الإثنين - الموافق 24 يونيو 2024م

الشركات ذات الطابع الدولي احدى الأدوات الهامة للاستعمار ..بقلم الدكتور عادل عامر

تنتهك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية قوانين الاحتلال. فاتفاقية جنيف الرابعة تمنع دولة الاحتلال من نقل مواطنيها إلى أراض تحتلها، ومن نقل أو تهجير سكان الأرض المحتلة داخل البلاد أو خارجها. نصّ نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، على ولاية المحكمة على جرائم الحرب، بما فيها جرائم نقل جزء من السكان المدنيين لدولة احتلال إلى أرض محتلة، والنقل القسري لسكان الأرض المحتلة. وتختص المحكمة الجنائية الدولية بالجرائم المرتكبة على تراب دولة فلسطين أو انطلاقا منه، الدولة التي هي الآن عضو في المحكمة، بدءا من 13 يونيو/حزيران 2014، وهو التاريخ الذي حددته فلسطين في الإعلان المصاحب لانضمامها.

يندر أن نجد صراعًا بين الحق والباطل، في تجارب التاريخ البشري القديم والمعاصر، احتشدت فيه ترسانة مهولة من المزاعم والأباطيل، وبروباجندا غير مسبوقة في خداع العقول وتضليلها، كما عليه الصراع؛ بين رواية أصحاب الحق والحقيقة في فلسطين، والرواية الصهيونية الزائفة ومزاعمها السالبة لمشروعية الرواية الفلسطينية. لا غلّو أن هذا الصراع الرهيب، اتسم طابعه العام بالتناقض الوجودي منذ نشأته، بين منطق اختلاق الوقائع وفرضها بقوة الإكراه الصهيوني، ومنطق الدفاع عن الحقوق الراسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، ما يكشف بدوره السياسات النافذة للقوى الاستعمارية، في إضفاء “الشرعية الدولية على الرواية الصهيونية”، على حساب إنكار عدالة الرواية الفلسطينية.

والدعاية الصهيونية/الإسرائيلية في هذا السياق هي عنصر من عناصر المعركة السياسية. وتشكل أحد المرتكزات الثلاثة التي تقوم عليها استراتيجية المُستوطِن الصهيوني (الصراع المسلح -التخطيط الدعائي المنظم -الدبلوماسية النشطة).

والعلاقة بين هذه المرتكزات متداخلة، فأي منها يُعدُّ للآخر ويتابعه؛ فالدعاية الإسرائيلية تقدّم للصراع المسلح وتلاحقه بمعنى المتابعة المرتبطة بتضخيم النتائج أو تشويه الانتصار المعادي، ثم تأتي الدبلوماسية لتؤكد ما حققه كل منهما. حلقة الصلة التي تربط تلك المرتكزات أنها تندرج في المعركة السياسية الكبرى التي تسعى إلى خلق دولة إسرائيلية تمتد من النيل إلى الفرات كما أن مصادرة إسرائيل للأراضي والمياه والموارد الطبيعية لصالح المستوطنات وسكان إسرائيل تشكل انتهاكا للائحة لاهاي لسنة 1907، التي تحظر على دولة الاحتلال مصادرة موارد الأرض المحتلة لمصلحتها الخاصة. يضاف إلى هذا أن مشروع إسرائيل الاستيطاني ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبوجه خاص سياسات إسرائيل التمييزية تجاه الفلسطينيين التي تكاد تحكم جميع جوانب الحياة في المساحة الخاضعة لسلطة إسرائيل الحصرية من الضفة الغربية، والمعروفة بالمنطقة “ج”، والتي تعمل على تهجير الفلسطينيين بالقوة بينما تشجع نمو المستوطنات اليهودية.

كما يوثق هذا التقرير ترى هيومن رايتس ووتش أن الشركات تساهم في واحد أو أكثر من تلك الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني والانتهاكات الحقوقية، بحكم نشاطها التجاري مع المستوطنات أو بداخلها. وتعتمد شركات المستوطنات على مصادرة إسرائيل غير المشروعة للأراضي وغيرها من الموارد الفلسطينية، أو تستفيد منها، فتسهل عمل المستوطنات وتناميها. كما أن الأنشطة المتصلة بالاستيطان تستفيد استفادة مباشرة من سياسات إسرائيل التمييزية في تخطيط المناطق الحضرية، وتخصيص الأراضي، والموارد الطبيعية، والحوافز المالية، والنفاذ إلى الموارد والبنى التحتية. وتؤدي هذه السياسات إلى التهجير القسري للفلسطينيين، ووضعهم موضع الاستضعاف في مواجهة المستوطنين. لقد أضرت قيود إسرائيل التمييزية المفروضة على الفلسطينيين بالاقتصاد الفلسطيني وتركت كثيرين من الفلسطينيين معتمدين على العمل في المستوطنات ـ الاعتماد الذي يعود مؤيدو الاستيطان للاستشهاد به لتبرير النشاط التجاري الاستيطاني.

لقد تبنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق سياسة توسيع الاعتماد على المتعهدين الأمنيين وذلك لتقليل الخسائر البشرية في الجيش النظامي, ولما يخلفه ذلك من تداعيات شعبية سياسية من ومن جهة أخرى للالتفاف على القيود القانونية التي تحكم عمل الجيش النظامي,

وقد اعتمدت القوات الأمريكية على العديد من تلك الشركات وما منها شركة دانيكروب انترناشونال و تربيل كانوبي وشركة بلاك ووتر, إذ كان الهدف من عمل هذه الشركات في العراق توفير الأمن والحراسة للبعثات الدبلوماسية وشركات الأعمار وتامين حماية المطارات والتنسيق الأمني وحماية أنابيب النفط.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في التفويض للشركات الأمنية الخاصة من الدول وخاصةً الدول التي تقوم بعليات عسكرية وبذلك فأن هذا الأمر يتطلب الاستعانة بخدمات هذه الشركات كما هو الحال في استعانة القوات الأمريكية بالشركات الأمنية الخاصة فان ذلك يؤدي إلى احتكاك هذه الشركات بالأفراد وربما يؤدي هذا الاحتكاك إلى حدوث أضرار بالإفراد إذ تمثل انتهاكات للقانون الدولي الإنساني الأمر الذي دفع الباحثين إلى دراسة هذه الشركات وتحديد وضعها طبقاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي على حد سواء وهذا البحث هو محاولة لدراسة الإطار القانوني للمسؤولية الجنائية لهذه الشركات والقواعد القانونية التي تحكم نشاطها,

وبالأخص بعد الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني والجرائم الكثيرة والفظيعة التي ارتكبها أفراد هذه الشركات ما أثار جدلاً واسعاً على كافة الأصعدة عن مدى مشروعية وجود هذه الشركات ومدى شرعية ما تقوم به وما حكم القانون الدولي في ذلك,

ولضمان إن يسلك موظفو الشركات الأمنية الخاصة السلوك المقبول فإنه يحتم على إدارة هذه الشركات تحمل المسؤولية عن الأفعال المرتكبة من موظفيهم على أساس مسؤولية التابع عن أعمال المتبوع لان المسؤولية تقوم على الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما,أو الخطأ المرتكب من الإدارة وعلى ضوءه تتحمل المسؤولية الغير مباشرة يتمثل في عدم الدقة في الاختيار ولتلافي ذلك على تلك الإدارات القيام بجملة من الخطوات(53) منها إجراءات لتدقيق تعيين الموظفين من خلال معرفة خلفياتهم والأماكن التي عملوا فيها.

وكذلك توفير التدريب المناسب في مجال القانون الدولي الإنساني أو تدابير تأديبية وإقليمية من ذلك كله يمكن القول:إن موظفي الشركات الأمنية الخاصة يتعرضون لمخاطر قانونية معينة سواء كانت مبنية على المسؤولية الجنائية لارتكاب جريمة حرب أو المشاركة في ارتكابها.أو على أساس المسؤولية المدنية عن الأضرار المتسببة. وينص القانون الدولي الإنساني على إن مرتكبي الانتهاكات لايتحملون وحدهم المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب بل من الممكن تحميل رؤسائهم المسؤولية الجنائية عن ارتكاب الجرائم, فعلى سبيل المثال تاجر السلاح الذي يبيع الأسلحة لجاحد الزبائن وهو يعلم إنها تستخدم لارتكاب جرائم حرب يمكن أن يتهم بانت شريك في هذه الجرائم بغض النظر عما إذا كان يقاسم الزبون نواياه.

إن القانون الدولي الإنساني لايعفي الدول التي تقوم باستئجار خدمات هذه الشركات من المسؤولية الجنائية والمدنية عن مدى التزام أفراد هذه الشركات بقواعد القانون الدولي الإنساني. ولقد أوجبت اتفاقية جنيف في المادة الأولى على الدول احترام القانون الدولي الإنساني,وان تتخذ الخطوات كافة الضرورية لتحقيق ذلك الهدف ووضع آليات مراقبة لضمان احترام تلك القواعد,

وان هذه الإجراءات لاتقتصر على القوات النظامية بل تتعداه إلى الهيئات كلها التي تمارس أو تشترك في العمليات العسكرية وعليه يجب على الدول التي تقوم بأستئجار خدمات هذه الشركات أن تحرص على اتخاذ الخطوات المهمة ومنها قيام الدول التي تقوم بالاستئجار لتوجيه أوامر إلى هذه الشركات بضرورة مواصلة التدريب على قواعد القانون الدولي الإنساني.

وتأسيس آليات للمراقبة على الدول التي تقوم باستئجار خدمات الشركات الأمنية الخاصة عن الأفعال المخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني المرتكبة من أفراد هذه الشركات التي لا تخضع لقواعد المسؤولية الدولية التي وردت في القانون الدولي العام(مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة التنفيذية) لأن هذه المسؤولية تترتب عندما تكون هناك علاقة قانونية بين محدث الضرر والدولة تتمثل في إن الأول يمثل جزءاً من السلطة التنفيذية, أما مسؤولية الدولة المستأجرة عن الأعمال المرتكبة من موظفي الشركات أساسه الخطأ في المراقبة على تصرفات هؤلاء ومدى التزامهم بالقانون الدولي الإنساني. وعندنا في العراق فإن هذه الشركات وعلى الرغم من الظروف التي جاءت بها ومارست أعمالها فإنها في بعض جوانبها قد تكون غير مشروعة لأنها خرجت عن نطاق أعمالها وارتكبت مجازر بحق العراقيين, لذلك نجد إن الحكومة العراقية قد تحملت هذه الأعباء وهذه الأخطاء التي نشأت عن أعمال هذه الشركات في مختلف أرجاء العراق فقامت بدفع التعويضات إلى كثير من العراقيين الذين قتلوا أو أصيبوا لا بوصفها مسؤولة عن هذه الشركات من الناحية القانونية البحتة وإنما بوصفها مسؤولة عن أفراد الشعب العراقي جميعاً لأنها تمثل الدولة الراعية لمصالح هذا الشعب والحامية لحقوقه وحرياته الخاصة من الاعتداء أو المساس.

لتحقيق عنصر الرقابة على النشاطات التي تقوم بها هذه الشركات خارج موطنها الأصلي لابد للدولة التي تحمل جنسيتها إن تقوم بجملة من الإجراءات القانونية التي تساعدها على تحقيق عنصر الرقابة هذا, ولكن على الرغم من الأهمية القصوى لهذا الإجراء, إلا إننا نجد أن من بين الدول التي توجد شركات تحمل جنسيتها التزمت بهذا الإجراء هي جنوب أفريقيا التي أصدرت عدة إجراءات تتمثل في تبني تشريع يضبط الشركات العامة في الخارج والتي تحمل جنسيتها, وان الهدف الأساس من هذه الإجراءات هو تحقيق الغاية الأساسية وهي احترام القانون الدولي الإنساني.

كما إن الدولة التي تعمل الشركات الأمنية على أراضيها أو تكون بوضع الاستضافة هي الأخرى تستطيع أن تمارس قدراً من السيطرة والإشراف على إنشاء نظام لمنح التراخيص ينظم القواعد الضابطة للسلوك ويمكن أن يشمل عمل وطني تنظيمي يطبق من خلال فرض شروط على منح التراخيص يجب على الشركة أن تلتزم بها,وتتمثل هذه الشروط في تدريب موظفيها في مجال القانون الدولي الإنساني واعتماد تدابير تأديبية داخلية, وفرض الحصول على تصريح لكل عقد من العقود على وفق طبيعة النشاطات المقترحة والوضع القائم في البلد الذي سوف تعمل فيه الشركة فضلاً عن تحديد العقوبات في حالة العمل من دون تصريح مما تقدم نجد إن الدولة التي تحمل الشركة جنسيتها أو التي تستأجر خدماتها أو تعمل على أراضيها تترتب عليها مسؤولية الحرص على ضمان إن تقوم هذه الشركات باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان لما لأعمال هذه الشركات من خصوصية تتسم بالطابع العسكري وان تكون مسؤولية ضمان الانتشار لهذه القواعد مسؤولية تضامنية بين الدول المشار إليها سابقاً لان القانون لا يعفي أياً من هذه الدول من المسؤولية وذلك لان لكل من هذه الدول علاقة خاصة بهذه الشركات كما أن للمضرور الحق في مقاضاة أي من هذه الدول إلى جانب مقاضاة الشركة.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك