أدخنة بين الحوانيت وضباب مكثف وخيالات من بعيد عن زاوية مدخل باب الحارة ، وقفت عزيزة خلف سياج يحدد النافذة المتهالكة تترقب المارة ، تبرم الظن بلا يقين واضح ، تفرك أصابعها اضطراباً واستهانه ، فى عيونها لغة من الإستسلام والقناعة التامة بظروفها العائلية ، تكرر بإهتمام : لماذا تأخرت يا عبد العال ؟!
تجذب طفلتها الصغيره التى تجاورها الرؤية لمسار الشارع القديم طرف جلبابها المصقوب باصبع رقيق صغير يهمس : انا جوعانه يا امى .
تبرم عزيزه النظرات والمتابعة بشيء من التحفظ والإضطراب تقول بلا تركيز : حتما سيأتى اباكى فى الحال ، و تتذكر ..
هيئة عبد العال ، الرجل الطيب المسالم ، كلما تذكرت عبد العال ، تراه فى صورة الرائعة التى دائما تؤنس روحها المرهقة من زمن الشقاء ، بتلك الأفعال الصغيرة من حمل اكواب الشاى ، غسل بعض الصحون والشعور الدائم بمعاناة زوجته المسكينة ، تلك الأشياء فى نظر عزيزة ، عطاء كبير .
ترى مستهل فى مقدمة الحارة ، يسير ببطء وخمول ببطن منتفخ ، وتدرك الذكرى المؤلمة التى دائما تموت وهى تلح عليها بالإشميزاز ، تتذكر تلك الليلة ، عندما قال لها المعلم عتريس : بيتك هو بيتى .
ترفع راسها باعتزاز و دمعة صغيرة غالية متحجرة فى المقل تجهر ، لا تنازل و لا استسلام .
انا جائعة يا امى .
انا جائعة يا امى.
تتنبة الأم إلى صغيرتها تشعر بشيء يقتلع احشائها تفرك الأم أصابعها بشيء من التوتر والأرق ، تزفر اصوات ساخنة ملتهبة من الأنين والوهن تكرر فى عناد يصاحبة اليقين : ترى ما الذى اخرك إلى هذا الوقت يا عبد العال ؟!

التعليقات