مقدمة :-
إن موضوع استقلال القضاء شأن يتجاوز بكثير حدود القضاة أنفسهم إذ أنه في جوهره وثيق الصلة بقضية العدل وميزان الحرية في المجتمع, وفي العالم المتحضر فإن قيمتي العدل والحرية تتأثران سلبا وإيجابا بمقدار ما هو متوافر من استقلال للقضاء في كل بلد, لذلك فإننا حين ندافع عن
استقلال القضاء ونتشبث به, فإنما ندافع عن أنفسنا في حقيقة الأمر, وحين يستشعر القضاة قلقا من جراء نقصان استقلالهم, فإن ذلك القلق ينبغي أن ينسحب علينا تلقائيا. إن استقلال القضاء ليس ترفاً، وليس خيارا للشعوب أو الحكام .. بل هو حتمية حياة وضرورة وجود .. بغيره يأكل القوى فينا الضعيف، ويفتقد المظلوم من يلوذ به ويثق في استقلاله ونزاهته.. وهو صمام الأمان للمتقاضى قبل القاضي .
مبدأ سيادة القانون
والحديث عن دولة المؤسسات وعن مبدأ سيادة القانون وعن المشروعية في دولة لا يوجد فيها قضاء مستقل يصبح نوعاَ من العبث، لأن هذه الأمور جميعا مرتبطة ارتباطا وثيقا لا ينفصم، فحيث يوجد إيمان بمبدأ المشروعية وسيادة القانون وحيث يوجد الدستور، فان السلطة القضائية المستقلة تأتى كنتيجة طبيعية، أما عندما يختفي مبدأ المشروعية وعندما لا يكون هناك إيمان بمبدأ سيادة القانون، فانه لا يمكن تصور وجود سلطة قضائية مستقلة في مواجهة بطش السلطة التنفيذية. الهدف من استقلال القضاء ومن حماية هذا الاستقلال هو تحقيق العدالة التي لا يمكن أن تتحقق في غياب أحد مقوماتها الأساسية وهو استقلال القضاة وحماية هذا الاستقلال من أي تدخل وتأثير، فما هو مفهوم هذا الاستقلال؟ وما هي مقوماته؟ وما هي ضرورته؟.
مفهوم استقلال القضاة
يقصد به استقلال سلطة القضاء كسلطة وكيان عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعدم السماح لأية جهة بإعطاء أوامر أو تعليمات أو اقتراحات للسلطة القضائية تتعلق بتنظيم تلك السلطة، كما يعني عدم المساس بالاختصاص الأصلي للقضاء، وهو الفصل في المنازعات بتحويل الاختصاص في الفصل لجهات أخري كالمحاكم الاستثنائية، أو المجالس التشريعية أو إعطاء صلاحيات القضاء إلى الإدارات التنفيذية، وكذلك باعتبار القضاء سلطة وليس وظيفة.
أعتبر مبدأ استقلال السلطة القضائية من المبادئ المهمة والحيوية التي تتعلق بحقوق الإنسان، فقد عرف هذا المبدأ منذ القدم أي في العصور الفرعونية واليونانية، كما وأدرجت العديد من الوقائع في الإسلام منها ما يشير إلى دور القاضي العادل في تأدية وظيفته بصورة مستقلة، ومنها ما تدل على تطبيق القانون بالتساوي بين البشر، بلا فرق بين غني وفقير ولا بين حاكم ومحكوم؛ لاعتبارات شرعية أو دينية أو أخلاقية، غير أن العديد من الشخصيات كانوا يرفضون تولي منصب القضاء لخطورة هذا المنصب، وأهميته في المجتمع، ولإيمانهم بوجود جزاء أخروي ودنيوي يحل بمن يخل بواجبات هذه الوظيفة.
ومن هنا وجدنا ضرورة البحث في القواعد العامة التي يجب ألا يحيد عنها القائمون على السلطة القضائية ووزارة العدل عند إعادة هيكلة وتشكيل السلطة القضائية.
المبادئ العامة الواجب الالتزام بها لكي تشكل السلطة القضائية بما يتفق والدول المتحضرة:
- ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (عندما تحدث عن حق الالتجاء للقضاء)
أجمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان في أن لكل فرد الحق في الحرية، والمساواة والحق في الحياة وفي سلامة شخصه من الرق والتعذيب والمعاملة القاسية، وفي التملك والضمان الاجتماعي، والعمل والتعليم، والحق في مستوى مناسب من المعيشة يكفي للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، كما نصت المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على:
“أن لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم المدنية لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحه إياها القانون”، كما نصت المادة العاشرة على: “أن لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة، نظراً عادلاً علنياً؛ للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه”، ونصت المادة الحادية عشر على: “أن كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً، بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه، ولا يدان أي شخص من جراء أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل إلا إذا كان ذلك يعتبر جرماً
وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، ولا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة”. كما تضمنت الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/ ديسمبر 1966، بضعة نصوص مفصلة لحق الالتجاء إلى القضاء وضماناته، وقد أكدت على أن لكل فرد الحق عند النظر في أية تهمة جنائية ضده أو في حقوقه والتزاماته في إحدى القضايا القانونية في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استناداً إلى القانون
، ولكل محكوم بإحدى الجرائم الحق في إعادة النظر في الحكم والعقوبة بواسطة محكمة أعلى بموجب القانون، كما أننا نجد كفالة تامة لحق الالتجاء إلى القضاء في جميع دساتير الدول ذات الثقافة القانونية المتحضرة بالنص على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي كما وتكفل الدول تقريب جهات القضاء من المتقاضيين وسرعة الفصل في القضايا، كما وتحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.
- الالتزام المصري بالمعاهدة والمواثيق الدولية، وعلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ بما يتضمن حق الالتجاء للقضاء، كحق من حقوق الإنسان ألزمها توفير سلطة قضائية مستقلة تكفل هذا الحق لمواطنيها أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس: حرية الرأي، وحرية تكوين الأحزاب، ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية، واحترام الأقليات قرارات الأغلبية وعلى العدل الاجتماعي والمساواة، وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرف أو الدين أو اللون، أو بين المرأة والرجل في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل، وعلى أساس الوفاء الكامل للوطن المصري و الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الأديان عبر القرون”.
استقلالية السلطة القضائية:
يضمن الفصل بين السلطات، وهذا يقتضي وجوب التزام السلطة التنفيذية حكم القانون في كل أنشطتها وتصرفاتها، وبما أن السلطة التشريعية هي صاحبة الحق في سن القوانين، فلا يجوز لها أن توافق على تشريع أي قانون لا يتفق وأحكام الدستور،
كما أن الفصل بين السلطات يقتضي أن يكون سن القوانين من اختصاص مؤسسة غير السلطة التنفيذية، بمعنى أن تختص السلطة التشريعية بسن القوانين وتعديلها دون أن يكون ذلك للسلطة التنفيذية، فإذا كان للسلطة التنفيذية حق سن القوانين، وحق تعديلها، أو إلغائها،
فإن معنى ذلك أن تصبح إرادة السلطة التنفيذية هي القانون. وتلك حالة لا يتحقق معها سيادة القانون، إذ تنقلب السلطة التنفيذية إلى سلطة دكتاتورية استبدادية وتصبح الدولة دولة بوليسية تهدر فيها الحريات، ولا يجد الفرد حماية لحقوقه في مواجهة الإدارة الظالمة والمتعسفة.
إن الفصل بين السلطة التنفيذية والتشريعية غير كاف لتحقيق مبدأ سيادة القانون إلا بالفصل، كذلك بينهما وبين السلطة القضائية؛ لأن السلطة القضائية لها حق الرقابة على السلطة التشريعية، من حيث عدم مخالفة التشريعات الصادرة عن السلطة التشريعية للدستور.
وهذا يعرف (بالمحكمة الدستورية العليا) والتي من واجبها مراقبة دستورية القوانين، وكذلك لها حق إبطال أي عمل أو أي قرار إداري مخالف للقانون صادر عن السلطة التنفيذية .
1- ضمانات للقضاة ضد السلطة:
أ. عدم قابلية القضاة للعزل:
يقصد بهذا المبدأ أن القاضي لا يفصل أو يحال إلى المعاش أو يسحب تعيينه أو ينقل بإدارة الحكومة إلا في الأحوال وبالكيفية المبنية في القانون، فلكي يمسك القاضي بميزان العدالة، يجب ألا يخشى على وظيفته ومستقبله؛
لذلك لابد من تقرير هذا المبدأ لتشيع الطمأنينة في نفس القاضي الذي يستطيع أن يحكم طبقاً لضميره والقانون، وهو آمن على وظيفة.
ب. عدم التأثير على عمل القاضي:
ضمانات استقلالية القاضي في عمله هو عدم التأثير عليه من الهيئات الإدارية والمتصلة بعمله اتصالاً مباشراً أو غير مباشر وتكون كالتالي:
- علاقة القاضي بوزير العدل:
وإن كان لوزير العدل حق الإشراف على جميع المحاكم والقضاة لا يرقى إلى درجة توجيه القاضي في عمله بما يمس نزاهته، ولا يصل إلى درجة توجيه تنبيه إليه؛ فوزير العدل عضو في السلطة التنفيذية ولا يملك أن يأمر القاضي باتخاذ إجراء، أو أن يحل محله للحكم إذ لا ولاية للوزير في ذلك.
- علاقة القاضي برئيس المحكمة:
لكل رئيس محكمة حق الإشراف على القضاة التابعين له، وحق تنبيه القضاة إلى ما يقع منهم مخالفة لواجباتهم أو مقتضيات وظائفهم بعد سماع أقوالهم، ويكون التنبيه شفاهة أو كتابة.
- التفتيش القضائي:
ويتم بوزارة العدل تأليف إدارة للتفتيش القضائي على أعمال القضاة، ويختار أعضاؤها من القضاة، وتكون مهمتها تقييم عمل القضاة وتعطي لهم الدرجات، ويجري التفتيش على القضاة مرة كل عامين على الأقل، وتقوم بإبلاغ القضاة بنتيجة التفتيش، وإن كان التفتيش القضائي يتبع وزير العدل إلا أنه يتمتع بكيان مستقل وموضوعي لاستناده إلى أسس وقواعد قضائية موضوعية.
2- ضمانات الترقية والنقل:
إن مبدأ عدم القابلية للعزل لا يكفي بمفرده لحماية استقلال القاضي، إذا لم يدعم بضمانات تمنع الحكومة من التحكم والتأثير عليه عن طريق نظام الترقية أو النقل، لذلك يوجد في جميع بلاد العالم نظام خاص للقضاة يختلف عن نظام باقي موظفي الدولة.
3- ضمانات للقضاة ضد ضعفهم:
هذه الضمانات وضعت حماية للقاضي من التأثير بعواطفه الخاصة، فالقاضي بشر له حياة ومصالح خاصة قد تؤثر في قضائه، وإذا تعارضت هذه المصالح مع المصلحة المطلوب فيها حمايته، فلا يمكن أن تتطلب منه أن يكون مثالياً، فيحكم طبقاً للقانون ولضميره إذا توافرت أسباب معينة يخشى معها ألا يكون محايداً أو أن يتأثر بميوله ومصالحه الشخصية، فيتنحى القاضي عن نظر تلك الدعاوى، وهذا غير مبني على الشك في نزاهة القاضي؛ فالقاضي المطعون في نزاهته لا يصلح أن يكون قاضياً،
وإنما أساسه الرغبة في استيفاء مظهر الحياد الذي يجب أن يظهر به القاضي أمام الخصوم وأمام الجمهور، وأمثلة ذلك منع القاضي من نظر الدعوى إذا كان أحد الخصوم قريباً أو صهراً لأحد الخصوم، إلى الدرجة الرابعة، وإذا كان له أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم في الدعوى، أو مع زوجته،
وكذلك الوكالة من أحد الخصوم تجعل القاضي غير صالح لنظر الدعوى، وإذا كان القاضي قد أفتى أو ترافع أو كان محكماً أو شاهداً أو خبيراً،
أو إذا كان قد سبق ونظرها قاضٍ، هذه الأسباب يترتب عليها عدم صلاحية القاضي لنظر الدعوى، بحيث يجب عليه أن يتنحى عن نظرها، ولو لم يطلب الخصوم منه ذلك، وإذا حكم في الدعوى، كان حكمه ولو باتفاق الخصوم باطلاً وجاز الطعن فيه.
4- حماية قاضي المتقاضيين:
إن مبدأ ضمان استقلال القضاء حين وفر ضمانات تحمي القضاة من بطش الحكام، قرر كذلك حمايتهم من كيد المتقاضين، فلم يجعل القضاة خاضعين لما يخضع له سائر الأفراد وسائر موظفي الدولة، من حيث مسؤوليتهم عن عملهم، وإنما قرر لهم نظاماً خاصاً بهم يسمى نظام مخاصمة القضاة، ومفاده حماية القاضي من المتقاضيين،بهدف ضمان ألا تؤدي مسؤولية القاضي إلى التأثر في استقلاله، وذلك عن طريق تحديد الحالات التي يسأل فيها القاضي مدنياً على خلاف القاعدة العامة بالنسبة للأفراد “لا يسأل القاضي عن كل خطأ”، وكذلك تم وضع خصومة لا تخضع لكل القواعد العامة، لتقرر هذه المسؤولية، وتسمى في الاصطلاح القانوني بالمخاصمة.
استقلال السلطة القضائية
أولا: مسؤولية الدولة لكفالة هذا الاستقلال:
لما كانت نزاهة وحيدة واستقلال السلطة القضائية هي حق من حقوق الإنسان لطالبي العدل أكثر من كونها امتيازا للسلطة القضائية، ولما كان استقلال السلطة القضائية من المستلزمات الأساسية للمحاكمة العادلة وهو الأمر الذي يفترض التحرر من أي تدخل من جانب السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية، وينبغي أيضا أن يكونوا مستقلين عن زملائهم ورؤسائهم في الجهاز القضائي، وعلى ذلك يتعين على الدولة أن تضمن:
1 ـ أن يكون استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية مبدأ دستورياً.
2 ـ أنه لا يجوز لأي تشريع أن ينكر أو يقيد أو ينتقص من هذا الاستقلال حماية للحقوق المرتبطة به.
3 ـ لا يجوز أن يكون أي نظام هرمي في السلطة القضائية ولا لأي فارق في الدرجة أو الرتبة، دخل في حق القاضي في إصدار حكمه بحرية.
4 ـ يحظر فرض أي قيد على حق القضاة في ممارسة مهامهم ومسؤوليتهم الكاملة في تطبيق القانون سواء فردياً أو جماعيا.
ثانيا: مبدأ حياد القاضي:
يفترض لمفهوم النزاهة أو الحيدة البعد عن التحيز والتعصب والمحاباة، وتعني عدم تفضيل شخص على آخر وتفيد ضمنا الموضوعية والبعد عن العواطف أو سوء النية، وكون القاضي نزيها معناه إمساك الميزان بالعدل والحكم دون خوف أو محاباة من أجل إحقاق الحق، ويتطلب إعمال هذا المبدأ.
1 ـ التجرد من الميول الذاتية
أ ـ أن يكون مجردا حيال النزاع المعروض عليه ويؤدي ذلك ألا يكون القاضي خصما في الدعوى أو له مصلحة فيها.
ب ـ أن يبتعد عن الأهواء الشخصية أو الغيرية مهما كانت المصلحة التي تتعقبها.
جـ ـ أنه لا يجوز أن يحركه مؤثر خارج الدعوى وعليه ألا يتجه بوجدانه اتجاها معينا استجابة لمصلحة ذاتية حتى لا يندفع بتلقائية إلى حيث يميل، وأن يبتعد عن الشهوات النفسية الموازية.
د ـ القاضي هو المسئول أمام ضميره وعليه أن يقيم اقتناعه على ما يطرح من أدلة في الجلسة، وأن يكون الدليل الذي أقام عليه قضاءه مشروعا واستخلاصه له مستساغاً.
2ـ التحرر من الانتماء إلى سياسة حزبية معينة
أ ـ أن على القاضي أن يؤمن أنه عندما يصبح القضاة أو السلطة القضائية أدوات خاضعة في لعبة السياسة وعندما يستخدمونهم لإجازة أوامر السلطة التشريعية دون اعتبار للقانون فإن ما يقيمونه هو العدل السياسي، وسيعتبر ذلك من جانب الكافة تجاوزا للقانون واستهزاء بالعدل.
ب ـ لما كان من المتعين على السلطة القضائية الحديثة أن تفصل في مسائل لها طبيعة سياسية ولها آثار سياسية ومن شأنها لا محالة وضع القضاة في مرمى الأسلحة السياسية وبالتالي فعليه ألا يتحول إلى أداة لترسيخ أيديولوجية سياسية معينة والانتصار لها على منصة القضاء في مواجهة معارضيها وذلك حتى لا يتخلى عن مفترضات الحيدة.
ج ـ أن الانحياز السياسي يتعارض مع الدور الرقابي للقضاء على أعمال باقي سلطات الدولة ضمانا لتوافقها مع الدستور حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم وهو دور لا يستطيع الاضطلاع به إذا اندمج في العمل السياسي.
3ـ تحرر القاضي من الضغوط الشعبية والاجتماعية والسياسية
أ ـ يحظر على السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية أو أي شخص من ذوي النفوذ التدخل في أعمال القاضي للتأثير على قضائه.
ب ـ رغم الإيمان الكامل بدور وسائل الإعلام الجماهيري إلا أنه يحظر أي دعاية تخلق تهديدا لاستقلال السلطة القضائية أو للتأثير على القاضي عن طريق النشرات المنحازة وغير المسئولة.
ج ـ يحظر التهجم على القاضي من السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية أو تخويفه من الإجراءات الكيدية أو الجنائية أو المدنية أو التأديبية أو المدنية.
د ـ إنكار المركز الاجتماعي عن طريق منحه درجة أدنى في الأسبقية.
هـ ـ التشهير وتوجيه الاتهامات المحرجة علنا وممارسة ضغوط شعبية لتحويل السلطة القضائية عن الدور المحدد لها ولتشويه سمعتها.
و ـ يحظر النقل الذي يستخدم لمعاقبة القاضي أو لعزله من ولاية قضائية ترى السلطة التنفيذية أن استقلاله يمثل مشكلة لها ومن الأمثلة على هذه الحالة نقل قاض أبدى عطفا على متهم ينتمي إلى أقلية عنصرية من محكمة جنائية إلى محكمة مدنية.
ز ـ يحظر قيام السلطة التنفيذية باستخدام وظائف مؤقتة أو مخصصة أو وظائف لا تقتضي التفرغ وذلك من أجل إخضاع السلطة القضائية لهوس الخوف.
وما ذكر هو على سبيل المثال لا الحصر
4 ـ خلو ذهن القاضي من أية معلومات مسبقة بشأن موضوع الدعوى المعروضة
وذلك حتى يتسنى له وزن حجج الخصوم على نحو مجرد ليصل بشأنها إلى حكم عادل ويتتبع ذلك:
أ ـ ألا يكون قد قام بعمل في الدعوى المعروضة من أعمال الضبط القضائي أو أعمال التحقيق أو الإحالة.
ب ـ ألا يكون موضوع الدعوى ذا صلة بنشاطه المدني أو بعلاقاته الاجتماعية وروابطه العائلية أو الأسرية.
ج ـ ألا يكون أدى شهادة في الدعوى أو باشر فيها عملا من أعمال في الخبرة أو الإفتاء.
5 ـ عدم الجمع بين وظيفته القضائية ووظيفة أخرى لا تتفق مع استقلال القضاء
القاعدة أنه لا يمكن للقاضي أن يقبل أي منصب بأية صفة ما لم يكن واضحا أن هذا المنصب يمكن الجمع بينه وبين القضاء دون الإخلال باستقلال السلطة القضائية.
رابعا: عدم جواز التدخلات غير اللائقة في الإجراءات القضائية
طبقا لهذا المبدأ:
1 ـ لا يجوز ممارسة أية سلطة شأنها التدخل في العملية القضائية.
2 ـ لا يجوز للسلطة التنفيذية ممارسة أي رقابة على الوظائف القضائية للمحاكم في إقامة العدل.
3 ـ لا يكون للسلطة التنفيذية أية سلطة لوقف العمل في المحاكم أو تعليقه.
4 ـ تمتنع السلطة التنفيذية عن القيام بأي عمل أو إغفال القيام بأي عمل يستبق الحل القضائي لأحد النزاعات أو يحبط التنفيذ السليم لقرار إحدى المحاكم.
5 ـ لا يجوز لأي تشريع أو أي مرسوم تنفيذي محاولة نقض قرارات قضائية محددة بمفعول رجعي، ولا تغيير تشكيل هيئة المحكمة للتأثير في اتخاذ قراراتها.
خامسا: حق الفرد في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي
إن السلطة القضائية هي سلطة أصيلة تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية ولما كان مبدأ استقلال القضاء هو الأصل والذي يترتب عليه حق كل شخص في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي أي المحاكم العادية والهيئات التي تطبق الإجراءات القانونية وهو ما يستلزم:
1 ـ أن تكون المحكمة تم إنشاؤها وتحديد اختصاصاتها بقانون الدعوى.
2 ـ إنشاء المحكمة وتحديد اختصاصها قبل نشوء الدعوى.
3 ـ أن تكون المحكمة دائمة وليست مؤقتة.
4 ـ أن تتوافر في هيئة المحكمة ضمانات الكفاية والحيدة والاستقلال.
5 ـ أن تكفل أمامها حقوق الدفاع وضماناته كاملة.
ولما كان القضاء الطبيعي والضمانات المتوافرة أمامه تعتبر من حقوق الإنسان الأساسية غير القابلة للتصرف فإن ذلك يستتبع:
1 ـ لا يجوز إنشاء أية محاكم خاصة لتحل محل القضاء الذي تتولاه المحاكم العادية.
2 ـ وفي أوقات الطوارئ تجرى محاكمة المدنيين المتهمين بارتكاب جرائم مدنية أيا كان نوعها أمام محاكم مدنية عادية ولا يجوز أن يتم احتجاز للأشخاص دون توجيه اتهام مع حق المحتجز في طلب إعادة النظر أمام المحاكم العادية ويكفل لهؤلاء المحتجزين التحقيق السريع النزيه العادل في أية ادعاءات بسوء المعاملة.
3 ـ تقتصر ولاية المحاكم العسكرية على الجرائم العسكرية وتكون أحكامها قابلة للطعن أمام محكمة أعلى.
4 ـ لا يجوز لأي تشريع أو أ ي مرسوم تنفيذي محاولة نقض أحكام قضائية إلا أن هذا لا يخل بحق السلطات المختصة بتخفيف الأحكام أو إصدار قرارات العفو.
سادسا: ضمان عدالة الإجراءات القضائية وحقوق الأطراف
إن مقتضى مبدأ استقلال السلطة القضائية يلقي على عاتقها بواجب:
1 ـ أن تضمن سير الإجراءات القضائية بعدالة وبدون أي تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الأصل أو المركز الاجتماعي أو أي سبب آخر.
2 ـ احترام مبدأ أن الأصل في الإنسان البراءة إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي.
3 ـ احترام مبدأ المساواة أمام القانون.
4 ـ كفالة حق الدفاع وكفالة ضمانات المتقاضين.
5 ـ مراعاة القواعد القانونية فيما يتعلق بالإجراءات والإثبات.
سابعا: توفير الموارد الكافية
والمقصود بالموارد هي الموارد المادية والبشرية التي تمكن السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة، ويستوجب ذلك:
1 ـ تكون إحدى أعلى الأولويات بالنسبة إلى الدولة تقديم الموارد الكافية التي تسمح بإقامة العدل على النحو الواجب بما في ذلك تقديم المرافق المادية المناسبة لصون استقلال السلك القضائي وكرامته وفعاليته والموظفين القضائيين والإداريين والميزانيات العاملة.
2 ـ تقوم السلطة المختصة بإعداد ميزانية المحاكم بالتعاون مع السلطة القضائية، مع مراعاة احتياجات الإدارة القضائية ومتطلباتها مع عدم ارتباط ميزانية السلطة القضائية بالميزانية العامة لعدم خضوعها لأي متغيرات لما قد ينعكس سلبا على حسن أداء القضاة ويؤثر على استقلالهم.
3 ـ أن تدرج هذه الميزانية رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة.
4 ـ أن يكون للسلطة المختصة بشؤون القضاء السلطة المقررة للوزير المختص ووزير المالية.
ثامنا: حرية الرأي والتعبير وتكوين الجمعيات
1 ـ يتمتع أفراد الجهاز القضائي، نتيجة لهويتهم المهنية واستقلالهم الوظيفي، بحرية المعتقد والفكر والكلام والتعبير وإنشاء الجمعيات والاجتماع والتنقل، وهذه الحريات هي ضمانات لحقوق الإنسان الأساسية وكل فرد ذو حق باعتبارها أوجه الكرامة الإنسانية، ومن حق القضاة التمتع بهذه الحريات ليس كأفراد فحسب ولكن بصفتهم قضاة أيضا، لأن هذه الحريات أساسية ومفيدة في مهمة القضاء التي تنطوي بالضرورة على ما يلي:
(أ)حرية التفكير والنظر والدراسة والتحليل والاعتقاد (حرية الفكر والمعتقد).
(ب) حرية الرأي والتعبير وإصدار الأحكام.
(ج) حرية تقديم المؤازرة والمساعدة في التمتع الفعلي بحرية الفكر والمعتقد وحرية الرأي، وكذلك تحسين المعارف والمهارات والقدرات المهنية وتمثيل المصالح الفردية والجماعية والدفاع عنها وحماية مبدأ الاستقلال القضائي من التآكل أو التعدي عليه أو إهماله أو تعزيز هذا المبدأ وحرية إنشاء الجمعيات وحرية الاجتماع وحرية التنقل.
2 ـ تعتبر هذه الحريات في جميع أنحاء العالم حريات أساسية، ومعظم الدساتير تكرس هذه الحريات باعتبارها ضمانات أساسية بشكل صريح لجميع المواطنين عامة، ولا يتضمن أي دستور من الدساتير أي إنكار لحق القضاة في التمتع بهذه الحريات بعبارات مطلقة أو محددة.
إلا أن الحرية دوما نسبية وهي تخضع لعمليات تنظيم ورقابة وتغييرات اجتماعية معقولة، وفي حالة القضاة، تنشأ القيود المصاحبة لهذه الحريات من طبيعة وظائفهم، ومركز مناصبهم وجلاله وشرفه.
تاسعا: المؤهلات والاختيار والتدريب
1 ـ يجب أن يكون المرشحون للاختيار للمنصب القضائي أفرادا من ذوي الاستقامة والجدارة وهم يتمتعون على قدم المساواة مع الآخرين بحق الوصول إلى المنصب القضائي، وفي حالة وجود قضاة غير مؤهلين فيكون عليهم تلقي تدريب جيد في مجال القانون.
2 ـ لا يجوز لدى اختيار القضاة أن يكون هناك أي تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو اللغوي أو الاجتماعي أو الثروة أو الدخل أو النسب أو المركز، ولا يعتبر من قبيل التمييز اشتراط أن يكون القاضي من مواطني الدولة.
3 ـ لا بد أن يراعى في عملية الاختيار ومعايير هذا الاختيار ضمان أن تكون السلطة القضائية انعكاسا عادلا للمجتمع بكافة جوانبه.
4 ـ لا يعتبر اشتراك السلطة التنفيذية أو التشريعية أو جمهور الناخبين بصفة عامة في التعيينات القضائية متسقا مع استقلال القضاء بشرط ألا تبطل هذه المشاركة دوافع وطرائق غير سليمة.
عاشرا: مدة الخدمة وشروط خدمتهم والأجر الملائم والمعاش وسن التقاعد
مدة الخدمة وشروط خدمتهم والأجر الملائم والمعاش وسن التقاعد
إن ضمانات الاستقرار في تولي المنصب هو أبرز الضمانات التقليدية للقضاة، وهو يعني أن القاضي يتمتع بحق مكفول في البقاء في منصبه إلى أن يبلغ السن الإلزامية للتقاعد أو حتى انتهاء مدة توليه منصبه، ولا يجوز عزله من هذا المنصب إلا لعدم أهليته أو لسوء سلوكه الثابت.
وهو يعني أيضا أن مدة تولي القضاة لمناصبهم ومرتباتهم، وغير ذلك من شروط خدمتهم ومثل سن التقاعد لا يمكن أن تغير على نحو يضر بأمنهم واستقلالهم لذلك يجب أن تكون محددة بالقانون ولا بد أن ينص القانون على أن:
1 ـ تحديد المدة المقررة لتوليهم وظائفهم:
لا يترك لأي سلطة أو جهة تحديد هذه المدة بل لا بد أن تكون واردة بالقانون.
2 ـ خطر النقل الكيفي للقضاة:
أ ـ باستثناء الحالات التي يكون فيها نقل القضاة جزءا من نظام يقوم على التناوب المنتظم فإن نقل قاض دون قبوله قد يكون من قبيل العقاب من حيث دافعه أو أثره.
ب ـ عدم جواز ندب القضاة لعمل غير قضائي.
3 ـ مرتبات القضاة ومعاشهم التقاعدي:
بالنظر إلى التضخم السريع والمستمر وما يترتب عليه من انخفاض في قيمة النقود لا يكفي مجرد التقيد بالصيغة الدستورية القديمة التي تقضي بألا تخفض المرتبات القضائية أو تغير بما يضر بالقضاة بل من الضروري:
أ ـ توفير موارد مستقلة وصيغة منصفة لضمان زيادة مرتبات القضاة ومعاشاتهم التقاعدية زيادة فعالة لإلغاء أثر التضخم وبالتالي إراحة القضاة من المتاعب المالية.
ب ـ تخصص معاشات تقاعدية كافية للقضاة بما يتناسب مع مركز منصبهم وجلاله ومسؤولياته وبأن تربط مرتبات القضاة ومعاشاتهم التقاعدية ربطا منتظما بالزيادة في الأسعار وأن تكيف تكييفا كاملا مع هذه الزيادات.
ج ـ توفير بعض المكاسب مثل السكن للقضاة حيث يكون استئجار مسكن للعيش فيه أمرا بالغ الكلفة والصعوبة.
الحادي عشر: نظام سن التقاعد الإلزامية
سبق أن تناولنا أنه من الضروري أن يضمن القانون للقضاة بشكل مناسب تمضية المدة لتوليهم وظائفهم ويؤكد هذا المبدأ على أن يضمن ضمان بقائهم إلى بلوغ سن التقاعد الإلزامية أو انتهاء الفترة المقررة لتوليهم المنصب وهذا النظام من أبرز مميزاته:
أ ـ أن يعمل بصورة موحدة إلى تجنب حالات التمييز الفردي المثير للضغائن.
ب ـ يفسح المجال أمام القضاة الأصغر سنا الذين هم في أوج نضوجهم ونشاطهم ويقيم توازنا بين الاستقرار في تولي المنصب وكفاءة العمل القضائي.
الثاني عشر: نظام ترقية القضاة
يجب أن تكون ترقية القاضي مستندة إلى تقييم موضوعي يستند إلى استقامة القاضي واستقلاله وجدارته المهنية وخبرته وإنسانيته والتزامه بتدعيم حكم القانون ولا تجري أية ترقيات تكون دوافعها غير سليمة، وبالتالي:
أ ـ يحظر أي تدخل للسلطة التنفيذية في ترقية أعضاء السلطة القضائية لما فيه من خشية أن يتم ذلك بغرض التأثير في العمل القضائي إضرارا بالعدالة.
ب ـ يجب أن تسند ترقية القضاة إلى مجلس قضائي من رجال القضاء وان تكون الترقية خاضعة لمعايير موضوعية تضعها السلطة القضائية دون تدخل.
الثالث عشر: إسناد القضايا إلى القضاة
تكون السلطة القضائية وحدها المسئولة عن إسناد القضايا لكل قاض بمفرده أو لفروع المحكمة التي تتألف من عدة قضاة، وفقا لقانون أو لقواعد المجتمع.
الرابع عشر: البحث في الشكاوى والتهمة الموجهة ضد القاضي
إذا كان من مستلزمات المحكمة العادلة المنصفة هو استقلال القاضي وحيدته ونزاهته فالأولى أن يتمتع القاضي عند النظر في أي تهمة أو شكوى مقدمة ضده بمحاكمة تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة وتتسم بإجراءات خاصة تليق بمكانة وهيبة السلطة القضائية، ومن مقتضى ذلك:
أ ـ أن يتم النظر والفصل في هذه التهمة أو الشكوى على نحو سريع ومنصف.
ب ـ أن يكون للقاضي الحق في التعليق على الشكوى.
ج ـ أن تكون كافة الإجراءات الأولية سريَة وذلك حتى لا تؤدي العلانية إلى الإضرار بسمعة القاضي وهيبته أو التشهير به وخاصة إذا تبين أن هذه التهم أو الشكوى كيدية.
الخامس عشر: الإيقاف والعزل
إن الاستقرار في تولي المنصب القضائي طالما كان القاضي حسن النية يتجلى في كون الجهاز القضائي بمنأى عن تدخل الجهاز التنفيذي، لذلك يجب:
1 ـ ألا يجري عزلهم إلا بسبب عدم أهليتهم أو سوء السلوك.
2 ـ ألا يجري عزلهم أو إيقافهم إلا من قبل السلطة القضائية.
السادس عشر: الإجراءات التأديبية أو إجراءات الإيقاف
يجب أن تكون الإجراءات التأديبية التي تتخذ ضد القاضي ترمي إلى صيانة الاستقرار في تولي المنصب وحقوق القاضي المعني.
السابع عشر: حق الطعن أمام محكمة أعلى
من أبرز ضمانات المحاكمة العادلة حق الطعن في القرارات والأحكام أمام محكمة أعلى درجة، لذلك حرص المبدأ على حق القاضي في الطعن على كافة الإجراءات التأديبية أو إجراءات الإيقاف أو العزل أمام محكمة أعلى أو جهة مستقلة. على أن ذلك لا ينطبق على القرارات التي تصدرها المحكمة العليا أو السلطة التشريعية في الاتهامات الجنائية التي توجه إلى القاضي أولاً: كيفية تعيين رؤساء الهيئات القضائية حالياً في مصر:
في الفصل الثالث من الباب الخامس من الدستور المصري الجديد لسنة 2014 المعنون “السلطة القضائية”، وردت الأحكام الخاصة بالقضاء العادي والنيابة العامة ومجلس الدولة. وفي الفصل الرابع من الباب ذاته، وردت النصوص الخاصة بالمحكمة الدستورية العليا. وفي الفصل الخامس، وردت النصوص الخاصة بالهيئات القضائية، وهي هيئة قضايا الدولة وهيئة النيابة الإدارية.
ولكل جهة أو هيئة قضائية قانون مستقل، يحدد اختصاصها وشروط تعيين أعضائها وكيفية اختيار رئيسها ونوابه. فالقضاة وأعضاء النيابة العامة ينظم شؤونهم قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 وتعديلاته.
وأعضاء مجلس الدولة ينظم شؤونهم القانون رقم 47 لسنة 1972 وتعديلاته، وكذلك المحكمة الدستورية العليا التي ينظمها القانون رقم 48 لسنة 1979. أما الهيئات القضائية فتشمل النيابة الإدارية وينظم شؤونها القانون رقم 117 لسنة 1958 وتعديلاته، وهيئة قضايا الدولة ينظمها القانون رقم 75 لسنة1963 وتعديلاته. ونصت المادة 204 من الدستور على القضاء العسكري باعتباره جهة قضائية مستقلة، وينظم شؤونه قانون القضاء العسكري رقم 25 لسنة 1966 وتعديلاته.
وتنص المادة 184 من الدستور على أن السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها … والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم. وتنص المادة 185 على أن تقوم كل جهة أو هيئة قضائية على شؤونها … ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها، وعلى الأمر ذاته تنص المواد 190 بالنسبة لمجلس الدولة و 191 بالنسبة للمحكمة الدستورية العليا، والمادة 196 بالنسبة لهيئة قضايا الدولة، والمادة 197 بالنسبة لهيئة النيابة الإدارية، والمادة 204 بالنسبة لجهة القضاء العسكري.
وفي خصوص تعيين رؤساء الهيئات القضائية، لم ينص الدستور الجديد إلا على طريقة تعيين النائب العام ورئيس المحكمة الدستورية العليا. فالمادة 193 من الدستور الخاصة بالمحكمة الدستورية العليا تنص على أن “تختار الجمعية العامة رئيس المحكمة من بين أقدم ثلاثة نواب لرئيس المحكمة، كما تختار نواب الرئيس، وأعضاء هيئة المفوضين بها، ويصدر بتعيينيهم قرار من رئيس الجمهورية، وذلك كله على النحو المبين بالقانون”.
وقد حقق الدستور تقدماً ملحوظاً في طريقة تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي كان يعين بقرار من رئيس الجمهورية، دون أخذ رأي الجمعية العامة للمحكمة، ودون اشتراط أن يكون رئيس المحكمة من بين أعضائها.
وقد كان هذا الأمر محلاً للنقد، لاسيما في ظل ما جرى عليه العمل قبل ثورة 25 يناير 2011 من تعيين رئيس المحكمة من غير قضاتها، مما أتاح لرئيس الجمهورية الأسبق حسنى مبارك أن يعين رؤساء للمحكمة الدستورية العليا ممن قضوا أغلب سنوات عملهم في النيابة العامة أو حتى في المحاكم الاستثنائية.
ولم يتعرض مشروع القانون الخاص بتعيين رؤساء الهيئات القضائية لطريقة تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا، لأن تعديل طريقة تعيينه لا يكون إلا بتعديل الدستور ذاته.
أما النائب العام الذي يرأس هيئة النيابة العامة، وهي طبقاً للمادة 189 من الدستور جزء لا يتجزأ من القضاء، فيختاره مجلس القضاء الأعلى من بين نواب رئس محكمة النقض أو الرؤساء بمحاكم الاستئناف، أو النواب العامين المساعدين، ويصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، ولمرة واحدة طوال مدة عمله. وحيث أن الدستور هو الذي حدد طريقة تعيين النائب العام، فلا سبيل إلى تعديلها إلا عن طريق تعديل دستوري.
وفيما يتعلق بتعيين رئيس محكمة النقض، الذي يرأس مجلس القضاء الأعلى، تنص المادة 44 من قانون السلطة القضائية على أن “يعين رئيس محكمة النقض من بين نواب الرئيس، وبعد “موافقة” مجلس القضاء الأعلى”. وعلى الرغم من السلطة غير المقيدة لرئيس الجمهورية في الاختيار، إلا أن العرف القضائي المستقر قد جرى على أن يقع الاختيار على أقدم النواب.
أما بخصوص تعيين رئيس مجلس الدولة، فتنص المادة 83 من قانون المجلس على أن يعين بقرار من رئيس الجمهورية من بين نواب رئيس المجلس بعد أخذ رأي جمعية عمومية خاصة تشكل من رئيس مجلس الدولة ونوابه ووكلائه والمستشارين الذين شغلوا وظيفة مستشار لمدة سنتين.
ويعين رئيس هيئة قضايا الدولة ورئيس هيئة النيابة الإدارية بقرار رئيس الجمهورية، بناء على ترشيح من المجلس الأعلى لكل هيئة. وجرى العرف في هاتين الهيئتين على أن يرشح المجلس الأعلى لكل منهما أقدم الأعضاء. ولم يتم مخالفة هذا العرف إلا في سنة 2015 عندما رشح المجلس الأعلى للنيابة الإدارية نائب رئيس الهيئة التالي لأقدم نواب رئيس الهيئة لأسباب غير معروفة للباحثين عن الحقيقة، وقام رئيس الجمهورية بتعيينه احتراماً لقرار المجلس الأعلى لهيئة النيابة الإدارية، وفي واقعة غير مسبوقة منذ إتباع قاعدة الأقدمية في الاختيار اعتبارا من سنة 1958.
ثانياً: مشروع القانون المقترح:
من دون مبرر ظاهر، أو طلب من أي جهة أو هيئة قضائية، أو استطلاع سابق لآراء ممثلي الجهات والهيئات القضائية في ملائمة تغيير الطريقة المعمول بها في تعيين رؤساء الهيئات والجهات القضائية، فوجئ الجميع بمشروع القانون الذى تقدم به وكيل لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب، مؤيداً من ستين عضواً من أعضاء البرلمان، لتعديل المادة 44 من قانون السلطة القضائية الخاصة بتعيين رئيس محكمة النقض، الذي هو فى نفس الوقت رئيس مجلس القضاء الأعلى، والمواد المماثلة في قوانين الجهات والهيئات القضائية.
وفي يوم الأحد 25/12/2016، وفي تمام الساعة السادسة مساءً، بدأت لجنة الشؤون التشريعية والدستورية في مناقشة مشروع القانون بشأن كيفية تعيين رؤساء الهيئات والجهات القضائية، وذلك بحضور وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب المستشار مجدي العجاتي، الذي كان قبل توليه المنصب الوزاري نائباً لرئيس مجلس الدولة.
وينص مشروع القانون على ما يلي:
1- يتم تعيين رئيس هيئة النيابة الإدارية بقرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة من نوابه يرشحهم المجلس الأعلى للهيئة.
2- يتم تعيين رئيس هيئة قضايا الدولة بقرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة من نوابه يرشحهم المجلس الأعلى للهيئة.
3- يعين رئيس محكمة النقض بقرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة من نوابه يرشحهم مجلس القضاء الأعلى .
4- يعين رئيس مجلس الدولة بقرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة من نوابه ترشحهم الجمعية العمومية الخاصة بمجلس الدولة.
ثالثاً: ما هي مبررات التغيير لما هو كائن؟
المبررات غير الحقيقية نتلمسها أولاً في كلام مقدم مشروع القانون وكيل اللجنة التشريعية مما صرح به أثناء اجتماع اللجنة وما تحدث به في الفضائيات بعد انتهاء اجتماع اللجنة. ففي أثناء الاجتماع، قال النائب أن المشروع الذي تقدم به لا يمس استقلال القضاء ويتوافق مع نصوص الدستور. فالدستور نص على أن يحدد القانون طريقة تعيين القضاة وإعارتهم … الخ. وقرر أن شيوخ القضاة في سن السبعين لا يقدرون بسبب المرض على أداء عملهم، فالأمراض تعترينا في مصر بعد الأربعين عاماً. وهذه الحجة لا تصلح مبرراً لتغيير طريقة تعيين رؤساء الهيئات، لكنها تصلح فقط لتخفيض سن الإحالة إلى التقاعد بالنسبة للقضاة. وقرر أنه آن الأوان لصدور قانون يضبط الأمور ولا يترك الأمر لرئاسة الجمهورية، فيصدر قرار على غير هوى ورأي السلطة القضائية، حيث يقيد المشروع المقترح رئيس الجمهورية في الاختيار من بين هؤلاء الثلاثة.
جدير بالذكر أن الوضع الحالي أكثر تقييداً لرئيس الجمهورية، لأنه يتقيد بما استقرت عليه المجالس الممثلة للهيئات القضائية، ولا يستطيع رئيس الجمهورية مخالفتها، وتعيين من يختاره من نواب رئيس الهيئة غير من رشحه مجلسها الأعلى، وإلا كان قراره باطلا لمخالفته للقانون، على عكس ما يزعمه مقدم مشروع القانون الجديد.
هذه هي المبررات غير الحقيقية لمشروع القانون المقدم لمجلس النواب لتعديل طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، فما هي المبررات الحقيقية؟ المبرر الوحيد لمشروع القانون هو تمكين السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية من تجنب القضاة الذين لا ترغب هذه السلطة في وجودهم على رأس الهيئات القضائية.
وقد كانت السلطة التنفيذية تتجنب القضاة غير المرغوب في وصولهم إلى قمة الهرم القضائي فيما مضى من الزمن، الذي لا نتمنى عودته، عن طريق رفع سن تقاعد القضاة من الستين حتى وصل إلى سن السبعين. وكانت السلطة التنفيذية تبرر رفع سن التقاعد بحاجة القضاء للقضاة من ذوي الخبرة وأن عدم الاستفادة من هذه الخبرات سوف يعود بالضرر على القضاء ذاته.
وها نحن اليوم ندرك أن سن السبعين تجعل القاضي “ليست لديه القدرة الصحية على أداء الرسالة المنوطة برؤساء الجهات والهيئات القضائية”، على حد تعبير وكيل اللجنة التشريعية مقدم المشروع. لكن الهدف الحقيقي من رفع سن تقاعد القضاة في الماضي كان الاحتفاظ ببعض شيوخ القضاة على قمة الهيئات القضائية، تفادياً لوصول قضاة آخرين إليها لا ترضى عنهم السلطة التنفيذية. لذلك طالب نادي القضاة مراراً بإبعاد القضاة بعد سن الستين عن الوظائف الإدارية وقصر الاستفادة بخبرة شيوخ القضاة على العمل القضائي البحت، بحيث يتفرغون بعد سنّ الستين لرئاسة جلسات المحاكم وكتابة الأحكام حتى ينقلوا خبراتهم إلى القضاة الأصغر سناً، مثلما عليه الحال بالنسبة لأساتذة الجامعات.
أما حين لم يعد ممكناً تجنب القضاة غير المرغوب في وصولهم إلى قمة الهرم القضائي عن طريق مد السن لما بعد السبعين، وهي سن متقدمة أصلاً في رأي غالبية القضاة، فقد ابتدع نواب الحكومة في البرلمان بتحريض منها على الأرجح حيلة أخرى لتجنب القضاة غير المرغوب في تقلدهم للمناصب القضائية العليا، وهي ما تضمنه المشروع المقدم من هؤلاء النواب من ترشيح الهيئات القضائية لثلاثة نواب لرئيس الهيئة يختار رئيس الجمهورية من بينهم رئيساً للهيئة القضائية، بدلاً من قاعدة الأقدمية المطلقة التي قد تفرز قضاة لا يلقون ترحيباً من السلطة التنفيذية.
لا نشك في أن المجالس القضائية سوف تتقيد في ترشيحها بقاعدة الأقدمية، فترشح ثلاثة هم أقدم نواب رئيس الهيئة ليختار الرئيس واحدا منهم. والغالب أنه سوف يختار الأقدم على الإطلاق من بينهم، وهو حتماً سيكون الأكبر سناً. لكن يظل هناك احتمال ألا يتقيد رئيس الجمهورية باختيار الأقدم إذا كان غير مرضى عنه أمنيا. وهنا يخشى أن يكون ذلك سبباً في غضب أعضاء الهيئة القضائية التي لم يحترم اختيارها، والتي تعتبر الأقدمية المطلقة معياراً موضوعياً مجرداً لا يترك مجالاً لتحكم أي سلطة أخرى في استقلال الهيئات القضائية.
رابعاً: ما هو موقف الهيئات القضائية من المشروع؟
هبت الهيئات القضائية عن بكرة أبيها لتعلن موقفاً متوقعاً من مشروع القانون الذي تعتبره عدواناً جديداً على استقلال القضاء وتدخلاً سافراً في شؤونه ومخالفة صريحة للدستور …إلى آخر تلك الأوصاف.
فقد أكد نادي قضاة مصر على لسان رئيسه في بيان أصدرته اللجنة الإعلامية بالنادي أن مشروع القانون يمس ثوابت قضائية مستقراً عليها، وأن طريقة تعيين رؤساء الهيئات القضائية هي من صميم استقلال القضاء، وأشار بيان اللجنة الصادر يوم السبت 24 ديسمبر 2016 إلى أنه لم يتأكد للنادي صحة ما نشر وجاري التواصل مع الجهات المعنية بذلك. وصرحت مصادر بمجلس الدولة أن مشروع القانون سيكون محل مناقشة من قبل المجلس الخاص أعلى سلطة إدارية بمجلس الدولة خلال اجتماعه الأسبوعي الذي سينعقد يوم الاثنين 26 ديسمبر 2016، وأن المجلس سيتبنى موقفاً معارضاً لإقرار ذلك المشروع باعتباره تعدياً صارخاً على استقلال السلطة القضائية. وذكرت المصادر ذاتها أن الأمانة الفنية للمجلس الخاص انتهت من إعداد تقرير بالرأي القانوني في المشروع
في ضوء ما تضمنه باب السلطة القضائية بالدستور من نصوص، ونصوص قانوني السلطة القضائية ومجلس الدولة وسيعرض على المجلس الخاص. ولا تزال ردود الأفعال الغاضبة من القضاة وهيئاتهم تتوالى منذ انتشار خبر مناقشة اللجنة التشريعية بمجلس النواب لمشروع القانون من دون الرجوع إلى ممثلي القضاة،
فقد كان انتشار الخبر كانتشار النار في الهشيم. وأمام هذه الغضبة القضائية التي لا تزال في مهدها، اضطرت اللجنة التشريعية إلى إرسال مشروع القانون إلى الهيئات القضائية لاستطلاع رأيها حسبما يتطلبه الدستور. والغالب أن البرلمان كان ينوي إقرار مشروع القانون بليل قبل أن يصل علمه إلى الهيئات القضائية المعنية وقبل أن تتمكن من إبداء مرئياتها بخصوص المشروع. نعتقد أن الساحة المصرية تموج بالأزمات من كل لون، ولم تكن بحاجة إلى أزمة جديدة يفتعلها بعض النواب لجس نبض الهيئات القضائية قبل تعديل القوانين الخاصة بها والمعدة بمعرفتها. ومن الأصوب أن تعلن اللجنة التشريعية على الملأ التوقف تماماً عن مناقشة مشروع القانون ريثما يتم النظر في مشروعات قوانين متكاملة للهيئات والجهات القضائية،
تحقق لها مزيداً من الاستقلال، وتمكنها من مواجهة التحديات التي تواجه القضاء المصري وهى عديدة، أهمها تحدي الكفاءة والفعالية والتحديث بالإضافة إلى تحدي الاستقلال كسلطة من سلطات الدولة الثلاث. وبغير ذلك فإن الأيام القادمة قد تشهد صداماً بين سلطتين من سلطات الدولة مصر ليست في حاجة إليه، بل هي في حاجة ماسة إلى توفير موجبات العدالة الناجزة.

التعليقات