أن “أعمال وأساليب وممارسات الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره هي أنشطة تهدد السلامة الإقليمية للدول وأمنها، وأن هذه العمليات الإرهابية الخسيسة تتسبب كل عام في إصابة وإيذاء الآلاف من الضحايا الأبرياء من جميع الأعراق والثقافات
والمعتقدات الدينية على مستوي العالم. أن مكافحة الإرهاب والقضاء عليه إنما يحقق الأمان للإنسان والإنسانية، ويعد ذلك مطلباً هاماً فى الوقت الذى تتصاعد فيه أحياناً الهجمات الإرهابية، لذا يلزم أن تتضافر كل دول العالم المحبة للسلام والمنتصرة لحقوق الإنسان لمكافحة الإرهاب، لاقتلاعه من جذوره.
في الماضي كثيرًا ما كان ضحايا الجريمة بما فيها الإرهاب هم الأطراف المنسيون في نظام العدالة الجنائية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت قدرا من الاعتراف بحقوق وأدوار هؤلاء الفاعلين المهمين في إطار العدالة الجنائية، ويتمثل جزء لا يتجزأ من جهود المجتمع الدولي لمكافحة الإرهاب في تقديم مرتكبي الأعمال الإرهابية إلى العدالة ومحاسبتهم على أفعالهم بما يتماشى مع سيادة القانون وحقوق الإنسان”.
فإن مكافحة الإرهاب تعنى ببساطة استعادة الحقوق المسلوبة للإنسان والتي يحتقرها الإرهابيون ولا يضعون لها أدنى حساب. وكما سمعنا فى إحدى جلسات منتدى الشباب قصة الفتاة العراقية الإيزيدية التى حكت أمام الجميع كيف كان عناصر داعش الإرهابيون يغتصبون الفتيات مرارا وتكرارا وبطريقة وحشية تنتهك كرامة الفتاة، ويتصورون أنهم بذلك سيدخلون الجنة، لأن هؤلاء الفتيات من الكافرات، وأن استباحة إنسانيتهم لا علاقة لها بحساب دنيوي أو أخروى حسب قناعاتهم الفجة والمريضة.
كما أعطوا لأنفسهم الحق فى نزع الحياة ممن يرونهم غير جديرين بالحياة لأسباب واهية وما أكثرها وفقا لأيديولوجيتهم العدوانية. مثل هذا الإرهاب بتنظيماته المختلفة وأسمائها البراقة وشعاراتها الخادعة والكاذبة استباح كل الحقوق بداية من الحق فى الحياة وانتهاء بالحق فى الكرامة الإنسانية التى أسبغها الله سبحانه وتعالى على خلقه، ولم يكتف هؤلاء بترويع الآمنين وإكراههم، بل زادوا على ذلك التفنن والإمعان فى الإذلال وانتهاك الحرمات وإشاعة الخراب وفرض شريعة الغاب والهمجية.
ولا يعقل فى زمن باتت فيه الحدود السيادية للدول غير محصنة من التهريب والاختراق من قبل هؤلاء أن يظل النظر إلى مواجهة هؤلاء باعتبارها مهمة دولة أو نظام حكم وحيدا ومجردا من أبسط مقتضيات التعاون الدولي والإقليمي. فطبيعة الظاهرة الإرهابية الراهنة تقتضى التعاون من الجميع حفظا للإنسانية واحتراما لحقوقها فى الحرية والكرامة.ن تأمل الأحداث التاريخية الدامية تحيلنا إلى الصراع بين الحرية وسيادة الدولة والتعارض بين التناقضات ، الظلم والعدل، الاستعمار والحرية، التمييز والمساواة ، الاستبداد والديمقراطية …
. فكل ما عمدت السلطات الحاكمة على بسط سيطرتها بالقوة، كل ما أخذ مجال حقوق الإنسان بالتقلص وأخذ أسلوب الحكم في الابتعاد عن الديمقراطية إلى أن يصل الصراع مداه، وتتم إراقة الدماء .
فخلال مرحلة الحكم المطلق بأروبا بلغت درجة الاستعباد والاستبداد مداها في ظل النظام الفيدرالي، بينما مفاهيم البورجوازية أخذت في الانتشار ، إلى أن بلغ الصراع مداه بين مصالح الإقطاع ومفاهيم البورجوازية ( الحرية، الديمقراطية، الاقتراع المباشر، الملكية…)
وانتفض الشعب خلال الثورة البورجوازية التي انتصرت فيها مفاهيم البورجوازية على مصالح الإقطاع وبالتالي سقط النظام الإقطاعي وخلفه النظام الرأسمالي وسقطت العبودية الإقطاعية ، وتمت إشاعة الجيل الأول من الحقوق / الحقوق السياسية والمدنية . لكن علو الرأسمال وجشعه وراء الربح جعله يدوس على حقوق الإنسان / حقوق الطبقة العاملة التي انتفضت ضد الرأسمال وطالبت بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجيل الثاني من الحقوق التي مرت عبر العديد من الثورات العمالية وتمت خلالها إراقة الدماء وإقرار الحقوق . إن كل الخروقات التي تعرفها حقوق الإنسان من أي طرف كان لا يمكن وصفها إلا بالإجرام ضد الإنسانية ، هذا الإجرام الذي يمكن أن يصل حد الجرائم الإرهابية كما هو الشأن في كل الحروب والانتهاكات الجسيمة التي تمارسها الدول ضد المواطنين ،
فكما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وليد ما بعد الحرب العالمية الثانية ، فإن الحرب الباردة بين المنتظمين الشرقي والغربي أعطت ولادة العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق السياسية والمدنية من جهة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ثانية ، وصدور مجموعة من الاتفاقيات الدولية.
احترام حقوق المتهمين بالإرهاب لا يعني تعاملا ضعيفا أو ليّنا معهم، بل يعني توفير ضمانات المحاكمة العادلة لهم، بما في ذلك قرينة البراءة التي هي حق مخول للجميع. إن ضمان الإنصاف وتحقيق العدالة لا يمثلان علامة على ضعف الدولة بل العكس هو الصحيح . الإنصاف القضائي لا يعرقل تنفيذ القوانين ضدّ من يهدّد الحياة والأمن. حماية حقوق الجميع تعني ضمان سلامة الأبرياء بقدر ما تعني معاقبة المذنبين. يجب أن يكون قانون وممارسة مكافحة اﻹرهاب متسقين إلى أقصى حد ممكن مع مبدأ الوضع الطبيعي.
وينبغي العهد أكثر ما يمكن بتدابير مكافحة اﻹرهاب إلى سلطات مدنية تتصل وظائفها بمكافحة الجريمة وتؤدي وظائف مكافحة اﻹرهاب في إطار صلاحياتها العادية. وينطبق هذا أيضًا على ملاحقة المسؤولين عن الجرائم اﻹرهابية ومحاكمتهم، وذلك في إطار إجراءات يجب أن تشرف عليها عمومًا محاكم عادية. وإذا كانت هناك أسباب قاهرة تقتضي إنشاء سلطات معينة تتمتع بصلاحيات محددة ضرورية لمكافحة اﻹرهاب،
(أ) ينبغي إدراج تلك الصلاحيات في قانون منفصل يمكن تمييزه كاستثناء فريد من مبدأ الضرورة القانونية المعتاد.
(ب) ينبغي أن تخضع اﻷحكام التي تنشئ تلك الصلاحيات لشروط محددة اﻵجال وللاستعراض المنتظم.
(ج) يجب منع استخدام تلك الصلاحيات ﻷي غرض غير مكافحة اﻹرهاب، وفق التعريف الصحيح للإرهاب
إن الضرورة تحتم الخروج من دائرة المواجهة بين منظمات حقوق الإنسان وأفراد الشرطة إلى التعاون. ومن شأن التعامل مع أفراد الشرطة باعتبارهم حماة لحقوق الإنسانً أن يمثل فرصة سانحة لزيادة التعاون بحثا عن مجالات للاهتمام المشترك استنادا إلى المفهوم العام بأن مبادئ حقوق الإنسان والعمل الشُرطي يسيران يدا بيد.
وعلى ذلك يتأكد التأثير المتبادل بين الإرهاب وحقوق الإنسان فهو بقدر ما يريد أنصاره إن ينعموا بالحقوق بقدر ما يحرم الآخرين منها بل يحرم الحياة نفسها من أن تستمر ، كما انه في سعيه للتمتع بحقوق الإنسان في بعض الدول فهو يهدر هذه الحقوق في المجتمعات التي يمارس فيها جرائمه ومن جانب أخر فان تبني الدول سياسات تحترم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من شانه القضاء على الأفعال التي تشكل جريمة في حق البشرية وتهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين ، ومنها على سبيل المثال ضم الأراضي وطرد السكان وانتهاج سياسة التمييز العنصري والنزعات العرقية والدينية ان التركيز على محاربة الارهاب عسكرياً لا يسهم في القضاء عليه جذرياً وبناء السلم والأمن الاجتماعي، لذا لابد من التواصل مع الأفراد بكل الوسائل الممكنة والتركيز على احترام الحقوق والحريات الفردية بما يعمق ويرسخ ثقة الأفراد بالسلطات العامة ويقضي على ظاهرة الارهاب من جذوره.
لاشك ان الارهاب يبث الخوف ،والرعب في النفوس وينشد جواً من الرهبة والفزع والترقب ،ومن هنا يتعارض مع حق الانسان في الامن ،والعيش في سلام ، كما انه قد يدفع الدولة الى تحويل بعض الموارد الى مكافحته بما يعطل جهود التنمية التي تؤثر على مختلف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتهدد الحقوق الانسانية المتعلقة بهذه الجوانب وبذلك يصبح الارهاب متعارضاً مع حقوق الانسان من حيث اهدافه واساليبه وطرقه واشكاله فهو يمثل تدميراً لهذه الحقوق والغاء وقضاء فوريا عليها فخطف الرهائن واحتجازهم يمثل اعتداء على حق الانسان في الامن والحرية الشخصية والتنقل والاغتيال يمثل اعتداء على حق الانسان في الحياة الذي هو حق طبيعي اصيل ومصدر لباقي الحقوق والتفجيرات تمثل اعتداء على حق الانسان في الامن، وفي سلامة جسده ، وقد تسلبه حقه في الحياة وهو هبة من الله لا يجوز حتى للدولة ان تتصرف فيه الا استناداً الى اسباب شرعية .

التعليقات