إن الخلافه الراشده هي أولى دول الخلافة الإسلامية التي قامت عقب وفاة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين الثانى عشر من شهر ربيع الأوَّل فى السنة الحاديه عشر من الهجره، وهي دولة الخلافة الوحيدة التي لم يكن الحكم فيها وراثيا بل قائم على الشورى، وكان ذلك عكس دول الخلافة التالية التي كان الحُكم فيها قائما على التوريث، وقد توالى على حكم الدولة أربع خلفاء من كبار الصحابة، وجميعهم من العشرة المُبشرين بالجنة وهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وقيل أنه يضاف إليهم الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب الذي يعد البعض عهده القصير في الحكم متمما لعهد الأربعة الذين سبقوه، وقد اشتهر الخُلفاء الراشدون بالزهد والتواضع.
وقد عاشوا حياتهم دون أي أبهة وبشكل مماثل لباقي الناس، ويتفق علماء أهل السنة والجماعة أنهم أفضل حكام المسلمين وأعدلهم، وأنهم كلهم سواسية ولا فضل لأحد على آخر، ومعنا فى هذا المقال خليفه من الخلفاء الراشده وهو يعد كما قال البعض أنه خامس الخلفاء الراشدين ألا وهو الخليفه الراشد عمر بن عبد العزيز، وهو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الأموي، القرشي المدني ثم المصري، وكان والده هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم.
وقد كان من خيار أمراء بني أمية، وقد بقي أميراً على مصر أكثر من عشرين سنة، ولما أراد الزواج قال لقيّمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي، فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وقيل أن اسمها ليلى، وأما عن أمه فهى أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضى الله عنهم أجمعين ووالدها هو أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، وقد ولد في أيام النبوة وحدّث عن أبيه، وكان طويلا جسيما وكان من نبلاء الرجال، وديِّنا خيِّرا صالحا، وكان بليغا فصيحا شاعرا، وقد كانت أمه هي جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّة، وأما جدته لأمه فقد كان لها موقف مع عمر بن الخطاب،
فعن عبد الله بن الزبير بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم قال: بينما أنا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يَعُس ومعنى العُس هو تقصّي الليل عن أهل الريبة، بالمدينة إذ أعيا، فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه، قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فقالت لها: يا أمتاه، أوما علمت ما كان من أمير المؤمنين اليوم؟، قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديا فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنتاه، قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء، وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم، عَلِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسه.
فلما أصبحا قال: يا أسلم، امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع فنظرت، فإذا الجارية أيِّم لا بعل لها، وإذا تيك أمها وإذا ليس بها رجل، فأتيت عمر فأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ فقال عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتاً، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز، وأما عن إخوت عمر بن عبد العزيز، فقد قيل أنه كان لعبد العزيز بن مروان، والد عمر بن عبد العزيز عشرة من الولد، وهم: عمر وأبو بكر ومحمد وعاصم، وهؤلاء أمهم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وله من غيرها ستة وهم: الأصبغ وسهل وسهيل وأم الحكم وزيّان وأم البنين.
وعاصم هو من تُكنى به والدته ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فكنيتها أم عاصم،
وقد ولد عمر بن عبد العزيز في المدينة المنورة سنة واحد وستين من الهجره، وتذكر بعض المصادر أنه ولد بمصر، وهذا القول ضعيف لأن أباه عبد العزيز بن مروان إنما تولى مصر سنة خمسه وستين من الهجره، بعد استيلاء مروان بن الحكم عليها من يد عامل عبد الله بن الزبير، فولّى عليها ابنه عبد العزيز، ولم يُعرف لعبد العزيز بن مروان إقامة بمصر قبل ذلك، وإنما كانت إقامته وبني مروان في المدينة، وذكر الذهبي أنه ولد بالمدينة فى زمن يزيد، وقد نشأ عمر بن عبد العزيز في المدينة المنورة، فلما شب وعقل وهو غلام صغير كان يأتي عبد الله بن عمر بن الخطاب لمكان أمه منه.
ثم يرجع إلى أمه فيقول: يا أمه، أنا أحب أن أكون مثل خالي، ويريد عبد الله بن عمر، فتؤفف به ثم تقول له: اغرب، أنت تكون مثل خالك، وتكرر عليه ذلك غير مرة، فلما كبر سار أبوه عبد العزيز بن مروان إلى مصر أميراً عليها، ثم كتب إلى زوجته أم عاصم أن تقدم عليه وتقدم بولدها، فأتت عمها عبد الله بن عمر فأعلمته بكتاب زوجها عبد العزيز إليها، فقال لها: يا ابنة أخي، هو زوجك فالحقي به، فلما أرادت الخروج قال لها: خلفي هذا الغلام عندنا وهو يريد عمر بن عبد العزيز، فإنه أشبهكم بنا أهل البيت، فخلفته عنده ولم تخالفه، فلما قدمت على عبد العزيز اعترض ولده فإذا هو لا يرى عمر، فقال لها: وأين عمر؟ فأخبرته خبر عبد الله وما سألها من تخليفه عنده لشبهه بهم، فسرّ بذلك عبد العزيز.
وكتب إلى أخيه عبد الملك يخبره بذلك، فكتب عبد الملك أن يجري عليه ألف دينار في كل شهر، ثم قدم عمر على أبيه مسلِّماً، وهكذا تربى عمر بين أخواله بالمدينة المنورة من أسرة عمر بن الخطاب، ولا شك أنه تأثر بهم وبمجتمع الصحابة في المدينة، وكان عمر بن عبد العزيز منذ صغره شديد الإقبال على طلب العلم، وكان يحب المطالعة والمذاكرة بين العلماء، كما كان يحرص على ملازمة مجالس العلم في المدينة، وكانت يومئذ منارة العلم والصلاح، زاخرة بالعلماء والفقهاء والصالحين، وتاقت نفسه للعلم وهو صغير، وكان أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم ورغبته في الأدب، وقد جمع عمر بن عبد العزيز القرآن وهو صغير، وساعده على ذلك صفاء نفسه.
وأيضا قدرته الكبيرة على الحفظ وتفرغه الكامل لطلب العلم والحفظ، وقد تأثر كثيراً بالقرآن الكريم، وكان يبكي لذكر الموت مع حداثة سنه، فبلغ ذلك أمه فأرسلت إليه وقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، فبكت أمه حين بلغها ذلك، وقد عاش عمر بن عبد العزيز في زمن ساد فيه مجتمعُ التقوى والإقبال على طلب العلم، فقد كان عدد من الصحابة لا يزالون بالمدينة، فقد حدث عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وسهل بن سعد، واستوهب منه قدحاً شرب منه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، كما أمّ بأنس بن مالك فقال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، وقد تربى عمر بن عبد العزيز على أيدي كبار فقهاء المدينة وعلمائها.
فقد اختار عبد العزيز وهو والد عمر، صالح بن كيسان ليكون مربياً لعمر، فتولى صالح تأديبه، وكان يُلزم عمر الصلوات المفروضة في المسجد، فحدث يوماً أن تأخر عمر عن الصلاة مع الجماعة، فقال له صالح بن كيسان: ما يشغلك؟ قال: كانت مرجّلتي أى مسرحة شعري، تسكن شعري، فقال: بلغ منك حبك تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة؟ فكتب إلى عبد العزيز يذكر ذلك، فبعث أبوه رسولاً فلم يكلمه حتى حلق رأسه، ولمّا حج أبوه ومرّ بالمدينة سأل صالح بن كيسان عن ابنه فقال: ما خبرت أحداً الله أعظم في صدره من هذا الغلام، وكان يحرص على التشبه بصلاة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أشد الحرص، فكان يُتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود.
وكان من شيوخ عمر بن عبد العزيز الذين تأثر بهم، هم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فقد كان عمر يجله كثيراً، ونهل من علمه وتأدب بأدبه وتردد عليه حتى وهو أمير المدينة، ولقد عبّر عمر عن إعجابه بشيخه وكثرة التردد إلى مجلسه فقال: لَمجلس من الأعمى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحب إليّ من ألف دينار، وكان يقول في أيام خلافته لمعرفته بما عند شيخه من علم غزير: لو كان عبيد الله حياً ما صدرت إلا عن رأيه، ولوددت أن لي بيوم واحد من عبيد الله كذا وكذا، وكان عبيد الله مفتي المدينة في زمانه، وأحد الفقهاء السبعة، وقد قال عنه الزهري: كان عبيد الله بن عبد الله بحراً من بحور العلم، وكان من شيوخه أيضاً سعيد بن المسيب.