الأربعاء - الموافق 25 مارس 2026م

القمة العربية وتحدياتها بقلم :- الدكتور عادل عامر

 

الآن تقترب القمة مع ازدياد التحديات ضراوة، فالأوضاع العربية ما زالت على ما هي عليه من صراعات عربية ضارية فتحت الباب لتفاقم ظاهرة الإرهاب على نحو غير مسبوق كما يظهر من

«داعش» وممارساتها المدمرة في عموم الوطن العربي وبالذات في العراق وسوريا، بل وخارجه، كما أدت هذه الصراعات إلى تهديد كيان الدولة الوطنية العربية في أكثر من دولة، وفَتَح هذا الباب على مصراعيه لتدخل خارجي غير مسبوق في الشؤون العربية على المستويين الإقليمي والعالمي معاً. ثم أضيفت إلى هذه التحديات تداعيات فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة بأفكاره الانقلابية على أمور خلناها استقرت في العلاقات الدولية بل وفي السياسة الأميركية الداخلية ذاتها. ونالنا من هذه التداعيات عدد من المواقف المربكة المتتالية مثل إعادة طرح فكرة نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، ثم تراجعها أو تباطؤها جزئياً، والموقف من الاستيطان الذي بدأ مؤيداً كما ظهر من محاولة ترامب تعويق صدور قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان قبل أن يتولى الرئاسة فعلياً، ثم تخفيف هذا الموقف بعد ذلك، والموقف من حل الدولتين الذي يجمع عليه العالم فيما يقول هو إن الأمر سيان بالنسبة له، ثم تراجعه بعد ذلك أيضاً، وهكذا.

القمة العربية الثامنة والعشرون هدفها الوقوف على الأوضاع العربية ومناقشة قضايا الأمة العربية التي تئن من وطأة الصراعات والخلافات ، فهذه القمة أمامها العديد من القضايا الكبيرة والمعقدة السياسية والاقتصادية وهي بحاجة إلى إرادة قوية للخروج منها باتفاق يلبي طموح وإرادة شعوب العالم العربي أجمع ، حيث لابد وأن يتحلى قادة العرب بنكران الذات وأن ينظروا إلى المصالح العربية بعيداً عن المؤثرات الخارجية والهيمنة التي تفرض من هنا أو هناك ، فالعرب اليوم أمام اختبار صعب جداً وفي وضع لا يحسدون عليه

وهناك قضايا خطيرة ماثلة أمامهم عليهم أن يقفوا أمامها بكل همة ومسؤولية وشجاعة وحيادية حتى يتمكنوا من وضع الحلول الممكنة لها ، لعل أهمها سوريا وليبيا والعراق واليمن ، فالأمر يستدعي الوقوف أمامها طويلاً لوضع المعالجات التي تمكن شعوب هذه البلدان من العيش بأمان ، فكفى بشعوب هذه الدول تشظيا لهويتها الوطنية وتفتتا لكيانها المجتمعي في اتجاهات انعزالية تفرّقت بالدين طائفياً ومذهبياً ومزّقت وحدتها الوطنية في نعرات جهوية وفئوية أسهمت مجتمعة ومتفرّقة في إخضاع تلك الأقطار للهيمنة والوصاية الغربية المباشرة وغير المباشرة ، حتى إن هذه الوصاية صارت هي الإطار المرجعي لمواقف القوى السياسية بمختلف تياراتها

كما أن قضية الإرهاب التي تهدد وجود هذه الأمة مسألة ملحة للوقوف أمامها من خلال العمل العربي المشترك في القضاء على هذه الآفة التي أرقت ولا زالت تؤرق العرب دون استثناء، وأخرا نريد قمة تكون عند مستوى التحدي وتلبي الحد الأدنى من طموحات العرب جميعا .

اعتقد إن قمة عمان هي الأهم ، ولا نملك إلا أن نتوجه بالدعاء إلى العلي القدير أن يوفق القادة العرب وأن يعينهم على تجاوز هذا الامتحان الصعب الذي تواجهه ، فليس المطلوب وضع حلول للمشكلات التي تعصف بالعالم العربي وتمزق أحشاءه، وتأتي على آخر ما تبقى له من شرايين الحياة فحسب ، بل المطلوب هو أن يخرج القادة العرب من قمتهم سالمين من الشجار والنزاع والخلاف والاتهام المتبادل وذلك حتى لا يضيفوا إلى الشارع العربي غماً فوق غم ، وحزناً فوق حزن.

أن القمة العربية المقبلة ستكون فرصة لدعم وتعزيز الموقف الفلسطيني الثابت، وذلك من خلال المشاركة وتضافر الجهود والتنسيق المتكامل الفلسطيني- العربي في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، والتي نواجه فيها ثقل التحديات المقبلة، الأمر الذي يتطلب بذل كامل المسؤولية الوطنية والقومية لمواجهتها، ونحن واثقون على قدرتنا كعرب على تجاوز مآسي المرحلة وتداعياتها الخطيرة.

قمة عمان رهان أن تكون الحضن الذي يجمع الأشقاء العراقيين وان تنهى انقساماتهم الوهمية، «المذهبية والمنطقية»، فيضعوا أسسا للمصالحة تعيد للعراق مكانته وألقه ودوره الدائم كمركز إشعاع وظهير للعرب ولمستقبلهم. قمة عمان رهان أن تتوج جهود الشقيقة مصر بإنهاء الحرب في ليبيا عبر توافق وطني يعيد لليبيا أمنها المفقود ووحدتها المهددة. قمة عمان رهان أن تعيد لليمن وحدته وسلامة شعبه، ووقف تلك الحرب المدمرة، وجمع أطرافه المتحاربة عند نقطة وسطى تنهى المأساة اليمنية . ولنا أن نتذكر هنا الجهد الأردني النزيه في مطالع التسعينيات من أجل وحدة وامن واستقرار اليمن العربي«السعيد» .

وأخيراً وليس آخراً الحديث عن أحلاف جديدة في المنطقة قد لا نختلف على أهدافها إذا اقتصرت على محاربة الإرهاب ولكننا بالتأكيد نختلف على المنضمين إليها أو محاولة توسيع أهدافها بما يتعارض والمصالح العربية، أو على تلك الفكرة السخيفة التي تطالبنا بتمويل تنفيذ الأفكار الأميركية لترتيب حياتنا.

فماذا تفعل قمة عَمان القادمة في مواجهة هذه التحديات كلها؟ يحدوني الأمل في أن تكون القمة مختلفة هذه المرة لأسباب ثلاثة، أولها أن الأوضاع العربية قد تفاقمت على نحو لا يدع مجالاً لأدنى شك في أنه لن يحفظ أمن العرب سواهم، فكل الأطراف المتدخلة في شؤونهم لا تبحث إلا عن مصالحها، ومن ثم وجبت إعادة الاعتبار إلى الأمن القومي العربي. والثاني أن ثمة بوادر مشجعة لتخفيف توترات إقليمية لو تبلورت في إطار الحفاظ على الحقوق العربية قد تساعد على تسوية الصراعات العربية الراهنة. والثالث هو الدبلوماسية الأردنية النشيطة التي تدرك أهمية نجاح القمة وضرورته للعرب جميعاً، والنموذج التعاوني لعلاقات الأردن العربية الذي سيساعد  دون شك على تمثيل أفضل للقادة العرب في هذه القمة. نأمل من أن القرارات التي ستسفر عنها القمة العربية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين يجب أن تمثل الحد الممكن والمعقول على الأقل في المرحلة الراهنة التي يمكن أن تخرج شعوبنا العربية من أوضاعها المعقدة التي أفرزتها مراحل الصراعات والتباينات الكثيرة لأنظمة الحكم المتخلفة وبعيداُ عن زرع بذور التشرذم والشقاق بين أخوة الدين والدم والتاريخ والحضارة من خلال استيعاب وفهم العرب لذاتهم وقدرتهم على التوحد لمجابهة التحديات التي تواجهها التي يجب إن تعتمد إلى حد كبير على وعيها بالمخاطر المحيطة بها وبرسالتها ووجودها وعلى الوعي السياسي لقادتها وزعمائها وأنظمتها.

إن التقاء هذه الأطراف تهدف إلى الخروج بتوصيات تقدم للقادة والزعماء العرب تتعلق بمعالجة العوائق التي تقف أمام نجاح منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والسبل الكفيلة بتسريع خطى التكامل الاقتصادي العربي وصولا إلى السوق العربية المشتركة لمناقشتها في القمة.

نأمل أن تحقق القمة أهدافها في ظل ما تشير إليه تحضيرات المؤتمر لطرح عدد من القضايا الهامة مثل التعاون العربي المشترك فيما يخص الأمن الغذائي والاستغلال الأمثل للقطاع الزراعي العربي وتطوير البنية التحتية لشبكة المواصلات والاتصالات. و كذلك إلى قضايا الطاقة والمياه والبيئة والمناخ وسبل تعزيز التجارة والاستثمارات البينية والتعليم والبحث العلمي وكذلك قضايا البطالة والهجرة والمخدرات إضافة إلى ما يحفل به جدول أعمال المنتديات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك