كان أهل مصر علي عهد الدولة البيزنطية ( الرومان الشرقيين ) يعيشون في ظلم مرير فالمسيحيون المصريون الذين كانوا علي مذهب يعقوب البردعي الذي يقوم علي مبدأ وحدة طبيعة المسيح الإلاهية قد تعرضوا للاضطهاد من قبل الروم البيزنطيين الذي كانوا علي مذهب الملكاتي الذي يقوم علي مبدأ ثنائية طبيعة المسيح فقد عانوا على أيديهم أشد المعاناة وتحملوا من البطش والايذاء ما لم يتحمله بشر ، حتى هداهم الله للاستغاثة بالمسلمين كى يخلصوهم من هذا الهوان .
وكان عمرو بن العاص قد زار مصر من قبل إسلامه في أثناء رحلاته التجارية ، وعندما تولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة ، فاتحه عمرو في أمر فتح مصر أكثر من مرة ، حتى وافقه عمر ، وبعد أن أعد العُدة سار بجيش مكون من 4 آلاف رجل وعبر بهم من فلسطين إلي العريش ومر ببئر المساعيد حتى انتهي إلي الفرما ( بورسعيد حاليا ) و هي ميناء صغير علي البحر يسمي عند الروم Pelusiun وتقابل هناك مع حامية رومية – ودار بينهم قتال شديد حتى انتصر المسلمون ، ثم واصلوا السير إلي داخل مصر حتى وصلوا إلي بلبيس بمحافظة الشرقية في دلتا مصر في ربيع أول 19هـ / مارس 640م
وفي بلبيس تقـــابل جيش المسلمين مع جيش الـــروم بقيادة Arteon الذي سمـــاه العــــرب الأرطبون وانتصر المسلمون بعد قتال دام شهر واستولوا علي بلبيس ثم تقدموا إلي حصن بابليون ، وكان الحصن فيه حامية رومية كبيرة ويقع في منطقة تسمي مدينة مصر، وهي منطقة مزارع من قري وحدائق تتصل جنوباً بمدينة منف من أعمال محافظة الجيزة علي الضفة الغربية للنيل كان حصن بابليون شديد المنعة ، فأرسل عمرو بن العاص يطلب مدداً من الخليفة عمر بن الخطاب .
أقام عمرو في الفيوم للتزود بالمؤن وانتظار المدد العسكري من الحجاز لمحاصرة واقتحام الحصن ووصل المدد من الخليفة عمر بن الخطاب قوامه أربعة آلاف رجل و علي رأسهم أربعة من كبار الصحابة الواحد منهم يساوى ألف فارس وهم : ( الزبير بن العوام ، ومسلمة بن مخلد ، وعبادة بن الصامت ، والمقداد بن الأسود ) فتسني لعمرو بن العاص ترتيب صفوفه واتجه لملاقاة جيش الروم الذي كان يقدر بـ20 ألف مقاتل ، وتقابل الجيشان في موقعة كبري هي عين شمس عام 19هـ / 640م ، وانتصر عمرو بن العاص انتصاراً كبيراً ، وفر من بقي من جيش الروم إلي داخل حصن بابليون ، توجه عمرو بن العاص بجيشه إلي حصن بابليون وحاصره 7 أشهر متواصلة فأرسل المقوقس حاكم مصر آنذاك إلي عمرو بن العاص يفاوضه ويعرض عليه مبلغاً من المال نظير رجوع المسلمين لبلادهم ، ولكن عمرو بن العاص رفض وقال له ليس بيننا وبينكم إلا ثلاث :
إما الإسلام أو الجزية أو القتال
فأشار المقوقس علي الحامية الرومانية بالتسليم والصلح ، ولكن الحامية رفضت وكذلك الإمبراطور الروماني هرقل إمبراطور الرومان الذي قام بعزل المقوقس عن حكم مصر متهما إياه بالتقاعص والتواطأ مع الملسمين ، وتجدد القتال وشدد المسلمون الحصار علي الحصن .
وفي أبريل 641م استطاع الزبير بن العوام تسلق سور الحصن ومعه نفر من جند المسلمين وكبروا فظن الروم أن العرب اقتحموا الحصن فتركوا أبواب الحصن وهربوا إلي الداخل ، فقام المسلمون بفتح باب الحصن ، واستسلم الروم وطلبوا الصلح فأجابهم عمرو بن العاص سنة 20هـ / 641م .
بعد سقوط حصن بابليون فقد الروم معظم مواقعهم في مصر، ولكن مازالت عاصمتهم المزدهرة الإسكندرية في أيديهم ولقد رأي عمرو بن العاص أن مصر لن تسلم من غارات الروم طالما بقيت الإسكندرية في حوزتهم فاتجه بجيشه إلي الإسكندرية وفرض عليها حصار بري استمر لمدة أربعة أشهر ، ولكن هذا الحصار لم يكن مُجديِاً لأن المواصلات بينها و بين الإمبراطورية الرومانية عن طريق البحر ظلت مفتوحة لولا موت الإمبراطور الروماني وحدوث فتن واضطرابات عمن يخلفه .
فقرر عمر بن العاص اقتحام المدينة وعهد إلي عبادة بن الصامت بذلك ، فنجح في اقتحام المدينة بجنده وجاء المقوقس إلي الإسكندرية ووقع علي معاهدة الإسكندرية مع عمرو بن العاص سنة 21هـ / 642م حيث نصت علي ” انتهاء حكم الدولة البيزنطية لمصر وجلاء الروم عنها ودفع الجزية للمسلمين دينارين في السنة عن كل شخص وإعفاء النساء والأطفال والشيوخ منها ” وكان تعداد مصر في ذلك الوقت من ستة إلي ثمانية ملايين مسيحى علي أرجح الأقوال وكان عدد من تجب عليهم الجزية من مليون إلي اثنين مليون مسيحى .
وبعد أن استتب الأمر لعمرو بن العاص في الإسكندرية ، أرسل عقبة بن عامر إلي النوبة لفتحها ولكنه لم يستطع لشدة مقاومة أهلها الذين كانوا مهرة في النبال ، و كانوا يوجهون نبلهم إلي عيون جنود الأعداء فسموا رماة الحدق بعد إتمام فتح مصر، ولي عمر بن الخطاب عمرو بن العاص علي مصر، وعندما استتب له الأمر في الإسكندرية عاد إلي موضع فسطاطه ( خيمته ) عند حصن بابليون وشرع في بناء عاصمة لمصر بدلاً من الإسكندرية لأن الخليفة عمر بن الخطاب أمره أن يختار عاصمة لا تكون بينها وبينه ماء .
وقد اختار عمرو بن العاص موقعاً بالقرب من حصن بابليون غرب جبل المقطم ليبني حاضرته الجديدة وأسماها الفسطاط وتعني الخيمة ثم سار عمرو بن العاص بجيشه تجاه برقة وكان يسكنها البربر الذين عانوا طويلاً من الطغيان البيزنطي ، فتفاوض عمرو مع زعماء البربر الذين رحبوا بالفتح الإسلامي العربي ووافقوا علي دفع الخراج لعمرو وكان حوالي 13 ألف درهم وكان ذلك عام 643م / 22هـ .
ومنذ ذلك الحين أصبحت مصر إحدى الولايات التابعة للخلافة الإسلامية .
بارك الله فيكم ونفع بكم ،،،
د. الغلبان

التعليقات