يسعى الفرد لأمتهان عملاً بحثاً عن قوت الحياه و تكالفها و اجتياز معيقاتها، سعياً لضمان راحة يتكل عليها فى معيشة حياته اولاً و يسعى لضمان راحة من يتحمل مسؤليته من زوجة او اولاد او غيره، و هكذا منهج التأمين
الأجتماعى لأى فرد تقليدى و مُسالم يبحث عن الأمان و الأستقرار، و لضمان أستقرار أكثر تبدأ رحلة أتقانه فى عمله و السعى للتميز فيه و إحداث النجاحات المختلفة و التعامل مع المُعيقات و غيره حتى تترعرع خبراته فى عمله و كل هذا ليس فقط لأنه أحب عمل عمله و لكن يكمُن فى خلفية عقله و أدراكه جدوة هذة الآلية و هو العمل المُستمر و التطوير منه لضمان الأمان الأجتماعى و الأستقرار المادى المُلبى لمتطلبات حياته و حياه من يعوله، و أثناء هذة العملية المستمرة يُستَنفَذ عمره و صحته و بدنه ليصبح غير قادر على العمل و المواصلة فى هذا الجهاد فى سبيل الأستقرار الأجتماعى و فى سبيل البقاء و فى سيبل حفاظ على نعمة الحياه، وهو الشرط المفروض على اى انسان، لذا يُكرم الموظف فى مُنعطفه الأخير من عمره بالمعاش و هو النظام المؤمن له نفس الأستقرار والأمان الاجتماعى و الثبات المادى الذى أفنى فيه عمره بأكمله، و هنا يحصد الموظف ما زرعه من بذور تتمثل فى أستقطاعات مالية صغيرة و أشتراكات تأمينية مُختلفة و تنقلات جغرافيه متعددة على مر عمره الوظيفى حتى تطرح هذة البذور ثمرات المعاش المتوج بدخل شهرى يؤمن له نفس الأستقرار المعتاد عليه طوال حياته المهنية و نفس التأمين الطبى الضامن له نفس الخدمة الصحية سابقاً و المُختلف من الأمتيازات الترفيهية و التنزهية من نوادى و غيره، وهذا قانون العطاء ومردوده عند الله سبحانه و تعالى، فإذا بذل العبد جهداً .. أعاده الله عليه حصاداً مما زرعه، و هذا المُعادلة مُجربه سابقاً منذ مئات الأعوام بدايةً من الشعب الأنجليزي كأول نظام تأمين أجتماعى و طبى للموظفين، ومجربة أيضاً عند كل شعوب الأرض تحت قانون (من زرع حصد).
و هكذا أنتهج نفس المنهج الشخص الذى سعى ان يحدث السعادة لمن أحب لهم السعادة، المرء الذى سعى لأيجاد السبل و الوسائل الصانعة للسعادة لمن حوله، و هذا المرء يتبع نفس النظام المهنى و الوظيفى لهذا الموظف الذى سعى للأستقرار و الأمان الوظيفى، فصُناع السعادة تختلف أنماطهم حسب أوضاعهم، فمثلاً المُقتدر مادياً المُستشعر فى أعين من حوله السعادة بالفسح و التنزه و السفر يتَفنن فى صناعة المُخططات المُبدعة و المخلقة من وحى خياله ليُبهر من حوله فى أنشطته المُختلة و الغير متوقعة لأِشعارهم بهذ الشعور وهو السعادة، و هناك الغير مُقتدر مادياً و لكن مُتمكن و خبير فى أقتناس اى فرصة و اى شىء رمزى او طعام مُشتهى او هدايا او غيره و يقدمه لمن حوله و يبهرهم و يُشعرهم بنفس الشعور وهو السعادة، و هناك الأبن او البنت الساعيين لإحداث نفس الشعور لوالدينهم بتقديم مُعطيات رمزية او معنوية او مادية فى المنزل لأحداث السعادة لهم و إشعارهم بهذا الشهور المُبهج، وحتى على النظاق الضيق بين المرء و زوجته يسعى تلك الشخص المصاب بصفة أحداث السعادة لمن حوله بتصرفات مُفاجأة لزوجته تشعرها بالسعادة و يُخطط و يُدبر عن كَسب لأنشطة دائماً تتعدى كل توقعاتها ليبهرها فى كل نشاط او كل مُخطط و يشعرها بهذا الأحساس .. السعادة.
فى التأمل فى كل هؤلاء الأشخاص الذى تَغلِب عليهم الرغبة المُلحة فى أحداث السعادة لمن حولهم و الدائمين فى التخطيط و التدبير و التَربُص رغم تقلباتهم المادية او الإجتماعية او حتى النفسية و العصبية نجد أنهم يستغرقوا أوقاتً لست بقليل فى هذا الأستحواذ الفِكرى المُلح عليهم و كأنهم فاقدين السيطرة على هذا سُلوك مدمنين عليه دون شعور و بحثاً فقط عن نشوة نفسية لها تَسلسُل على مُتلقيها و هو الأصابة بالفجأة و الأنهار و الأبتسام و التعبيرات البدنية اللاإرادية المُبهجة حتى الوصول الأنتشاء ثم الفرح الشديد و الشكر و العِرفان الأمتنان و الأحضان بمُختلف تعبيراته حسب المُتلقى من أُم او أَب او زوجة او صديق او صديقة.
فى كل الأنماط و النماذج المختلفة تتجسد صفة تكاد أن تكون مهنة مُمتَهنة بخبرة مُتمكنة من مُصابى هذه الصفة وهى أِحداث السعادة للمُحيطين، وهو البراعة فى الخلق لشعور السعادة بل التَمَكُن فى صناعته و أِكسابه للمُحيطين، رغم أى مُعيق لهم، لما يلفت أِنتباهنا لسيطرة و تَلازم هذة صِفة فى مُصَابيها، والذين يَنتُج عن أصابتهم هذة الفرحة والسعادة لمن حولهم، والذين لُقبوا فى مجتمعاتهم ألقابً مُختلفة ومُتعددة واصفه لسلوكهم .. نجد أنه نفس النظام التأمينى الأجتماعى او الطبى الأنجليزى لموظف أمتهن وأجاد و تمكن وتَألَق وأَفنى عُمره وتوج بمعاشٍ خيراً، فصانع السعادة إيضاً تَخصص مِثلما أمتهن تلك الموظف، وكَرث مجهوده بتَفنُن مثلماً أجاد الموظف، وتمكن من صناعته فى كل الأوقات المُقرر فيها أحداث السعادة مثلما تمكن الموظف فى عمله و مُيز وأِشتهر فى محيطه الأجتماعى وتألق مِثلما تألق إيضاً الموظف فى وظيفته، وأخيراً أفنى عمره بأكمله فى أِحداث السعادة لمن حوله مِثلما أفنى تلك الموظف أغلب عمره فى مهنته، ولكن فى آخر المُعادلة .. هل يُتوج صانع السعادة بمعاش أجتماعى و طبى او أى شكلٍ من أشكال المعاشات التى يتوج بها الموظف فى عمره المهنى؟؟ هل يُخصص له أمتيازات ترفيهية أو تنزُهية مثل تلك الموظف الذى المُحال للمعاش؟؟ هل يحصد ما زرعه من بُذور فى نفوس كل المحيطين به؟؟ هل يُجنى ما أكسبهُ من مشاعر و أحاسيس و فرحة و أبتسامات و مَرح و قهقهة لا تُعد و لا تُحصى ولا تُعد فى أرقام و قاييس؟
بكل أسفٍ و آسى هذة المهنة او الوظيفة المقدمة من هؤلاء الخُبرة المُتميزين والمُتمكنيين لا تؤمن أجتماعياً ولا ترعى بأى نظامٍ تأمينى و لم يسبق أدراجها فى أى من الأنظمة التأمينية الأساسية او الترفيهية فى الدول الرائدة فى هذة الأنظمة، ولم يمنحوا أى أمتيازات او صلاحيات تُشعرهم بالرضا او الأطمئنان فيما أنفوا عمرهم حياله … بل لم ولن يعلموا انهم طوال هذه الرحلة من الصناعة و التَميز والتألق والحرفة والحنكة وغيرها من صفات مُتعدد من التمييز كانوا بدون شعور يحفروا قبورً عريضة بأسقف قصيرة مزغرفة بكل ذكرى لمُخطط او مُفاجأة او حدث أحدث السعادة للمحيطين، بل صدموا عندما فوجأوا أنهم تميزوا فى هذة المهنة حتى أكتسحوا كل مجتماعاتهم المتفاعلين فيها بل أسكتوا كل من حاول التخصص فى تخصصهم و شلوا كل الهواه و المبتدئين، فأنطفئ بريقهم و تدهورت مناصبهم و أنغمست فى مستنقع العَجَز العمرى حتى غرقوا فى قبورهم الواسع القصيره.
كم مُهدر حقك أيها الموظف المثالى النموذجى، الذى أفنيت عمرك أدماناً فى أسعاد المحيطين بك !! لم تكرم و لو تؤمن و لم يصرف لك اى مستحقات سوى فقط كلمة تَذكُر أحداثك كل حين و مين.
