ونكمل الجزء الرابع مع الصحابى الجليل حذيفة بن اليمان، وقد وقفنا عندما هجم حذيفة بن اليمان على الفرس صائحا “الله أكبر، صدق وعده، الله أكبر، نصر جنده” ثم نادى المسلمين قائلا “يا أتباع محمد، ها هي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم، فلا تطيلوا عليها الانتظار” وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس، وكان فتح همدان والريّ والدينور على يده، وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين، وتزوّج فيها، وكان من فضل حذيفة بن اليمان أن قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “ما من نبي قبلي إلا قد أعطي سبعة نجباء رفقاء، وأعطيت أنا أربعة عشر، سبعة من قريش، عليّ والحسن والحسين وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر، وسبعة من المهاجرين، عبد الله بن مسعود وسلمان وأبو ذر وحذيفة وعمار والمقداد وبلال” رضوان الله عليهم، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لأصحابه، “تمنّوا” فتمنوا ملء البيت الذي كانوا فيه مالا وجواهر.
ليُنفقونها في سبيل الله، فقال عمر “لكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله تعالى” وكان لحذيفة بن اليمان رضى الله عنه أقوال بليغة كثيرة، فقد كان واسع الذكاء والخبرة، ومن ذلك قوله للمسلمين “ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا، ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه” وعن حذيفة بن اليمان قال، قالوا يا رسول الله، لو استخلفت، قال “إن استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرءوه” وعن زيد بن وهب في قوله تعالى فى سورة التوبة ( فقاتلوا أئمة الكفر) قال، كنا عند حذيفة رضى الله عنه، فقال “ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة” فقال أعرابي، إنكم أصحاب محمد تخبروننا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟
قال “أولئك الفساق، أَجل، لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير، لو شرب الماء البارد لما وجد برده” وعن مسلم بن نذير، عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال، قلت يا رسول الله، إني رجل ذرب اللسان، وإن عامة ذلك على أهلي، قال “فأين أنت من الاستغفار، إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة” وعن حذيفة بن اليمان قال، أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرضه الذي توفاه الله فيه، فقلت يا رسول الله، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي؟ فردَّ عليَّ بما شاء الله، ثم قال “يا حذيفة، ادن مني” فدنوت من تلقاء وجهه، فقال “يا حذيفة، إنه من ختم الله به بصوم يوم، أراد به الله تعالى أدخله الله الجنة، ومن أطعم جائعا أراد به الله، أدخله الله الجنة، ومن كسا عاريا أراد به الله، أدخله الله الجنة” فهذا آخر شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم.
“يكون دعاة على أبواب جهنم” فساقه إلى آخره، وهو قطعة من حديث البخاري، وعن حذيفة بن اليمان، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدا منهم” رواه النسائي، وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت فإن تمت وأنت عاض وقال في آخره قال قلت فما يكون بعد ذلك قال لو أن رجلا نتج فرسا لم تنتج حتى تقوم الساعة” وقيل أنه أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا، فكتب عمر لسعد بن أبي وقاص كي يغادرها فورا بعد أن يجد مكانا ملائما للمسلمين، فوكل أمر اختيار المكان لحذيفة بن اليمان ومعه سلمان بن زياد، فلما بلغا أرض الكوفة وكانت حصباء جرداء مرملة، قال حذيفة لصاحبه، هنا المنزل ان شاء الله، وهكذا خططت الكوفة وتحولت إلى مدينة عامرة.
وشفي سقيم المسلمين وقوي ضعيفهم، وقد خرج أهل المدائن لاستقبال الوالي الذي اختاره عمربن الخطاب رضى الله عنه، لهم، فأبصروا أمامهم رجلا يركب حماره على ظهره اكاف قديم، وأمسك بيديه رغيفا وملحا, وهو يأكل ويمضغ، وكاد يطير صوابهم عندما علموا أنه الوالي حذيفة بن اليمان، المنتظر، ففي بلاد فارس لم يعهدوا الولاة كذلك، وحين رآهم حذيفة يحدقون به قال لهم، اياكم ومواقف الفتن، قالوا، وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله ؟ قال أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير أو الوالي، فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه، فكانت هذه البداية أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، ومنهجه في الولاية، ولمّا نزل بحذيفة الموت جزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا، فقيل له ما يبكيك ؟ فقال ما أبكي أسفا على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكني لا أدري على ما أقدم على رضى أم على سخط، ودخل عليه بعض أصحابه، فسألهم أجئتم معكم بأكفان ؟ قالوا نعم، قال أرونيها، فوجدها جديدة فارهة، فابتسم وقال لهم.
ما هذا لي بكفن، انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فاني لن أترك في القبر الا قليلا، حتى أبدل خيرا منهما، أو شرا منهما، ثم تمتم بكلمات قائلا مرحبا بالموت، حبيب جاء على شوق، لا أفلح من ندم، وأسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين بالمدائن، وذلك بعد مقتل الخليفه عثمان بن عفان بأربعين ليلة رضى الله تعالى عنهم أجمعين، وهكذا كانت الصحابة الكرام، فهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا وقد اختارهم الله لصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه ” وكما قاله ابن مسعود رضي الله عنه “فحبهم سنة والدعاء لهم قربة والإقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة ” وهم صفوة خلق الله تعالى بعد النبيين والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله عز وجل فى سورة النمل.
( فل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) وقال هم أصحاب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه ” إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه ” والصحابي هنا هو من لقي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مؤمنا به، ومات على ذلك، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ” وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قال “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ” .