إنّ ظهور القانون الجنائي مر بمراحل طويلة إذْ تعاقبت مدة زمنية موغلة في القدم عليه ابتداء من ظهور وتكون المجتمع الى أن وصل بصيغته الحالية. ويرمي هذا القانون الى تحقيق غرضين رئيسين هما: حفظ كيان المجتمع بإقرار النظام فيه وكفالة المصلحة العامة، وكذلك حماية حقوق وحريات الأفراد ومصالحهم الخاصة. فهو يهدف من خلال القواعد الجنائية الى حماية المصالح الاجتماعية على نحو يضمن ممارسة الأفراد لحقوقهم وحرياتهم بصورة آمنة، عن طريق التجريم والعقاب، وعليه فأن القاعدة الجنائية تتكون من شقين شق التجريم وشق العقاب.
Iمن مفهوم الحماية الجنائية تبين لنا انها تقع على مصلحة يعدها المشرع جديرة بتلك الحماية لذلك نرى في نقطتين معنى المصلحة وكيف يتبناها المشرع لإسباغ الحماية عليها.
ان المصلحة محددة بمعنى المال على اعتبار ان الحق هو كل مصلحة مالية يحميها القانون. فهي بهذا المعنى كل ما من شأنه ان يشبع حاجات الانسان.
والذي نراه ان المصلحة اعم من المال فقد تكون المصلحة مالية اذا كانت مرتبطة بمنفعة تتحقق لشخص معين فهي محل اعتبار المشرع بسبب ذلك ولكن قد تكون غير مالية وايضاً تكون محل تقييم منفعتها ومدى صلاحيتها لإشباع حاجات الانسان تماماً كالمصلحة المالية وعلى هذا الاساس فلو حصل تعارض بين تقييم الشخص لمصلحة مالية او غير مالية مع تقييم المجتمع لهذه المصلحة والمنفعة الحاصلة منها
وترتب على هذا التقييم ارتكاب هذا الشخص لفعل معين ادى الى المساس بقيم المجتمع والاخلال بروابطه صار هذا الفعل موجباً لمعاقبة هذا الشخص الذي اقترف الفعل المذكور فعندما يحرم المشرع فعل القتل مثلا وينص على عقوبة لكل من يخالف هذا المنع فهو انما يسعى بذلك بالدرجة الاولى لحماية السلامة البدنية لكل انسان ليضمن الحق في الحياة لكل انسان.
وهذه هي المصلحة الخاصة ولكن فيما وراء هذه الحماية للفرد التي تخص حياة الانسان يسعى المشرع الى ضمان وبقاء ودوام المجتمع فتتفق هنا حماية السلامة البدنية للفرد وهي مصلحة خاصة مع المصلحة الاساس للمشرع المتمثلة بحماية المجتمع وضمان بقائه ودوامه ويتضح بذلك ان علة التجريم هي المصلحة وليس المال
. ويقتضي ذلك ان المصلحة المحمية إذا تعارضت مع مصلحة اخرى أجدر منها بالرعاية في نظر المجتمع وجب التضحية بالمصلحة الاولى، أي ان الاعتداء على مصلحة محمية يعدّ فعلاً مباحاً إذا كان من اجل مصلحة اخرى أكثر اهمية في نظر المجتمع
وبالرغم من اهمية المصلحة في الحماية الجنائية الا انه يجب التوفيق بين حماية حقوق الفرد وحرياته والمصلحة الاجتماعية بحيث يتحقق ضمان ممارسة الفرد لحرياته دون التضحية بالمصلحة العامة ومعنى ذلك ان يمارس الفرد حرياته في حدود العلاقات الاجتماعية وكما ينظمها القانون ليستفيد في النتيجة من الحماية القانونية ومن جهة المشرع يجب عليه وهو ينظم العلاقات الاجتماعية ويعين المصالح ويرتبها حسب اهميتها الا يصل في ذلك الى حدّ المساس بحريات الافراد اذ يجب عليه ان يراعي دائماً ان الفرد الحر هو اساس المجتمع الحر ولا يمكن تحقيق اية حماية الا من خلال حماية الافراد وهذه لا تتحقق الا من خلال حماية حرياتهم وحقوقهم
ان غاية المشرع ليست في تقنين قانون العقوبات او معاقبة المجرمين فحسب بل يسعى الى ضمان سلامة المجتمع بالمحافظة على القيم الاجتماعية السائدة وحماية المصالح المعتبرة. ولما كانت هذه المصالح تتفاوت في اهميتها في مقياس القيم الاجتماعية فإنها تبعاً لذلك تحتاج الى حماية اقل او أكثر حسب نسبة اهميتها ويكون مقدار العقوبة متناسباً مع قيمة المصلحة، كذلك فان كانت المصلحة جديرة بالحماية وضع المشرع عقوبة لحمايتها بدرجة جدارتها واهميتها، فان كانت اهميتها كبيرة كانت العقوبة مشددة
وان كانت اهميتها قليلة كانت العقوبة مخففة تبعاً لذلك ، ولو حصل ان تعارضت مصلحتان أحدهما ذات تقييم شخصي والاخرى ذات تقييم اجتماعي وترتب على ذلك ان فضلّ الشخص مصلحته وقام بارتكاب فعل معين أدى الى المساس بمصلحة المجتمع واضطراب روابطه وانتهاك قيمه فان هذا الفعل يكون موجباً لمعاقبته عما ارتكبه من فعل أخلّ به بالمصلحة المحمية في المجتمع
وهكذا تختلف المصالح حسب أهميتها، واختلافها هذا سبب في اختلاف المعايير التي يستهدي بها المشرع حين يضع حماية لمصلحة معينة او حين يفضلها على مصالح اخرى
ان معيار تحديد المصلحة يتبع الفلسفة التي يتبناها المشرع عند سن التشريع في سبيل تنظيم شؤون المجتمع وبذلك تختلف المصلحة في مداها ومدى الاعتداد بها بحسب هذه الفلسفة او تلك. فالمصلحة المحمية في النظام الرأسمالي هي حرية الفرد الذي يعدّ محوراً للنشاط الاجتماعي والاقتصادي وتقتصر وظيفة الدولة على حراسة هذه الحرية وحمايتها.
ولا تتدخل الا في اضيق الحدود وضمن واجباتها في حماية الأمن الخارجي والداخلي والقضاء ولا تستطيع تقييد حرية الافراد الاّ بقدر ما يحمي النظام الاقتصادي الحر لكي لا تعم فيه الفوضى والاضطرابات نتيجة تعسف الافراد باستعمال حقوقهم وحرياتهم. اما المصلحة المحمية في النظام الاشتراكي فإنها تتعدد وتتنوع نظراً لسيطرة الدولة على وسائل الانتاج وتوسع وظيفتها بشكل كبير
والذي يتضح من كل ذلك انه لا يمكن تعيين معيار واحد للأخذ به في عملية تبنيّ مصلحة دون اخرى او في عملية تقييم المصالح المختلفة حين يرتبها المشرع ويقرر لها الحماية اللازمة والذي نراه ان مجموعة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بما فيها الاعراف السائدة والتقاليد المتبعة التي تحكم مجتمعاً معيناً هي التي يستهدي بها المشرع لإضفاء الحماية على مصلحة دون اخرى وهي التي تهدي المشرع حين يقوم بتقييم المصالح وتفضيل بعضها على بعض فيقدم مصلحة لأهميتها ويؤخر اخرى لأنها اقل اهمية وهكذا.
وان الفلسفة التي ينتهجها المشرع لا يمكن عدّها أساساً لتبني المصالح أو تقييمها لأنها بدورها ترجع في اساسها الى العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بما فيها الاعراف والتقاليد في المجتمع فالمشرع لا يستطيع الخروج على هذه العوامل حين يتبنى فلسفة معينة بل ان هذه الفلسفة التي يتبناها انما يتبناها من هذه العوامل حتى تأتي سياسته التشريعية ضمن الإطار العام للمجتمع وما يحكمه من عوامل وعلاقات واعراف وتقاليد سائدة.
ان القاعدة الجنائية هي وسيلة لإفصاح المشرع عن ارادته في تحديد ما يُعد جريمة من سلوك الانسان وتعيين الاثار القانونية المترتبة عليها. -إن المصلحة محل الحماية القانونية هي المعيار الأساس لتحديد الأنموذج القانوني للجرائم التي تنتمي إلى نظام قانوني واحد ومن ثم تحديد السلوك الذي يشكل إهداراً للقيم التي أسبغ القانون عليها حمايته. وهي الأساس الذي يتخذه المشرع في انضواء الجرائم في بناء قانوني معين مستهدفا من ذلك إسباغ الحماية على مصلحة واحدة من جوانبها المختلفة.
-أن التناسب في الجزاء يتم في العقوبة فقط ولا تخضع التدابير الاحترازية الى مبدأ التناسب مع الجريمة
. -أن مبدأ التناسب يرتبط بتفريد العقوبة الذي يعد من أهم خصائص التشريعات الجنائية الحديثة، ويعني أن تكون العقوبة متناسبة مع الجريمة، إذ أن هذا التناسب يجعل من الأولى جزاءً عادلاً للثانية، وأن تفريد العقاب هو الذي يجعل العقوبة صالحة لتحقيق الأغراض المراد تحقيقها منها، مثل الردع العام والخاص وأرضاء العدالة وتهدئة شعورها الكامن في النفس البشرية لكل أفراد المجتمع.
ونجد ان أتساع السلطة التقديرية للمحكمة يؤدي الى اضعاف اعتبارات الردع العام ويتعارض مع أهداف الاصلاح والتأهيل للمحكوم عليه، وعدم تناسبها مع ظروف المدان الشخصية والاجتماعية، لذلك نقترح على المشرع رفع الحد الأدنى في العقوبة الى ثلاث سنوات في عقوبة الأعدام، وكذلك الحد الأدنى لعقوبة السجن المؤبد أو المؤقت وجعله مدة سنة.
…