد”.”أعتقد أن هناك ضغطا من صندوق النقد على الحكومة المصرية للتنبيه على مسألة الدعم العيني وتفضيل الدعم النقدي عليه، وأن هذا يعد أحد شروط المانحين وصندوق النقد والبنك الدولي. فى هذا الإطار، تصبح منظومة الدعم النقدى المشروط هى الآلية الأكثر قدرة على تجاوز هذه الإشكالية؛ حيث يحصل مستحق الدعم على «قيمة نقدية» بصورة شهرية، لكنها «موجهة» للصرف فى إطار سلعى محدد، كما أنها «مشروطة»؛ أى تلتزم الأسرة المتلقية للدعم بشروط تحددها الجهات الحكومية المنوط بها تقديم الدعم كضمان انتظام أبنائها فى مراحل التعليم المختلفة، والالتزام بالرعاية الصحية للمواليد. إلخ.

وفقا لذلك، تكون منظومة الدعم النقدى المشروط قد ساهمت فى تحقيق هدفين، أولهما: إخراج الأسر من دائرة الفقر من خلال دعم هذه الأسر بمبلغ نقدى مباشر. وثانيهما: الاستثمار غير المباشر فى «رأس المال البشرى»، بإجراءات حماية اجتماعية لأبناء تلك الأسر بما يؤدى على المدى الطويل إلى تحسين مستوى معيشة الأسر الأكثر فقرا.

يشير العديد من المتخصصين إلى أن كلًا من المنظومتين؛ الدعم العيني والدعم النقدي المشروط، كلاهما له مزايا وعيوب، ويتوقف ذلك على حالة اقتصاد الدولة التي تقوم بالاختيار بين المنظومتين. فحالة الدولة التي تعانى من ارتفاع في معدلات التضخم يصبح من الصعوبة بمكان الأخذ بمنظومة الدعم النقدي بحسبان أن حالة التضخم ستمتص الكثير من هذا الدعم، وبالتالي تضفى المنظومة فى هذه الحالة المزيد من المعاناة على كاهل الشرائح الأكثر فقرا، ومن ثم يصبح الدعم العيني -هنا- وسيلة مناسبة لعلاج حالة التضخم نفسها.

هنا تبدو الجدوى الاقتصادية لمنظومة الدعم النقدي المشروط حاضرة، حيث يجمع المتخصصون فى هذا الشأن أن الدعم النقدي يوفر أكثر من نصف تكلفة الدعم العيني بحسبان أن الأولى تعتمد على استخدام البطاقة الذكية لمستحق الدعم،

حيث يتم تحويل المبلغ المحدد للدعم عليها عبر تحويلات بنكية. كما أن المنظومة، وفقا لعدة إجراءات، تضمن وصول الدعم لمستحقيه من معدومي ومحدودي الدخل، وسهولة رصد قيمة الدعم النقدي كرقم «ثابت» في الموازنة العامة للدولة، على العكس من الدعم العيني، حيث تتغير أسعار السلع في العام المالي الواحد، وفقا لسعر السلعة، أو سعر خامتها في الأسواق الدولية. يلاحظ هنا أن مختلف أنواع الدعم بصورتيه العيني والنقدي يلعبان دورا مهما في تحقيق وإنفاذ برامج «شبكات الأمان» الاجتماعية،

والتي تعد محورا رئيسيا في تعريف الحماية الاجتماعية باعتبارها تشمل توفير الاحتياجات الأساسية للشرائح الأكثر فقرا في المجتمع، وبرامج التأمين الاجتماعي، وبرامج سوق العمل التي تحقق التمكين الاقتصادي.

قبل ثورة 2011، كانت الحكومة كانت تريد تطبيق منظومة دعم نقدي في مصر، وطالبوا بإجراء دراسة ميدانية شملت نحو 5 آلاف أسرة، شاركت في إعدادها، لكن النتائج كانت غير مرحبة بمثل هذه الخطوة”.

وتضيف: “الدراسة أظهرت أن 85 بالمئة من الأسر رفضت تطبيق الدعم النقدي بدلا من الدعم العيني، نظرا لتخوفات فيما يتعلق بإمكانية استغلال الأموال بشكل غير مقبول من قبل بعض أفراد الأسرة وفي مقدمتهم رب الأسرة. كما أبلغوا بأن الأموال عادة تتراجع قيمتها مع الوقت ومن الأفضل الحصول على السلع والخدمات المدعومة من الدولة”.

وتؤكد هذه الدراسة التي أجراها خبراء اقتصاد لصالح الحزب الوطني الحاكم حينها، قبل أن يتم حله بعد إسقاط الرئيس المصري، حسني مبارك، في ثورة شعبية عام 2011، على “الرفض الشعبي لمثل هذه الخطوة”، ، والتي تشير إلى أنه “إذا قامت الحكومة الحالية بذات الدراسة حاليا ستجد نفس النتائج”. تقوم الحكومة بدعم أسعار عديد من السلع والخدمات إما بصورة ظاهرة أو ضمنية، لتوفر الاحتياجات الأساسية للفقراء ومحدودي الدخل بأسعار مناسبة. ويقصد بالدعم الظاهر الإنفاق العام الذي يتم تسجيله بصورة واضحة وصريحة في جانب النفقات بالموازنة العامة كدعم مباشر للسلع والخدمات الأساسية ودعم غير مباشر لتمويل عجز الهيئات الاقتصادية العامة. أما الدعم الضمني، فهو يمثل إيرادات عامة ضائعة لا تظهر بشكل صريح في الموازنة العامة، لكنها تسهم في زيادة العجز بها، مثل دعم أسعار المنتجات البترولية والكهرباء وبعض الخدمات كالتعليم والصحة

ونظرا لصعوبة حصر الدعم الضمني لجميع السلع والخدمات في كافة القطاعات وتحديد قيمته بدقة في دراسة واحدة، فسوف نركز على دعم المنتجات البترولية والكهرباء نظرا لأهمية العلاقات الترابطية الأمامية والخلفية لهذين القطاعين. كما نقوم بتقدير متوسط قيمة الدعم الذي تتحمله الحكومة في مرحلتي التعليم قبل الجامعي (الأساسي والثانوي)، والتعليم العالي (الجامعي والمعاهد العليا)، كمثال على الدعم الضمني في مجال الخدمات الاجتماعية. وفيما يلي نتناول كل من دعم المنتجات البترولية، والكهرباء، والتعليم على التوالي. وخلاصة الأمر، بلغ مجموع الدعم الضمني للمنتجات البترولية (22 مليار جنيه) والكهرباء (2.5 مليار جنيه) والتعليم قبل الجامعي والعالي (11 مليار جنيه)، حوالي 35.5 مليار جنيه مصري في عام ،2005/2004 وفقا لتقديرات هذه الدراسة. ويمثل هذا الدعم الضمني حوالي %26 من الإنفاق العام، و%7 من الناتج المحلي الإجمالي لعام .2005/2004 وبذلك تتجاوز قيمة الدعم الضمني في هذه القطاعات الثلاثة وحدها القيمة الكلية للدعم الظاهر

والتي بلغت 18 مليار جنيه مصري تقريبا في عام ،2005/2004 والتي تمثل نحو %14 من الإنفاق العام، و%4 من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الدعم الضمني لا يقتصر فقط على المنتجات البترولية والكهرباء والتعليم، بل يمتد ليشمل العديد من السلع والخدمات في قطاعات أخرى كثيرة، لتأكدنا من ارتفاع الأهمية النسبية للدعم الضمني بالمقارنة بالدعم الظاهر، وأنه أحد العوامل الرئيسية المؤثرة على الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية لسياسة الدعم الحالية. كان الهدف من هذه الدراسة هو طرح البدائل الممكنة لتحقيق مزيد من عدالة وكفاءة سياسة الدعم في ضوء الخبرة الدولية، وتحديد أكثر هذه البدائل ملاءمة لمصر.

وقد وجدت الدراسة أنه على الرغم من أن سياسة الدعم الحالية تحقق منافع عديدة للمواطنين كتخفيف حدة الفقر، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اللازمة لحمايتهم من سوء التغذية، وتحقيق الاستقرار السياسي، إلا أنها تؤدي إلى انخفاض الكفاءة الاقتصادية وعدم العدالة الاجتماعية. فبالنسبة لانخفاض الكفاءة الاقتصادية، تؤدي السياسة الحالية إلى سوء تخصيص الموارد الاقتصادية نتيجة لتشوه الأسعار، والمغالاة في الاستهلاك، وتربح البعض من ازدواجية الأسعار والأسواق للسلعة الواحدة على حساب الآخرين. أما فيما يتعلق بعدم العدالة الاجتماعية، فتتحيز سياسة الدعم الحالية لصالح الأغنياء على حساب الفقراء، ويستفيد منها سكان الحضر أكثر من المقيمين في الريف،

ويستحوذ المواطنون في الوجه البحري على النصيب الأكبر منها بالمقارنة بالمقيمين في الصعيد. وقد أكدت الدراسة على أنه على الرغم من إمكانية إصلاح سياسة الدعم الحالية من خلال توفير آليات تضمن وصول الدعم لمستحقيه وعدم تسربه لغير المستحقين له؛

وتغيير تركيبة السلع المدعومة؛ وتحديث نظام التسجيل في بطاقات التموين؛ ورفع كفاءة نظام توزيع السلع والخدمات المدعومة؛ ووضع آلية لتسعير المنتجات البترولية والكهرباء، وجعل الإنفاق العام على التعليم أكثر عدالة وكفاءة، إلا أن التحول من الدعم السعري إلى الدعم النقدي المشروط يساعد ليس فقط على تحسين نمط توزيع الدخل وتخفيف حدة الفقر في ECES WP105 / Omneia Helmy / November 2005 الأجل القصير، ولكن أيضا على تراكم رأس المال البشري وتحقيق النمو الاقتصادي في الأجل الطويل،

مما يحقق قدرا أكبر من العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية. ويستلزم هذا التحول تحقيق تقدم ملموس في الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي تساعد على توفير فرص عمل جديدة مرتفعة الإنتاجية، ورفع مستويات الدخول، وتحسين نمط توزيع الدخل، وتطوير القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم، وتطبيق سياسة قومية للأجور تحقق التوازن بين هيكل الأجور وتكلفة الحصول على الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ومتوسط مستوى الإنتاجية في الاقتصاد القومي.

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك