لعل ما يمكن أن يكون حقيقة مطلقة أن إنسان العصر الحديث هو إنسان تعويضي بامتياز..
منذ الطفولة ينشأ الطفل على إقامة علاقة تعويضية فبدلا من حلمة الأم التي لا يمكن أن يجدها في كل وقت يعوض بالرضاعة البلاستيكية أو بإبهامه بدلا عن ضرع أمه..
المرأة تعوض بالهاتف و وسائل التواصل الاجتماعي و أحيانا بالوظيفة التي يعمل بها..
و في الغرب بالكلب أو القطة
الشنفرى استعاض بالحيوانات عن قومه و الاحمر السعدي يقول :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى..
وصوّت إنسان فكدت أطيرُ..
أحيانا يحدث التعويض بصوت أنثوي يسمعه الإنسان في المجيب الآلي المسجل من قبل الشركة فيجد فيه ضالته من الحنان.
لو إطلعنا على بعض صفحات التاريخ لوجدنا أن أغلب ممارسو الفنون كالشعر مثلا كانوا يمارسون التعويض بمحض إرادتهم أحيانا و جبراً أحياناً أخرى و منهم أبو نواس حين أحلّ الخمرة محل الأنثى و المتنبي حين أنّث القوة و ابن الرومي حين أنّث الطبيعة و جميعهم في الحقيقة جعلوا الشعر أنثاهم تماما كما هو حال الكثير من ممارسي الفنون بمختلف أشكالها فتجد أحيانا كثيرة من جعل المسرح أنثاه و من جعل الفرشاة أنثاه و من جعل القصة و الرواية أنثاه و هكذا .
و لعل الفارق بين إنسان العصر الحديث و بين السابقين هو مظاهر الحداثة و التكنولوجيا التي وفرت بكثرة وسائل جديدة يمكن الاستعاضة بها عما يفتقده الإنسان و يحتاجه..