سماء زرقاء في عمق التيار والأنواء
وفي رحم العاصفة الهوجاء
سحب ممزقة
وقوس قزح
*هايكو*
-1-
هو الآن إنسان بلا صدى، يفكر فتبقى أفكاره جامدة، يتصور ويحلم، تصوراته، أحلامه هياكل بلا روح، لو اطلعت عليه لوجدته مهموما في أحوال الناس الذين يعيشون في داخله، وكان إذا ما تحدث وجد على الأقل، من يوهمه ولو مجرد الإيهام بأن هناك من يصغي إليه، فيرسل من فؤاده كل ما يضترم فيه من أشواق، شيء واحد يملكه الآن هو حق التصرف في حياته، فإن شاء وضعها تحت عربة، وإن شاء قذف بها في بئر، وإن شاء جعلها نعيما لا ينتهي…! إذ لم يعد يربط حياته أوخطواته بأي كان،لا يكلم أحدا،أخرس كالقبر،لقد عرف بأنه كان يكذب على نفسه، كأي إنسان آخر هو يتساءل:ـ ترى لم يتحول الإنسان إلى أكذوبة سخيفة لا تستحقُّ الحياة…؟!
-2-
ثم ها قد صار يدرك بأن وقته كله ربح، لذلك تجده مهووساً بلعبة التأمل والتألم، وفك الرموز والألغاز، فلطالما أحس بأنه لم يعش، أوعلى الأقل حذف من عمره أجمل ما فيه، وكم مرة أحس بانحسار إنساني، فقد أسمى معانيه الطيبة، من أجل كل ذلك ، كان يدور حوله في فضاء لا متناه، ومظلم أحيانا، بلا حب ولا حنان، ولا قناعة، أجل! كان يدرك بأن الناس قبور متنقلة وخائفة، مثلما تماثيل منتصبة، دونما نبض أو روح، وجوه مقنعة، ألوانُها الترابية الفاقعة تصدم، وهو مثلما إطلالة شمس، أو كوة من نور قزحية، في صدره كل الحب، ويدرك بأنه قبر مضيء وسط الظلام، ظلام المقبرة، وبين القبور المتنقلة الخائفة، اطلعَ عليها، خبرها فولَّى منها فراراً ورُعباً ، واختار وحدةَ راهب للأبــــــــــــــــــــــــــد…!
-3-
تنتصب الوجوه والعيون مهرولة لمفترق الطريق،هو الإحتضار الذي يسـكن الجـوارح ويؤشر لـيوم الإبحـار،وهـا هـو يغادر الليل والطـرقات،ويـطير مثلما تـطير بعض الأحياء،كل الأحياء؛لكنه لم يقل للزهور التي احتشدت على الطريق وداعا،ولـم يقـل للأصدقاء انتظروني،أجل لم يقل أي شيء…! فهل تراه يعود؟
-4-
هو لا يعرف ماذا يقولون عنه الآن؟فهل كان يقصدُ هجرهُم هجراً جميلا؟ولما كنتُ أدعوهُ لمطارحته همي وحزني في هذا الوجود؟وليغني معي؟كان يتردد في أن يشقشقَ..،لكن مرة فاجأوه على غصن قلبي…وحين أمسكوه،صحت دعوني أطير…!
-5-
يجلسُ سارحاً في شيء،عندئذ نهض عبرَ حطامه،نهضَ يحملُ حقيبة بنية بالية،وعيناه ضباب رقيق من الدموع ،يتكاثفُ فوقَ خديه،وتجاعيد الوجه عناقيد من الأسى،بدت أرجوانية في شمس الغروب،أصبح نضجها ملائما للدود،كأنما- وقد كان من قبل- يزرع حلمه في أرض خصبة،كي ينمو غرسه في اطمئنان،يرويه نهر الحب الوافد من أعين القرويين البسـطـاء،والأطـفـال،ويحصدونه فُلا وريحان،لا تغزوها الأحقاد،كأ نماــ وقد فتح أشرعة مراكبه ــ يحاول أن يدير الدفة في وجــه التيار،لكن الموج يعلو،ويعلو،ويتناثر،ويعلم بأن عبور النهريحتاج للرجال،لكن،هل كان العجوز حقاًّ يريدُ أن يلقي بنفسه في رحم التيار…؟!
-6-
يمضي الحالمُ تحت قوس خفيض،يحمل في جعبته سيفاً و حلماً، يخطُو فوقَ مياه النهر،يترقـبُ خـطوَ الأيام،وينادي،يشقُّ بسيفه كلَّ الدُّرُوب؛يريدُ أن يقطفَ هامات القهر،واجتثاث جذور اليأس، التي أصابت أبناءه وأحفاده،وكي ينعم بعبير الزهر،يترقبُ خطو الأيام و ينادي،وتُقبلُ الأيام، تحَملُ ظُلماً،وتسحب أذيال القهر ويثور الحالمُ،يسحبُ سيفه،لكنه لم يجد النصر،وكانت المأساة!لما ضاع وسط الليل،ثم لاذ بالحلم مرة ومرات أخرى…،يجثو، واأسفاه!قـد ضاع الحلم،قد ولى الليل وتبـدد، ويعـود بائساً،مأسوراً بغير قيود إلـى غـربته،وبغير دموع تبكيه،هو الذي ضحى من أجل الآخرين،يعودُ وهماً في ليل دامس،وسكون الغربة يخمد فيه سيرته،ويبكي دموعا من جمر،يحترق،يهصر القلب،دمـوعهُ حـرمانٌ،وبـحارٌ تاهـت مـنها الشطآن،فمن أين لي يا حالم هذا الزمان أن أضمد جراحك وجراحي…!؟ قد سُرقت منا أجمل الأمنيات،سُرقت من عيوننا أجمل الصور،وصرنا وحيدان في الغابة،وحيدان في الليل،مثل قبر أنكر أصحابه،أوكمن يفتح بابه ويطل برأسه،ثم يقفلُ البابَ بسرعة،وكأن الموت يترصده، أوانصرف من أمام بابه،وحتما سيفتحهُ ثانية، لكن لربما هذه المرة سينشر الفجرُ نوره وهواءه المنعش، والسماء ستمطر رحمة وبلسما.