إن هذه المشكلة تتعقد بشكل واضح إذا علمنا أنه في عالمنا الحالي الذي يتميز بارتفاع معدلات النمو السكاني نجد أن الفقر منتشر بصورة واضحة بالشكل الذي سيحول دون قدرة الدول المتخلفة على ادخار الاموال اللازمة لدفع الاستثمار الى المستويات الكفيلة بدفع الاقتصاد نحو النمو الاقتصادي السريع. مما يستدعى ضرورة اعتماد اقتصاديات الدول النامية على الاقتراض من مدخرات الدول المتقدمة.
أن أكثر التعاريف شيوعا للتنمية الاقتصادية هي أنها تمثل نموا في الدخل المتوسط والذي عادة ما يعبر عنه بمتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي. أو بعبارة اخرى زيادة متوسط الناتج للفرد لأن زيادة الناتج ستؤدي الى زيادة الدخل. على أن المقصود بالزيادة في الدخل هنا هو الزيادة في الدخل الحقيقي، وليس الدخل النقدي.
ويعد التحسن في مستوى رفاهية السكان أحد الجوانب المهمة لعملية التنمية، لإنها لا تنطوي فقط على مجرد الزيادة في الانتاجية، ولكن أيضا على زيادة قدرة الناس على الاستهلاك بشكل أكبر، سواء كانت تلك السلع المستهلكة مشتراه بواسطتهم أو مقدمة إليهم بشكل مجاني لتحسين مستوى معيشتهم. كذلك يدخل ضمن قائمة التحسن الناتج عن التنمية ليس فقط مجرد الزيادة في الدخل، ولكن أيضا تحقيق فرص أكثر استقرارا للتوظف، وتعليم أفضل، ومستويات أفضل من الصحة والتغذية، واستهلاك أكثر للغذاء، وسكن أفضل، وزيادة في الخدمات العامة المقدمة مثل الماء، والطاقة والنقل، ووسائل المتعة والرفاهية، وزيادة في خدمات البوليس والأمن. ومثل هذا التحسن في الرفاهية البشرية لا شك يساعد على زيادة الانتاجية الاقتصادية
ان النمو الاقتصادي يتعرف الى مجرد الزيادة الكلية في ثروة المجتمع بغض النظر عن أجمالي عدد السكان. بينما ترتبط التنمية الاقتصادية ليست فقط مجرد زيادة تحدث في دخل المجتمع، ولكن لابد وأن يصاحب هذه الزيادة تحول جوهري في مستوى رفاهية الفقراء، زيادة مستويات التعليم والصحة وغيرها. على أن قياس التنمية الاقتصادية باستخدام متوسط نصيب الفرد من الدخل يخفي فروقا هائلة بينما يتعلق بتوزيع الدخل. فربما تعكس زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل الزيادة التي تحدث في أرباح عدد قليل فقط من السكان وليس كل السكان، أي قد يترتب النمو تركز في الثروة.
إلا أن هناك من يرى أن تركز الثروة في يد فئة قليلة هو السبيل الوحيد لتكوين المدخرات اللازمة للاستثمار ومن ثم النمو الاقتصادي. على سبيل المثال يرى كزنتسKuznets أن عدم العدالة في توزيع الدخل عادة ما يكون الصفة الغالبة للمراحل الاولى لعملية التنمية الاقتصادية حيث يكون التكوين الرأسمالي أمرا حيويا، ثم يمكن بعد ذلك أحداث قدر من العدالة في توزيع الدخل في المراحل اللاحقة. وعادة ما ينطوي النمو الاقتصادي عن استخدام الآلات التي تعمل بصورة أكثر كفاءة وأقل تكلفة من البشر، وهو ما يؤدي الى أحداث نمو اقتصادي يؤدي الى رفع متوسط نصيب الفرد من الدخل (من الناحية الاحصائية) إلا أن المستوى الحقيقي للمعيشة لمعظم السكان قد ينخفض، أي أن التنمية الاقتصادية لم تحدث.
أولاَ : أثر النمو السكاني على سوق العمل : حيث يزيد النمو السكاني من عرض قوة العمل لكن هذا العرض الإضافي لا يساهم في زيادة الإنتاج إذا لم يتناسب مع الموارد المتاحة وإنما سيؤدي إلى زيادة معدلات البطالة ويخفض من مستوى الأجور وبالتالي تدني المستوى ألتأهيلي لقوة العمل المستقبلية بسبب تأثير انخفاض الأجور على التركيب التعليمي للسكان ثانياَ : أثر النمو السكاني على الادخار والاستثمار : حيث يؤدي زيادة عدد السكان إلى انخفاض الادخار والاستثمار وبالتالي انخفاض معدل النمو الاقتصادي والدخل الفردي وتفيد هذه الآراء إلى معدلات الخصوبة والمواليد حيث أن التزايد السكاني يؤثر سلباَ على عملية خلق التراكمات اللازمة لعملية التنمية فارتفاع عدد السكان يؤدي إلى عدد المواليد في المجتمع ، وهذا يؤدي بدورة إلى انخفاض نصيب الفرد الواحد مما يضعف مقدرة الأسر والأفراد على الادخار وانخفاض مستوى دخل الأسرة بالمقارنة مع عدد أفرادها يجعلها تكاد ولا تفي باحتياجات هؤلاء الأفراد من المادة الاستهلاكية الأساسية ويمنعهم من أي مدخرات ذات معنى وعندما يكون حجم الادخار في المجتمع ضعيفاَ فسيكون بالتالي حجم الاستثمار ضعيفاَ أيضاَ والنتيجة ستضعف قدرة المجتمع على المشاريع الاستثمارية والتي ستعرقل عملية التنمية الاقتصادية .
ثالثاَ: أثر النمو السكاني على الاستهلاك: حيث يؤدي هذا إلى زيادة الطلب الإجمالي على السلع بنوعيها الضروري والكمالي مقابل محدودية الدخل وزيادة الحاجات مما يشكل ضغوطاَ على المسيرة التنموية للمجتمع. ومن ناحية أخرى فإن بعض المفكرين من علماء السكان والاجتماع يرون أن النمو السكاني يسهم في زيادة الطلب على الإنتاج والتي من شأنها أن تزيد من الإنتاجية ويسهم أيضاَ في تنظيم فعالية الإنتاج بفضل تحسين تقسيم العمل ويؤدي النمو السكاني إلى تخفيض الأعباء العامة للمجتمع بتوزيعها على عدد أكبر من السكان.
أن للتنمية أثر كبير على النمو السكاني وذلك من خلال ما تحدثه في تغيير في معدلات الولادات والوفيات في المجتمع ولمعرفة هذا الأثر نقوم بقياس أحد المؤشرات التنموية الأساسية والاسترشادية لنتمكن من معرفة تأثيره على النمو السكاني ومن ثم نعمم النتيجة التي تم التوصل إليها على المؤشرات التنموية المختلفة فنأخذ مثلاَ مستوى الدخل الفردي والذي هو من أهم مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي مجتمع من المجتمعات فارتفاع مستوى الدخل يعتبر مظهراَ من مظاهر التنمية ونتيجة من نتائجها والذي يؤدي ارتفاعه إلى انخفاض معدل الوفيات من خلال زيادة حصة الفرد المخصصة للإنفاق بسبب تحسين الخدمات الصحية والنوعية الغذاء فهناك علاقة عكسية بين مستوى الدخل ومعدل الوفيات فكلما زاد مستوى الدخل كلما أدى لانخفاض معدل الوفيات والعكس صحيح ، أيضاَ يؤثر تحسن مستوى الدخل على معدلات الولادات ولكن تأثيره يختلف سواء سلباَ أو إيجابا من مجتمع لأخر فقد يؤدي تحسن مستوى الدخل إلى تأخير سن الزواج
وبالتالي إلى انخفاض الخصوبة أو قد يؤدي إلى تعدد الزوجات وبالتالي ارتفاع الخصوبة كذلك فإن رفع مستوى الخدمات في المجتمع يؤدي إلى زيادة الاستثمارات وتحسين مستوى الدخول والحد من البطالة ورفع مستوى معيشة الأفراد وهذا ينعكس على المستوى التعليمي للأفراد من خلال توفير المؤسسات التعليمية وانخفاض مستوى الأمية علماَ بأن التعليم بدوره يؤخر سن الزواج ويرفع من مستوى الوعي مما ينقص من فترة الخصوبة وبالتالي يميل معدل النمو السكاني للانخفاض في سبيل محافظة الأفراد على مستوى معيشة مرتفع.
فالمشكلة السكانية تعرف بعدم التوازن بين عدد السكان والموارد والخدمات وهي زيادة عدد السكان دون تزايد فرص التعليم والمرافق الصحية وفرص العمل وارتفاع المستوى الاقتصادي فتظهر المشكلة بشكل واضح وتتمثل بمعدلات زيادة سكانية مرتفعة ومعدلات تنمية لا تتماشى مع معدلات الزيادة السكانية وانخفاض مستوى المعيشة بهذا المعنى نجد إن المشكلة السكانية لا يوجد لها قانون عام ولا تأخذ نفس المعنى والنتائج نفسها في كل المجتمعات وعلى اختلاف المراحل بل لكل مجتمع ولكل مرحلة معطياتها الاقتصادية. الخ هي التي تحدد طبيعة هذه المشكلة السكانية.

التعليقات