فى كون الله الفسيح ، يعيش البشر حياتهم ان قلت أو كثرت بين فرح وحزن ، ولئن أصاب المرء سرورا فى ذات حين ، فسيصيبه فى حين ثانية ابتلاء ، وهذه وهذه من عند الله ( ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) صدق الله العظيم ، ان الحياة الدنيا لا تسير على وتيرة واحدة ، غير أن مواطن الابتلاء هى الأكثر نيلا بالبشر أجمعين ، وفى ذلك
يقول الحق جلا علاه ( لقد خلقنا الانسان فى كبد ) صدق الله العظيم ، يبتلى الله عبده المؤمن ويظل يوقع به البلاء ، فان صبر واحتسب كتب عند ربه صابرا فأناله الجزاء الأوفى ، ويبتلى المرء العاصى مرة واحدة فاذا ضجر وسخط ، كتب عند ربه غاضبا ساخطا فهو عندئذ فى الخزى الأدنى ، ولا يستويان مثلا ، هذا الذى ابتلاه ربه فحمد الله صابرا ، وذاك الذى ابتلاه ربه فسخط من حكم ربه جاحدا ، طوبى لكل مؤمن ينزل به بلاء فيصبر صبرا جميلا ، فيجزيه ربه جزاء كريما ، يقول النبى صلى الله عليه وسلم ( عجبا لأمر المؤمن ان أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد الا للمؤمن ، ان أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) ، وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أى الناس أشد بلاء ؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فان كان فى دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وان كان فى دينه رقة ابتلى على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة ) ، لقد أحصى التاريخ أعظم صور البلاء التى اقترنت بأعظم عباد الله الأصفياء ، كانوا يتحملون أهوال المحن والبلاء بصبر أكيد وعزم شديد ، ولا مناص من كون أشد صور البلاء على المرء عموما محنة الموت ، ولاسيما اذا فقد امرؤ ولدا له أو ولدين أو ثلاثة ، وفى ذلك يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ( ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث ، الا أدخله الله الجنة بفضل رحمته اياهم ) ، ما أعظم رسول الله حقا قدوة وأسوة لعباد الله الصالحين من بعده ، لقد كانت حياة رسول الله من المولد حتى الوفاة فى محن وبلاء ، اذ يقول هو عن نفسه واعظا الناس من حوله ومن بعده ( أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة بى عن المصيبة التى تصيبه بغيرى ، فان أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى أشد عليه من مصيبتى ) لرسول الله المثل الأعلى بين البشر فى قوة الصبر على الأهوال والمصائب ، ولد صلى الله عليه وسلم يتيم الأبوين ، فعزاه ربه وواساه ليتأسى به كل يتيم من بعده ( ألم يجدك يتيما فآوى ) ، ثم مات جده عبد المطلب وهو ابن ثمانى سنين ، وكان عبد المطلب يوصى به عمه أبا طالب وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله وأبا طالب أخوان لأب وأم ، وفى عام واحد سمى بعام الحزن ، ماتت خديجة بنت خويلد رضى الله عنها ، تلك التى آمنت برسول الله حين كفر به الناس ، وصدقته حين كذبه الناس ، وواسته حين حرمه الناس ، ومات عمه أبو طالب الذى كان له منعة وناصرا ، يصد عنه ايذاءات قريش وعدوانها التى كانت تغشاه من كل جانب ، ثم هو رسول الله الفقير الذى كان يرعى الغنم فيقول ( ما من نبى الا رعى الغنم ) ، ظل الفقر الشديد عنوانا أبديا لحياة رسول الله ، فكان يطوف ببيوت نسائه فلا يجد عندهن شيئا الا الماء ، فلما اشتكت نسائه من الفقر ، نزل خبر السماء بتخييرهن بين العيش معه والرضا بالفقر ، أو الفراق فوافقن على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فتلك من نعمة الله عليه وعليهن ( يا نساء النبى ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ، وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فان الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ) صدق الله العظيم ، ما أعظم صبر رسول الله على فراق خمسة من أبنائه فى حياته ، ماتت عنه ثلاثة من بناته هن رقية وأم كلثوم وزينب ، ومات كل أبنائه الذكور القاسم وعبد الله وابراهيم ، فعزاه ربه بسورة الكوثر ( انا أعطيناك الكوثر فصلى لربك وانحر انا شانئك هو الأبتر ) صدق الله العظيم ، فقد رسول الله فى حياته كل أبنائه ذكورا واناثا ،عدا فاطمة فقد ماتت بعده بسته أشهر ، ثم تحل برسول الله فجيعتين آخرتين عندما قتل عمه وأوه من الرضاعة حمزة بن عبد المطلب ، ومثل المشركون بجثته فتألم رسول الله ألما ما تألمه قط ، ومقتل ابن عمه جعفر بن أبى طالب يوم مؤته ، وكيف قطعت ذراعيه يومئذ ، فجعل الله له جناحين يطير بهما فى الجنة ، ثم يبتلى رسول الله فى نفسه ابتلاء عظيما فى مرتين أليمتين ، فى الأولى رماه المنافقون فى عرض زوجته أم المؤمنين عائشة ظلما وبهتانا ، فأخزاهم الله ونصر نبيه ونصر زوجته الطاهرة ، وفى الثانية أرادت اليهودية زينب بنت الحارث ، قتل رسول الله وذلك بوضع السم فى الشاه المسمومة على يوم خيبر ، فلما لاك منها رسول الله مضغة لم يسغها فلفظها ، أما بشر بن البراء بن معرور وكان مع رسول الله يومئذ ، فقد أساغها فمات فى حينه ، وكان أثر هذا السم يؤلم جسد رسول الله حتى أصيب بالحمى فى آخر أيامه ، الى أن لقى ربه عفيفا نقيا صابرا شاكرا ، ، ان الحديث عن صور البلاء فى حياة رسول الله يطول ويكثر ، ويستلزم عشرات المجلدات ، كى يعى كل مسلم حجم الأهوال والفجائع التى أحاطت برسول الله منذ مولده حتى وفاته ، كى يعى المسلمون جميعا أن مصائبهم شتى ، لا تساوى مصيبة واحدة نزلت برسول الله ، فأكثرهم يضجرون فيغضبون ، أما هو صلى الله عليه وسلم فكان جبلا راسيا من الثبات صابرا خاشعا حامدا شاكرا لأنعم الله عليه ، ، وصدق خالقه حين وصفه شاملا جامعا ( وانك لعلى خلق عظيم ) صدق الله العظيم ——-
التعليقات