الثلاثاء - الموافق 16 يوليو 2024م

بناء التوافق الوطني في بلدان الربيع العربي ..بقلم الدكتور عادل عامر

تعد عملية بناء الدولة من بين أبرز القضايا التي شغلت بال العديد من الباحثين في العلوم الاجتماعية عامة وحقل علم السياسة خاصة، باعتبار أن الدولة هي الكيان القانوني المعبر عن إرادة المجتمع، فالدول المغاربية كغيرها من دول العالم بدأت تحاول تأسيس معالم الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال، إلا أن سبيل الوصول إلى ذلك تخللته جملة من العقبات كان على هرمها تركة الموروث الاستعماري الذي عمل على تفكيك قواعد هويتها،

مما كان له كبير الأثر في توجيه عملية البناء. إن تجربة البناء الوطني تعرضت للعديد من الهزات التي أثرت على سيرورتها البنيوية متمثلة في سياق الانتقال الديمقراطي فضال على تغير قاعدة توازن القوى في العالقات الدولية، وهو ما كان له تداعيات على مخرجات سياساتها العامة بمختلف سياقاتها السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية…الخ

تحتاج السياسة وقراءة مسارات الواقع واتجاهاته المستقبلية إلى الابتعاد من سطوة اللحظة الآنية وكثافتها، بما تخلقه من تفاؤل أو تشاؤم، والاقتراب أكثر من قراءة ما هو راهن في تواصله مع التاريخ. من هذه الزاوية، كان توقّع الآفاق السلبية لثورات الربيع العربي على المدى القريب، وربما المتوسط أيضًا، ممكنًا قبل الوصول إليها فعليًا، استنادًا إلى قراءة سياسية واقعية مرتبطة بقراءة تاريخية بعيدًا عن الرغبات والمواقف السياسية.

صحيح أن النتائج الراهنة لم تكن حتمية، لكنها كانت الأكثر احتمالًا، وما دامت كذلك كان يمكن وضع استراتيجيات كبرى واتباع سياسات بعينها للحدّ من النتائج السلبية المتوقعة، وهذا عمل رئيس يقع على عاتق النخب الفكرية والسياسية. وصحيح أيضًا أن الثورات بحدّ ذاتها كانت خارجة على توقعاتنا، وأن الواقع يحتمل حدوث مفاجآت تتجاوز تفكيرنا وحساباتنا، لكن أهل السياسة ينبغي لهم ألا يرهنوا عملهم كله بحدوث المفاجآت التي يتمنونها.

تهدف هذه المقالة إلى القول إن ثورات الربيع العربي والانتقالات السياسية في المنطقة العربية جزء من مسار عالمي تاريخي باتجاه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن هناك سمات عامة تميز الثورات والانتقالات كافة، مثلما هناك سمات خاصة بكل بلد، لكنها لا تصل إلى درجة عدم قابلية الدول العربية للديمقراطية، وتهدف أيضًا إلى إظهار ضعف النخب السياسية الثقافية، والقوى السياسية والمدنية، في المنطقة، فكرًا وخبرةً وأداءً؛ فكثير من إشكالات الثورات والانتقالات سببها هو هذا الضعف،

لذلك تغدو الحالة الراهنة نتيجة متوقعة من حيث أبعادها الأساسية. وتحاول المقالة أيضًا استكشاف فهم آخر أوسع للمرحلة الانتقالية، يربطها بالثورة قبلها، على اعتبار أن الخيارات خلال مرحلة الثورة تؤثِّر كثيرًا في طبيعة المرحلة الانتقالية. وتهدف أخيرًا إلى وضع محدِّدات أساسية، وعامة، بالاستفادة من تجارب بلدان أخرى، لنجاح الانتقال السياسي الديمقراطي.

يعد مفهوم عملية بناء الدولة تقليدية وحديثة في آن واحد، إن المفهوم التقليدي الذي ساد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة ، والذي تزامن مع موجة استقال الدول من غير الاستعمار، كان يراد به إقامة مؤسسات مستقرة، تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتحرر من التبعية والاستعمار الجديد، وتحقيق الأمن وصياغة دساتير و هياكل سياسية تقود عملية التنمية. إلا أن مفهوم عملية بناء الدولة الذي شاع استخدامه بعد الحرب الباردة، ركز على إعادة بناء الدولة الفاشلة التي أصبحت مصدرا لتهديد الأمن والسلم والاستقرار في العالم، وكذلك على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة، والإصلاح السياسي والاقتصادي،

ومن ثم يتوجب على الأمم المتحدة والدول الديمقراطية الاهتمام بشأن هذه الدول ومساعدتها على إعادة بناء ذاتها، وذلك من خلال إعادة هندسة هذه الدول سياسية واجتماعية لتمكينها من تحقيق الأمن والديمقراطية والاستقرار الداخلي، فهندسة بناء الدولة التي برزت بعد الحرب الباردة ، صاحبت انهيار الدولة في مناطق عدة من العالم وانطوى انهيارها على بروز أخطار تهدد الأمن الدولي

والقراءة التاريخية لانتفاضات الربيع العربي هي أننا أمام إعادة تشكل للتاريخ كله في المنطقة، ونحن أمام محطة تاريخية فاصلة؛ فالقديم قاد إلى الانفجار، ولم يعد قادرا على تقديم استجابات لتحديات المجتمع والدولة، ولكن الجديد لم يتبلور بعد وهذه هي مهمتنا التاريخية كما أعتقد، واللحظة ليست خواء كما يظن البعض، بل تمتلئ بالكثير والكثير مما يصب في المستقبل، وبمقدار قدرة الإسلاميين أو غيرهم على التقاط مقومات هذه اللحظة بمقدار ما سيستردون حضورهم وزخمهم الذي تراجع إلى حد كبير، وذلك وفق ما رصدته الأوراق الثلاثة

والذي تمثَّل بتراجع شعبيتهم في الاستحقاقات الانتخابية المتواصلة، والأهم هو فقدان المصداقية والثقة في قدرة الإسلاميين على إيجاد حلول للواقع المأزوم. أنا أدرك أن مشاريع الماضي المرتحل لم تكن مجرد صياغات وعبارات عابرة تحملها قوة السلطة بالمعنى المتسع لها الذي يقدمه فوكو، بل إنها شكل أو مقترح للحياة، ولطبيعة المجتمع بشبكة علاقاته، وهي خطاب وممارسة لتصورات وخيال سياسي واجتماعي واقتصادي، وتصور معرفي للحياة والدولة، تنبثق عنهما أعراف وتقاليد ومؤسسات ولغة وتصور للمجتمع ولأفراده، وتصور للذات والآخر يعبر عن نفسه في قوانين وتشريعات ودستور وعلاقات إنتاج.

وصول المنطقة لهذا الوضع المأساوي بينما كانت تحاول أن تزيح أنماطا متنوعة من حكم القرون الوسطي ومن فساد النخب الحاكمة، لم يكن متوقعا بالطبع. أيضا لم يكن ممكنا لولا الشراسة اللامحدودة لهذه النخب الحاكمة، وتبلور تحالف إقليمي بقيادة السعودية والأمارات العربية المتحدة، ينظر للربيع العربي باعتباره خطرا يتهددها، ومن ثم عليها أن تحاربه،

رغم أن موجاته توقفت عند البحرين. لعب هذا التحالف دورا حيويا في مساندة الثورة المضادة في المنطقة، من خلال توظيف فائض عائدات النفط لدعمها، وقام بالتدخل العسكري المباشر في البحرين واليمن وليبيا، وضغط من أجل أقناع الاتحاد الأوروبي وأمريكا بالتسامح إزاء أعمال القمع الوحشي لأعمال الاحتجاج والتدخل المسلح، والاكتفاء ببيانات إدانة روتينية.

لكن من ناحية أخري، لم يكن أداء النخب السياسية المعارضة التي اعتلت موجات الربيع العربي يشكل عائقا أمام إعصار الثورة المضادة، بل لم يكن بمستوي المهمة التاريخية للربيع، ولا للأسف بمستوي التضحيات الهائلة التي قدمتها الشعوب العربية التي ظنت أن ساعة الخلاص قد حانت، وأن الحواجز التي تحول دون أن تحتل مكانها المناسب تحت شمس التقدم بجانب شعوب حرة في العالم قد بدأت في التداعي تحت أقدامها. للأسف، ربما كان أداء النخب المعارضة عاملا مساعدا للثورة المضادة.

عدم إدراك بعض النخب الإسلامية والعلمانية بدرجة كافية لحجم التغيرات الهائلة التي لحقت بالعالم والمنطقة يحاصرها بعوالم متخيلة، تزكي لها حلولا أيدولوجية ربما كانت تصلح للزمان الذي تبلورت خلاله هذه العوالم، لكنها لا تصلح لزمانها ولا للتعامل مع التحديات المعاصرة. بل هي في المقابل تمنح أحجاما غير واقعية لمشاكل بعينها علي حساب تحديات رئيسية، خاصة الاقتصادي منها. فجوهر انتفاضات الربيع العربي هو السعي لانتزاع الكرامة المستلبة في الدولة والمجتمع والأسرة.

أي التمتع بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية والمساواة السياسية والحرية الفردية بصرف النظر عن اعتبارات العرق والجنس والأصل الاجتماعي. إحقاق ذلك يتطلب

أولا عدد من الترتيبات السياسية والدستورية والتشريعية والقضائية.

وثانيا بناء اقتصاد ديناميكي قادر علي تعزيز الموارد وخلق الثروة للمجتمع ككل، وبالتالي خلق فرص عمل جديدة بشكل دائم وتطوير نظام تعليمي وصحي كفؤ. هذه مهمة لا يكفي للوفاء بها شعارات طيبة مهما كان سحرها ”عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية“،

بل تحتاج خططا مدروسة ترتكز لمعلومات حقيقية من أجل ترجمة هذه الشعارات لواقع علي الأرض. الشق الأول كان دائما محل تركيز النخب المتمردة، لكن للأسف نادرا ما التفتت إلي الشق الثاني،

إلا من خلال شعارات ووعود بالعدالة الاجتماعية دون أن تبين كيف سيمكنها ذلك؟ تونس مثال تطبيقي واضح، حيث وصلت نخب المعارضة للحكم منذ عشر سنوات ولكن بجعبة خالية إلا من الشعارات.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك