يعد الإرهاب من الظواهر الاجتماعية التي تنشأ وتترعرع في ظل عوامل نفسية واجتماعية خاصة ، وتحت ظروف سياسية واقتصادية وثقافية معينة ، وتشترك جميع هذه العوامل والظروف بشكل أو بآخر في إفراز ظاهرة الإرهاب في الواقع الاجتماعي ، ومن ثم فإن أية معالجة جادة لهذه الظاهرة تتطلب إصلاحا حقيقيا في جملة هذه العوامل والظروف التي تساعد على وجود هذه الظاهرة .
إن الخطوة الأولى في مشروع محاربة الإرهاب واجتثاث جذوره من أي مجتمع ، تتطلب فهمًا جيدًا لهذه الظاهرة من جميع جوانبها ، والوقوف على أسباب ظهورها ، حتى يكون التعامل معها مبنيًا على أسس علمية صحيحة .
إن إدراكنا للظروف التي ينمو فيها الإرهاب يجعلنا نصل إلى قناعة بأن الالتزام بمتطلبات الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي هو البوابة الرئيسة الأولى لإنهاء هذه الظاهرة من مجتمعاتنا . فمواجهة هذه القوى الهدامة تتطلب إضافة إلى اتخاذ الترتيبات العسكرية الميدانية بلورة استراتيجيات ممنهجة شاملة و متعددة الأبعاد.
فعلى الصعيد الفكري و الإيديولوجي: يلزم التصدي بكل الوسائل المتاحة للفكر الأصولي الظلامي المتطرف الداعي إلى التزمت و التضييق و التكفير و المناهض للوسطية و التسامح و الانفتاح و الذي نشهد اليوم تأثيره المأساوي على العديد من البلدان الإسلامية و العربية بما فيها تلك التي بلورته و احتضنته و مولت نشره و انسياحه حيث انقلب السحر على الساحر كما يقال و أكلت الثعابين مغذيها و مروضها الذي انطبق عليه المثل العربي : ” يداك أوكتا و فوك نفخ” ، “فلا هدى الله قيسا من ضلالتها و لا لعا لبني ذكوان إذ عثروا” كما قال الشاعر !!.
وقد يتم الوقوف في وجه المد الأصولي التكفيري في بلادنا و- في غيرها – عن طريق توسيع نطاق تدريس الوسطية الإسلامية و توطيد العقلانية و الروح النقدية من خلال تدريس الفلسفة و المنطق و العلوم الدقيقة و الرياضيات . مع الوقوف الحازم عن طريق المحاججة و الإقناع لا عن طريق القمع في وجه الإلحاد و الهرطقة و التهور و الاستهتار بقيم البلاد مثلها و ثوابتها.
و على الصعيد السياسي و المؤسسي: فإن من اللازم و الملح العمل دون تأخر ولا مواربة على تقوية الجبهة الداخلية للبلاد من خلال إقامة حوار جاد و بناء و نزيه بين كل الفر قاء السياسيين المتواجدين على الحلبة الوطنية ، و كذا إشراك كل القوى الحية من مجتمع مدني و شركاء اجتماعيين و فاعلين اقتصاديين، في صياغة مصير الوطن و إقامة مشروع مجتمع يرى فيه الكل ذاته.
و على الصعيد الاجتماعي: فلا بد من تكثيف الجهود الرامية إلى توطيد الوحدة بين كل مكونات النسيج الاجتماعي الموريتاني و تعزيز التعايش و الانسجام بين هذه المكونات من خلال تحقيق العدالة و المساواة و الندية.
ما يستلزم القضاء التام على كل مخلفات الاسترقاق و كل مظاهر الدونية و أشكال الإقصاء و التهميش لأية شريحة من شرائح المجتمع. على أن تصاحب هذا التوجه عزيمة فولاذية حازمة لمواجهة الحركات المتطرفة الساعية إلى بث الفرقة و الشقاق و الكراهية و العداء بين مختلف فصائل و شرائح الشعب برعاية و مباركة من الدوائر الصهيونية و الماسونية و الكنسية الدولية المتذرعة بالدفاع عن الحقوق الإنسانية وصولا إلى تحقيق أجنداتها الخبيثة. على الصعيد الاستراتيجي : ينبغي أن يستأنس البلد بما يجري في البلدان الأخرى في ما يتصل ببلورة رؤية مستقبلية لسيرورتها نحو مشاريع مجتمعات ترتضيها و ترضيها. فلم يعد من الملائم اعتماد سياسات تقوم على التلقائية و العفوية و الارتجال .
بل أضحى ضروريا، اليوم أكثر من أي وقت مضى ، إنشاء و تفعيل آليات تناط بها مهام التفكير الاستراتيجي و الاستشراف المستقبلي ووضع منهجيات للتسيير الإستباقي الذي لا يستغني عنه صناع القرار في تمثل و انتهاج السبل الأسلم و الأصلح للمضي ببلدانهم إلى بر الأمان في سياق تعصف به الأعاصير الهوجاء المدمرة.
عدم تبرير الجريمة أياً كان شكلها ومنفذوها , ومنهُ وعليه فالدعوة لتجفيف منابع الارهاب يجب ان تنطبق على ممارسات الحكومات إزاء شعوبها وممارسات الدول العظمى إزاء دول العالم الضعيفة , وإذا بقينا في منهج تبرير الجريمة والجريمة المشروعة فسوف نعمق اصل الارهاب بل ونعطيه صبغة شرعية .
لانتشار الكثيف للخلايا النائمة والمتطرفة في مصر، لا يزال على الرغم من كل المواجهات والملاحقات الأمنية يجد له موطئ قدم في البلاد. الأمر الذي بات يتطلب جهدا كبيرا من الأجهزة الأمنية، وهو ما دفع بالبعض إلى التعبير عن رفضه لانتهاج المعالجة والمواجهة الأمنية كأسلوب وحيد في مواجهة الإرهاب والتطرف، وطلب المواجهة الفكرية والثقافية وانتهاج خطاب ديني متجدد كمخرج ضروري لمواجهة الفكر المتطرف وتحصين عقول الشباب أمام غزوة التطرف التي تشهدها البلاد
ينبغي علينا أن نحدد أبرز التحديات التي تقف أمام مصر في مواجهة الإرهاب والتي تتخلص فيما يلي:
أولا: النقلة النوعية للإرهاب في مصر والتي هي نتاج تطور الإرهاب العالمي والإقليمي خاصة في الدول المجاورة، حيث يعد صورة متطورة لما عهدناه في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وشمل تطور الإرهاب نوع الأفراد وجنسياتهم والأدوات والاستراتيجيات المستخدمة إضافة إلى الأهداف المعلنة وغير المعلنة، حيث أصبحت تلك العمليات تنصب بصفة رئيسية على أقسام الشرطة ومديريات الأمن والكمائن المرورية، وكذلك استهداف قوات الجيش في سيناء. ومن حيث الأدوات؛ فقد تطورت باستخدام الأسلحة الصغيرة إلى الثقيلة والمتطورة، وهذا ظهر واضحاً في إسقاط الطائرة العسكرية في سيناء بصاروخ (سام 7)، كما أن تنفيذ هذه العمليات ينم عن دراية كبيرة باستخدام الأسلحة المتطورة.
ثانيا: حالة السيولة الأمنية والانفلات الأمني في المنطقة المحيطة بمصر فنجد أن جميع حدود مصر أصبحت ملتهبة فالحدود الغربية مع ليبيا تعاني الآن من حرب أهلية طاحنة وكذلك الحدود مع إسرائيل وفلسطين والأحداث الدامية في سوريا كما أن الجنوب لم يسلم من النزاعات والاقتتال، كما دخلت إلى مصر كميات كبيرة من الأسلحة ساهمت بشكل كبير في نشاط الجماعات الإرهابية، ونمت على السطح تنظيمات خطيرة في المنطقة مثل داعش وأنصار بيت المقدس، وهذا الأمر يمثل تحدياً خطيراً على الأمن القومي المصري برمته، لأنه لا يتعلق بالداخل فقط، بل أصبحت الجماعات الإرهابية تنشط في محيطنا الإقليمي، ناهيك عن الروابط والصلات التي تجمع بين تلك التنظيمات وبعضها البعض.
ثالثا: الدعم الخارجي للجماعات الإرهابية سواء كان دعماً إقليمياً أو دعماً عالمياً لتحقيق أهداف الدول المعادية لمصر والتي من مصلحتها أن تظل الدولة المصرية منشغلة بمحاربة الإرهاب والذي يستنزف موارد الدولة ويوجهها من تنمية مصر إلى حماية أمنها، حتى لا تقوى لمصر شوكة ولا تقوم لها قائمة.
أن مناقشة دور الإعلام في مواجهة الإرهاب اصبحت له أسبقية كبرى في البحث والدراسة، لأنه أصبح الوسيط الأساسي الذي تستخدمه الجماعات الإرهابية في الترويج لعقائدها المتطرفة، أو لتجنيد المتعاطفين مع أفكارها، ليس داخل بلد محدد وإنما على مستوى العالم.
أن الإعلام –في أي بلد– لن يستطيع القيام بدور فعال في مواجهة الإرهاب إلا إذا قام بدور معرفي ودور تنويري، وتوفرت لديه الامكانيات الذاتية ماديا ومعنويا.

التعليقات