تخيل أنك قائد سفينة، وأنك تجلس في القمرة لأول مرة فيحياتك، أمامك بحر مليء بالأهوال والمخاطر، وخلفكذكريات لا تنتهي وسرب من البحارة الذين لا تعرفهم ولايعرفونك. وتخيل أن هؤلاء لا يكنون الولاء اللازم أوالاحترام الكافي لرجل لا يعرفون عنه الكثير. ترتجف يداكوأنت تتناول فنجان القهوة في الصباح، وتذهب بك الظنونكل مذهب وأنت تحاول أن تخلد إلى النوم في المساء أو عندالظهيرة. تشعر أن العيون التي تراقبك بحذر خلف الزجاجتنتظر منك الخطأ الأول وتتربص بك الدوائر.
يتشابه عليك الماء، وتضيق ذرعا بالمكان، فتخرج ليلا رغمبرودة الطقس لتفض بكارة زنزانتك الضيقة وتمارس حقكالوجودي في تنسم عبير السحر. تفعل كل شيء بنفسك لأنكلا تثق بأحد، وحين توجه إلى أحدهم أمرا، تتحشرج الكلماتفي حلقك وكأنك في حضرة الموت. تشعر أنهم يدركونضعفك وقلة خبرتك، وتزداد ارتباكا كلما تلعثمت أمامأحدهم، فتقرأ في عينيه شماتة الأعداء. تتمنى لو تستطيع أنتتسامر معهم فوق ألواح السفينة حديثة الطلاء، لكنهم لايمنحونك أي طرف من حديث لا ينقطع بينهم.
وذات هزيع، تقف وحدك لتمارس الحراسة كأحط بحار تحتإمرتك، فتبحر ببصرك فوق الموج، وتذهب للبعيد حيثدفء البيت والمشاعر، فتتذكر زوجتك وعيني طفلك اللتين لمتخاصمهما البراءة بعد، وفجأة تطل كرة سوداء من الخليجتحت قدميك، وتمتد ذراعان لتتشبثا بمقدمة سفينتك، وفيوجه مبلل بالخوف، تقرأ نظرات الاستعطاف واضحة رغمحلكة الليل. تمد يدك المرتجفة لتخرج صيد الليل من لجةالصقيع، ويدخل الغريب عاريا كما ولدته أمه إلى قمرتكليحكي لك رواية لست مضطرا لتصديقها.
في قصته “الشريك السري”، يكمل جوزيف كونراد قصة”ليجات” مساعد القبطان الذي فر من السفينة “سيفورا” هربابأنفاسه المتلاحقة بحثا عن أي مركب تحمله إلى أي شاطئ.ولحسن حظ الرجل، يجد مركبا بالجوار فيتسلل إليها لواذا،ويدخل إلى غرفة القبطان (الذي لم يذكر اسمه لغرض فينفس كونراد) عاريا من كل شيء. الغريب أن القبطان الذيلطالما تردد في اتخاذ كل قرارات القيادة، لم يتردد لحظة فيمساعدة طريد الليل. وبدلا من الاستعانة بطاقم السفينة فيتقييده وحبسه، يمد القبطان يده بثياب نظيفة “لليجات”ليواري سوأته.
“ليجات” الذي فر من قيد قبطان “سيفورا” يحظى برفقةقبطان لا يعرفه وينام في قمرته. قطعا، لم يعرف قبطانناالمغامر سببا لمد يده لرجل لا يعرفه، لكنه أحس حين نظرفي عينيه لأول مرة أنه ينظر في المرآة، ويرى كل ضعفهوقلة حيلته أمامه في صورة رجل يرتجف، خرج للتو منالخليج دون كفالة. ورغم حراجة الموقف، وتربص طاقمالسفينة بصاحبنا، إلا أنه يقرر أن يجعل من قمرته التييصعب أن تحتفظ في عرض البحر بخصوصيتها، ملاذا آمنالطريد الليل حتى قبل أن يسمع قصته.
ربما أراد الرجل أن يبرهن لنفسه على شجاعة لطالما تشككبوجودها فيه، ولربما دفعه الضيق بالسفينة وأهلها إلى البحثعن صديق وإن كان قاتلا. وربما لأنه كان مرهف الحس،رأى في عيني ضيفه من الانكسار ما يستوجب شهامة غيرمعتادة. تشاجر “ليجات” مع بحار رفض الانصياع لأمرهورفض رتق خرق في أحد الأشرعة أثناء عاصفة عنيفة،وإثر دفعة غير متعمده، سال دم الرجل حتى توقفت أنفاسه.فقرر قبطان السفينة تقييد مساعده في السلاسل حتى يصلواإلى أقرب ميناء. لكن لحسن حظه “ليجات”، توقفت السفينةفي إحدى الجزر في انتظار قاطرة لعطب أصاب محركها.وهنا استغل “ليجات” انشغال طاقمه ففر هاربا. تلك كانترواية “ليجات” التي لم يجد القبطان في نفسه حاجة لتكذيبها.
وفي إصرار غير مبرر من القبطان الشاب على مساعدة”ليجات” يكذب صاحبنا ببراءة مذهلة على قبطان “سيفورا”حين يأتي باحثا عن مساعده القاتل. وبدلا من تنفيذ عدالة لايؤمن صاحبنا بها، يقرر القبطان الاقتراب من الساحل قدر ماتسمح له الصخور حتى يتسنى لطريد الليل الفرار. وتنتهيالقصة هنا، لكن التساؤلات حول رسالة “كونراد” الذي يتقنتفخيخ رواياته لا تهدأ.
هل أراد “كونراد” أن يرمز بالقبطان إلى الجانب العقلانيالمتردد في الذات البشرية، والذي لا يكتمل بغير قراراتمتهورة وشجاعة يمثلها السفاح الهارب؟ أم تراه يؤيد حقناكبشر في الوقوف في وجه بعض القوانين حين نراها جائرة،وفي التعاون مع الضحايا بما نستطيع من حذر لنمنع العدالةالعمياء والتي يمثلها قبطان “سيفورا” من النفاذ؟ قطعا لم يرد”كونراد” أن يجعل قصة “الشريك السري” مجرد مغامرةبحرية كما فعل في بعض رواياته، لكنه أراد منا أن نقفعلى سفينة ذات أسطر وحروف لنمارس فضيلة التردد بينذاتين تتشاركان القمرة ذاتها والصراع ذاته.
