ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين على الجذور الفكرية للوهابية، وبينا كيف أخرج لنا التراث الإسلامي منذ البداية مدرستين كلاهما إنتاج بشري، وهما المدرسة الظاهرية، والمدرسة العقلية، وأوضحنا كيف اتبع الأمويون والعباسيون التوظيف المنهجي لمرتزقة تلفيق وسبك الأحاديث لأسباب سياسية، ليرث الحنابلة هذه الأحاديث وتلك الأحكام ويشهرونها ضد خصومهم المذهبيين والفكريين. وكيف كانت نظيرية ابن تيمية في “التوحيد” البوابة الكبرى لتكفير عامة المسلمين، وغرس روح التطرف والكراهية والعدوانية ضد أصحاب الديانات، وشرعنة الاستبداد السياسي، حيث كان جل علماء عصره على تجهيله وتناقضه وعدوانيته. وقد حمل تلامذته الحنابلة راية تغييب العقل وإصدار الفتاوى التكفيرية وكان أشهرهم ابن القيم الجوزية. ثم تطرقنا لنشأة الوهابية في مقالتين متصلتين، وبينا فيهما كيف ورث محمد بن عبد الوهاب هذا التراث التكفيري الهائل بعد خمسة قرون من وفاة بن تيمية، وقام بترجمة أفكار وفتاوى التيار الحنبلي ونظرية التوحيد لابن تيمية إلى حركة اجتماعية سياسية، مستغلًا الأوضاع الاجتماعية والثقافية المزرية لمنطقة شبه الجزيرة العربية إبان هيمنة الإمبراطورية العثمانية البغيضة، وخاصة منطقة نجد شرقي شبه الجزيرة العربية، وقد لاقت حركتة الرجعية والظلامية والتكفيرية قبولًا وسط تلك الأوضاع شديدة البؤس والتخلف والشقاء، وألقينا الضوء على الظروف الموضوعية والذاتية التي أدت إلى ولادة تلك الظاهرة. ثم تطرقنا إلى نشأة وملامح وسقوط الدولة الوهابية السعودية الأولى في ثلاث مقالات متصلة، ومقالة منفصلة عن الدولة السعودية الثانية، ومقالتنا هذه عن “التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة 2-2”.

كما أوضحنا سابقًا، تباين المساران على جانبي البحر الأحمر، فبينما نشأت وترعرعت أكبر وأخطر حركة ظلامية وتكفيريةوإرهابية في الشرق الأدنى طيلة النصف الثاني من القرن الثامن عشرن، حتى بدايات القرن التاسع عشر، بما عرف باسم الدولة الوهابية السعودية الأولى. كان الجانب الآخر يشهد نشأة الدولة المصرية الحديثة المستقلة، رغم التحديات الهائلة، وخاصة من دول مركز الرأسمالية الغربية آنذاك في مرحلتها الإمبريالية الأستعمارية، فكان بذلك التأسيس الأول للدولة المصرية الحديثة على أيدي محمد علي، نتيجة للتطورات النوعية الهائلة في كافة المجالات كما أوضحنا، فكانت لحظة الوعي الأولى بالذات المصرية على أيدي المبتعثين للخارج وفي مقدمتهم رفاعة التهطاوي (1801-1873م)، الذي كان رائد التنوير المصري والعربي بلا منازع، ليفتح الباب واسعًا لتوالي أجيال من مبدعي مصر في كافة المجالات، في حركة تنويرية وتثقيفية وتعليمية واكبت تلك التغيرات الهائلة. واستمرت تلك الفجوة وتعاظمت خلال القرن التاسع عشر إبان نشأة الدولة الوهابية السعودية الثانية وحتى سقوطها، مرورًا بالصراعات الدامية المتواصلة بين أمراء آل سعود حتى كادوا أن يفنوا جميعا، ولم يتوقف الاقتتال حتى سقطت الدولة السعودية الثانية تمامًا، في حين استقرت أسرة محمد علي في حكم مصر، وشهدت مصر على أيدي حفيده إسماعيل باشا مرحلة التأسيس الثاني للدولة المصرية الحديثة، وذلك بإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية هائلة، أحدثت نقلة نوعية في الوجه الحضاري للدولة المصرية.

بينما كانت لحظة الوعي الأولى ممثلة في عقلها الواعي رفاعة التهطاوي بصدد لحظات التكوين وتؤسس لمجتمع جديد، لم يكن لديها الوقت الكافي للوقوف عند المصطلحات والنظر إليها نظرة نقدية أي تقويمية وتجديدية، لأن ذلك يحتاج إلى رصيد ثقافي وحضاري في المجتمع، وهذا ما إضطلع به الشيخ حسين المرصفى (1815م – 1889م) تلميذ رفاعة التهطاوي، وأحد أهم المثقفين المصريين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث اضطلع بتحديد معاني المصطلحات الجديدة في رسالته بالغة الأهمية في تاريخ الثقافة المصرية والعربية الحديثة (الكلم الثمان)، استكمالًا لجهد أسلافه في ضبط المصطلحات وبيان مضامينها، وقد رصد الشيخ المرصفي بوعيه الثاقب تلك المصطلحات الجديدة المعنى والمدلول في الثقافة المصرية والعربية المعاصرة، مثل مصطلحات الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسة والحرية والتربية، وقد تعلم المرصفي اللغة الفرنسية في مدرسة العميان التي أقيمت في عهد الخديوي إسماعيل، ثم تلقى دروسه في المدرسة نفسها. كما اختاره علي مبارك ليدرس العلوم العربية في دار العلوم عام 1872م. وكان لتعلمه الفرنسية أثر كبير في كتاباته وقد ذكر علي مبارك أن الشيخ حسين قرأ الخط العربي والفرنساوي في أقرب زمن مع انكفاف بصره، وعلى رغم أنه لم يعرف عنه أنه ارتحل إلى أوروبا، إلا أنه كان على وعي بالمجتمع الغربي وبأهمية دراسته وترجمة آثاره. وتضم رسالة الكلم الثمان ستة فصول، الأول عالج اصطلاح “الأمة” ومتى تحسن حالها ومتى تسوء، وقد عرّف الأمة بأنها جملة من الناس تجمعهم جامعة أو مقوم أساسي قد يكون التاريخ المشترك، أو المكان،أواللسان، أو الدين، وتساءل المرصفي عن أسباب تحسن أحوال الأمم وتحليل أسباب تدهورها، فأشار إلى حرية الرأي، فلا يُرد رأيًا صغيرًا لصغره، ولا يُقبل رأيًا كبيرًا لكبره. فالغاية هي تحقيق الحق وتقرير الصواب، وعلى أفراد الأمة أن يتشاوروا ويتناصحوا..وتناول الفصل الثاني معنى الوطن، وماهيته، من ناحية، وأنواعه من ناحية أخرى، وكان المرصفي قريبًا من (أديب إسحق) حين عرّف الوطن لغويًا بأنه يعني مكان الرجل وبيته ومحله، وسياسيًا بأنه المكان الذي تُرعي فيه حقوقه ويقابلها واجباته. ثم انتقل إلى تحليل سياسي لفكرة الوطن من زاوية الواجبات والحقوق، فطالب مواطنيه باستعمال عقولهم في الحكم على الأمور، وصيانة الأبدان، والمبادرة بإصلاح الخلل، والاسترشاد بعقلاء الأمة، والتعاون في المهمات لخير الوطن، ومعرفة الأشياء وخواصها واستعمالاتها والغيرة لاكتساب المعرفة واتساعها وعدم البطء والاستنامة لكواذب الأماني..ثم انتقل في الفصل الثالث ليدرس “الحكومة” ووظائفها وطوائفها المشتغلين فيها. وقد عرّف المرصفي الحكومة بأنها قوة تحصل من اجتماع طائفة من الأمة لإمضاء مقتضيات الطبيعة على وجه يقرب من رضا الكافة. ومقتضيات الطبيعة هي المأكل والمشرب والملبس وكل الحاجات الاجتماعية، أما سبيل الحكومة إلى بلوغ ذلك فهو إقامة العدل بين الناس، وقد حصر وظائف الحكومة في تأمين البلاد من الخارج وحفظ الأمن في المداخل ومباشرة السلطة القضائية، وطوائف الحكومة عند المرصفي هي العسكر التي تحمي الوطن من الاعتداءات الخارجية وتأمين أهله من تعدي بعضهم على بعض، وتأمين الناس على أنفسهم وممتلكاتهم وأعراضهم. وطائفة القضاة للفصل في الخصومات تنتخبهم الأمة من أذكيائها. وطائفة الجباة الذين ترصدهم الأمة لتلقي ما تفرضه في أكسابها وتؤديه ليكون منه نفقات العسكر وما تحتاجه المصالح العامة التي لا يختص بها فريق من دون فريق. وأخيرًا طائفة الكتبة الذين يمثلون الهيئة الإدارية للدولة أو الجهاز البيروقراطي، فهم سفراء بين الرعية والرعاة ولولا وساطتهم لضاعت الحقوق وبطلت الوثائق.. وفي الفصل الرابع عالج مفاهيم العدل والظلم والسياسة. فالعدل يقتضي أن يوفي الإنسان عمله حقه كاملًا، ليتسنى له أن يتقاضى أجره كاملًا، فإذا عمل ولم يوفه الناس قيمة عمله فقد ظلموه، وإذا عمل ناقصًا وطلب كاملًا فقد ظلم، فالعدل والظلم هنا يرتبطان بنظرية العمل والقيمة. والسياسة تحمل عنده معنى تدبير شؤون الناس ومن شأنها تحديد الأعمال وتقدير القيم، وإلزام الكل بالعمل..ويتناول الفصل الخامس اصطلاح “الحرية” الذي يرتبط لديه بالإنسان باعتباره يحيا في مجتمع، أو هو يرتبط بما سماه “الاجتماع التعاوني” ويركز على مسألة الحقوق عند ممارسة الحرية، صحيح أنه ليس من حق الفرد أن يعتدي على حريات الآخرين، ولكن نقطة البداية هي الحرية الفردية، النابعة من الحقوق الطبيعية التي عبر عنها مونتسكيو بقوله “أن يباح للمرء عمل كل ما يريد بشرط ألا يؤذي غيره”، وينبه إلى أن أول شرط للحرية يتمثل في المعرفة، معرفة القوانين والحدود، أو ما للإنسان وما عليه..وفيالفصل السادس والأخيريتحدث عن “التربية” وكان لخبرة الشيخ العملية التي استمدها من تدريسه في الأزهر ودار العلوم ومدرسة العميان، أثرها في بلورة أفكاره عن التربية، وقد عرّفها بأنها تبليغ الشيء كمال حاله تدريجيًا، ولكل شيء كمال، وأن المعلم الأول طبيعة الموجودات، وحاجة الإنسان، ويقصد بالتربية هنا التربية الإنسانية العقلية لا الجسدية، فالتربية الجسدية من صناعة الأطباء، أما تربية النفوس فمن صناعة العلماء وهذه الأخيرة تتوقف عليها سعادة الأمة، ومن ثم امتزجت عنده بمعنى التربية الوطنية. وأركان التربية ثلاث، الإنسان المربيّ “المعلم”، والإنسان المربَى “التلميذ”، وما ينبغي أن تكون عليه التربية، وأن الأساس هو الخلق والعمل. وذكر كل مواطن بأنه بعض من أعضاء أمته، له وظيفة يؤديها، وأنه لن يصل إلى كمال منفعته إلا بعد كمال منفعة الأمة.

كان من ثمار جهود حسين المرصفي ثلة من ألمع التلاميذ منهم من تتلمذ له مباشرة في دار العلوم، ومنهم من تأثر بفكره ومنهجه، أمثال أحمد شوقي، ومحمود سامي البارودي، وحسن توفيق العدل، وحفني ناصف، وزين المرصفي، والشيخ الإمام محمد عبده، وكلهم منارات على طريق التجديد والتنوير، ويعترف شوقي بتأثير المرصفي فيه وإفادته بعلمه الغزير فيقول “إن أستاذي الوحيد الذي أعد نفسي مدينًا له، هو الشيخ حسين المرصفي”. وإذا كان الشيخ التهطاوي قد تصدرالدور التنويري في لحظة الوعي المصرية الأولى، التي واكبت نهضة محمد علي وبناء مصر الحديثة، كما أسلفنا سابقًا، فإن الشيخ الإمام “محمد عبده” كان رائدالاستنارة بفكره وسلوكه في تلك الحظة الهامة في وعي الأمة المصرية، وقد عبرت عن نفسها في جميع مجالات الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقد ظهرت أهم أفكار الإمام محمد عبده في كتاب “رسالات التوحيد”، الذي نشر عام 1897م، وتفسيره لأجزاء من القرآن الكريم، ومجموعة دراسات نشرت في جريدة المنار عام 1901م، عن الدين الإسلامي والدين المسيحي وعلاقتهما بالعلوم والحضارة الحديثة.تعلم محمد عبده اللغة الفرنسية بعد سن الأربعين، وكان يقرأ الأدب الفرنسي بلغة بلاده، وعندما زار سويسرا، حرص على حضور محاضرات عن علم الإخلاق والتاريخ والفلسفة والتعليم في جامعة جنيف، كما كان معجبًا بهربت سبنسر، وقام بزيارته في إنجلترا، وترجم بعض أعماله المنشورة بالفرنسية، وكان معجبًا أيضًا بالكاتب الروسي تولستوي، وقام بمراسلته، وكان يقوم من حين لآخر بزيارة أوروبا، لأن مثل هذه الزيارات كانت تبعث الأمل في نفسه، وتجعله يعتقد بأن العالم الإسلامي من الممكن إيقاظه من سباته العميق، وإنقاذه من كبوته، حيث آمن محمد عبده بحرية الإنسان في العدل والمساواة، وفي الحقوق والواجبات، وأولى هذه الحقوق حق المعرفة للخروج من حالة التخلف الحضاري، وامتلاك أدوات العلم والمعرفة، باعتبارها شروطًا أولية للحرية لا تتحقق إلا بها، ومن هنا آمن بحرية الإنسان في التعبير عن نفسه وفي اختياره، كطريق لا بد منه في عملية تحديث شاملة، تهدف لإحياء المجتمع والخروج به من حالة الجمود والتخلف، عن طريق الإيمان بالفرد كأساس للمجتمع السليم والحديث، وهو ما يُعرف حاليًا بالتنمية البشرية في أدبيات الفكر المعاصر، لقد جسد الإمام الشيخ محمد عبده كأحد أهم رواد التجديد الديني والاجتماعي في مصر القرن العشرين، جسد الحرية كقيمة بفكره وسلوكه، لإيمانه العميق أن الإسلام دين يؤمن بالتعددية الدينية والثقافية وبالاختلاف كحكمة إلهية ضرورية لاستمرار الحياة، كما في قوله تعالى في سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” وأنه سبحانه وتعالى لم يجبر الجمادات على الاعتراف به كخالق بل منحها حق الاختيار، فقال تعالى في سورة فصلت “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”، وإذا كان الاختيار في حق الجمادات محمودًا، فما ظنكم به في حق الإنسان، الذي أكد سبحانه وتعالى على حقه في الاختيار الحر، في أن يكون مؤمنًا بالله أو كافرًا به مشدد على عدم الإكراه في الدين، الذي يتنافى مع طبيعة الحرية والاختيار، وهذا ما جاء في قوله تعالى في سورة يونس “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ”، وفي قوله تعالى في سورة البقرة “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”، وذكر أن القتال الذي ندب إليه الإسلام، ليس لغاية إحراز التقدم وبسط الدين بالقوة والإكراه، بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متابعة للفطرة وهو التوحيد، وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس فخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر، فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال، فالإشكال ناشيء عن عدم التدبر، ويظهر مما تقدم أن الآية “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” غير منسوخة بآية السيف كما ذكر بعضهم، ومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها، أي قوله “قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم، فإن الحكم باق ببقاء سببه، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف، فإن قوله “اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ” مثلاً، أو قوله تعالى “قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ” لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئًا حتى ينسخا حكمًا معلولًا لهذا الظهور، وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” بظهور الحق، وهو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله، فهو ثابت على كل حال، فهو غير منسوخ.

كان الإمام الراحل محمد عبده من أشد المدافعين عن حقوق المرأة وعن استقلالها في العمل والمال والاقتصاد، فنادى بضرورة تعلم المرأة، ونادى بعدم تعدد الزوجات في حالة إذا ما كان الرجل غير قادرًا على تحقيق العدل بين الزوجات، بل ورأى أنه من الصعب أن يتحقق العدل للمرأة في ظل تعدد الزوجات، وأن في ذلك من المفاسد التي لا تحصى، أما عن الحجاب والنقاب، فقد رأى أن النقاب عادة ناتجة عن الاختلاط بأمم أخرى وليس من الشرع الإسلامي. وكان لمشروع محمد عبده التنويري أثرًا بالغًا في تمهيد الأجواء نحو نهضة فنية وموسيقية في مصر، حيث يقول الدكتور أسامة عفيفي في بحث بعنوان (الموسيقى العربية الكلاسيكية – الخلفية التاريخية)، “لقد تميزت هذه الفترة بنهضة فكرية هائلة كانت الريادة فيها للمبدعين المصريين، ولم تنشأ هذه النهضة من فراغ بل مهد لها كتابات الشيخ محمد عبده وغيره من رواد الفكر السياسي الذين وضعوا بدايات عصر التنوير والخروج من الجمود الفكري إلى التحرر السياسي والاجتماعي، وكان الشيخ الإمام محمد عبده من أوائل من شجعوا الموسيقار “داود حسني” عندما سمع عن موهبته الغنائية وتنبأ له بمستقبل كبير في عالم الفن والموسيقى، وقد تحققت نبوءة الشيخ فيه، حتى وصف النقاد الموسيقار داود حسني بأنه “المؤسس الرئيسي للتراث الخالد لفن الموسيقى المصرية”، وليبرالية الشيخ محمد عبده وانفتاحه وإيمانه بالحرية كقيمة إنسانية جعله يسارع في تشجيع موهبة الموسيقار داود حسني مع أنه كان يهوديًا مصريًا”. ومن الجلي أنه ما كانت لتكون آراء الشيخ الإمام المتقدمة على هذا النحو لولا إيمانه بأحد أهم أصول الأحكام في الإسلام، وهو البعد عن التكفير، فقد أوضح الإمام أنه مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم، أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر، ويؤكد الشيخ الإمام أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثاني تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل، وقد ذهب الإمام إلى أن العلوم المنطقية إنما وضعت لتقويم البراهين وتمييزًا للأفكار غثها من ثمينها، وأن العلوم الكلامية إنما هي أحكام لتأييد القواعد الدينية، بالأدلة العقلية القطعية، كما كتب الإمام في جريدة الأهرام عام 1876م يقول بأن رجال الدين الإسلامي، وهم روح الأمة الإسلامية، فشلوا في إدراك فائدة العلوم الحديثة، وشغلوا أنفسهم بموضوعات لم يعد تناسب العصر الحديث، ويجب علينا نحن المسلمون، بجانب دراستنا للدين الإسلامي، دراسة الأديان الأخرى ودراسة التاريخ وحضارة الدول الأجنبية المتقدمة، لمعرفة سر تقدمهم، لأنه ليس هناك سبب آخر لثراء هذه الدول وقوتها، سوى تقدمها في العلوم والإدارة والتعليم، لذلك واجبنا الأول هو العمل على نشر هذه العلوم في بلادنا بكل الوسائل، كما رفض فكرة قفل باب الإجتهاد أو التقيد بفتاوى الإجماع، وكان يعتقد بإصرار أن من حق كل جيل العودة إلى مصادر الإسلام الأولى، القرآن الكريم وصحيح الحديث والسنة، وفهمهم في ضوء ظروف العصر الذي نعيش فيه، لأن كل عصر وكل جيل لديه مشاكلة الخاصة به، لكنه اشترط أن يكون الأساس في فهم مصادر الإسلام الأولى، هو العقل والمنطق، لأنه بدون استخدام العقل والمنطق، يصبح من السهل التغرير بالمسلمين وخداعهم وقيادتهم في الإتجاه الخاطئ، وكتب يقول إنه لو تعارض العرف مع العقل، فإننا نكون أمام أمرين، إما أن نأخذ ونسلم بصحة العرف، ونعترف بعجزنا في فهم معناه ونترك الأمر لله، أو نقوم بإعادة تفسير العرف بما يتفق مع العقل والمنطق، وهذا أصلح وأجدى للمسلمين. وسعى الإمام محمد عبده إلى التوفيق بين أصول الإسلام وبين الواقع، وبالتالي أفسح الباب أمام العقل لكي يتعامل بحرية مع النص الديني، وتجاوز بذلك أفق الفكر الضيق المحدود الذي سيطر على الفكر الإسلامي منذ القرن العاشر الهجري حيث سيطرت الشروح والمتون والحواشي، وخف صوت الإبداع والإضافة الحقيقية والتجديد الصحيح وسادت مقولة “إغلاق باب الاجتهاد”، وهي مدرسة مستقلة بالفكر والنظر، ثم بالعمل في مجال الإصلاح، وهذا ما يميزها بمذهب بين مدارس الفلسفة الإسلامية، فلا يتيسر ضمها إلى طائفة منها تسمى باسمها، وبذلك تنفصل هذه المدرسة عن سائر المدارس في تراثنا، جملة القول إنها مدرسة إنسانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وذلك حيث حرص رواد هذه المدرسة على احترام حقوق الإنسان باعتباره خليفة في الأرض، فأعلوا من شأن العقل وجعلوا أحكامه مقدمة على النص الديني في حالة التعارض، وسعوا إلى تقديم رؤية إنسانية حضارية للإسلام لا تتناقض مع العقلانية والحرية، وكان دائم القول أن حب الوطن يدفعنا إلى الحفاظ على وحدته، هذه الوحدة لا تأتي إلا عن طريق المساواة في الحقوق والواجبات لكل المواطنين، بغض النظر عن عقيدتهم.

وبصدور قرار سعيد باشا بدخول أولاد العمد ومشايخ البلاد وأقاربهم في سلك الضباط في العسكرية، نشأت فئة برجوازية مصرية (عسكرية) للمرة الأولى في مصر منذ قرون طويلة،وكان الضباط المصريون يتطلعون إلى الرتب العسكرية العالية (مقدم وما فوق)، ولكن اصطدمت تطلعاتهم الاجتماعية والاقتصادية بالمعارضة الشديدة من قبل “الباشاوات الجراكسة”، فاتخذت طابع التمردات العكسرية داخل الثكنات، وشكل انضمام الضباط إلى معسكر “اللائحة الوطنية” وموالاتهم “للحزب الوطني المصري” في أبريل 1879م غطاءً قوميًا لتطلعاتهم وطموحاتهم، فضًلا عن نيلهم الدعم القوي من قبل رجال الإقطاع والأشراف الملتفين حول الخديوي إسماعيل، أي من “الجناح المدني للتنظيم الصاعد”، ولذلك تبنى الضباط شعار “مصر للمصريين”. واتسمت تلك الفترة بانتشار الوعي بين المصريين، وتأثر الضباط بالحركة الثقافية والسياسية الصاعدة آنذاك. مما أثمر عن حركة عرابي داخل الجيش المصري، ومطالبته ورفاقه بتعديل قوانين الجيش والمساواة بين جميع الاجناس داخل الجيش والمطالبة بقيام مجلس للنواب، وغيرة من مطالب الجيش والشعب المصري. وأمام التفاف الشعب المصري حول عرابي اضطر الخديوي توفيق إلى الموافقة على تشكيل وزارة برئاسة محمد شريف باشا وكانت أول وزارة شبه وطنية في تاريخ مصر الحديث، حيث عُين محمود سامي البارودي ناظرًا للحربية وسعى لوضع دستور جديد للبلادونجح في عرضه على مجلسالنواب الذي أقر معظم مواده. وفي 7 فبراير 1882مأرست مصر أول ملامح للديمقراطية النيابية، من خلال سن نصوص في الدستور الجديد الذي حل محل دستور 1879م.فقد أوجد دستور 1882م لأول مرة فكرة وجود مجلس نواب يختص بالتشريع، ويراقب مجلس النظار “الحكومة”، فقد كان هذا الدستور رغم إغفاله جانب الحريات والحقوق، اللبنة الأولى لمجتمع قائم على دولة القانون. فقد صدر الدستور من سراي الإسماعيلية في 7 فبراير سنة 1882م، في عهد الخديوي توفيق مع احتفاظ مصر بولاية الدولة العثمانية الشكلية على مصر، ولكن بتشريعات خاصة بها، وتألف من ثلاث وخمسين مادة، حددت كيفية انتخاب النواب وواجباتهم ومهامهم وكيفية انعقاد المجلس وانتخاب رئيسه والوكلاءإلى غير ذلك من الإجراءات. ونص دستور 1882م على أن يكون اختيار النواب بالانتخاب لمدة خمس سنوات، ولا يتم حل المجلس إلا في حالة الخلاف المستحكم مع الحكومة، وإذا استمر الخلاف ولم تقم الوزارة بالاستقالة يقوم الخديوي بفض المجلس والدعوة لانتخاب مجلس نواب جديد يمثل سيادة الأمة المصرية، حيث تبنى الدستور مبدأ سيادة الأمة، وأن السلطة تستمد من الأمة، ويقوم المجلس بدور تمثيلي للأمة المصرية ككل، وكل نائب يُعتبر وكيلًا عن عموم الأمة المصرية وليس فقط عن الجهة التي انتخبته، وللمجلس مساءلة الحكومة وطلب ايضاحات الوزراء والاستجابة لدعوات مجلس النواب بالحضور، ليقوم مجلس النواب بعمله. ووضع الدستور تنظيمًا إجرائيًا وموضوعيًا لعمل المجلس في خصوص اقتراح أو سن القوانين واللوائح حيث بين الدستور إجراءات عرض القوانين واللوائح على المجلس، وكذلك بيّن الدور المتبادل بين مجلس النواب ومجلس النظار في سن التشريعات واقتراح تعديلاتها، ولا يكون المشروع قانونًا معتبرًا دستوريًا للعمل ما لم يتل في مجلس النواب. ويراقب المجلس ميزانية مصروفات وايرادات الحكومة السنوية، حيث تُقدم لمجلس النواب سنويًا لغاية الخامس من شهر نوفمبر بالأكثر، ميزانية عموم الإيرادات مع كشوفات عن كل نوع من أنواعها، ولا يجوز ربط أموال جديدة أو رسوم أو عوائد إلا بمقتضى قانون يصدق عليه مجلس النواب ويجوز لكل مصري أن يقدم للمجلس عريضة ويحال النظر في هذه العريضة على لجنة ينتخبها المجلس وبناء على ما يجاب منها يحكم المجلس بقبول أو رفض العريضة وما يحكم بقبوله يحال على الناظر المختص بذلك. وتبنى دستور 1882م مبدأين أساسيين،الأولحصانة النائب ضد أية إجراءات تقوم بها الحكومة تتعلق بالمساس بحريته الشخصية من جراء اتهامه بجريمة كضمانة لحسن سير عمل المجلس النيابي، وثانيًاترسخ مبدأ استقلال النائب، بمعنى عدم تبعيته لسلطان ناتج من أوامر أو تعليمات تصدر إليه بشأن ممارسة وظيفته كنائب في مجلس النواب. فقد أعطى دستور 1882م للنواب مطلق الحرية في إجراء وظائفهم وألا يكونوا مرتبطين بأوامر أو تعليمات تصدر لهم تخل باستقلال آرائهم ولا بوعد أو وعيد يحصل إليهم، كما نص على عدم جواز التعرض للنواب بوجه ما، وإذا وقعت من أحدهم جناية أو جنحة مدة اجتماع المجلس فلا يجوز القبض عليه إلا بمقتضى إذن من المجلس، وأن للمجلس حال انعقاده أن يطلب الإفراج أو توقيف الدعوى مؤقتًا لحد انقضاء مدة اجتماع المجلس عمن يُدعى عليه جنائيًا من أعضائه أو يكون مسجونًا في غير مدة انعقاد المجلس لدعوى لم يصدر فيها حكم. كما نص الدستور على أن يكون المجلس رقيبًا على نفسه، ويقوم بتحرير لائحة إجراءاته الداخلية وتكون تلك اللائحة نافذة الحكم بمقتضى أمر يصدر من الحضرة الخديوية. ولكن عصفت تدخلات بريطانيا وفرنسا بهذا الجهد المبكر، بحجة الديون المتراكمة على الحكومة المصرية، وتأزمت الأمور التي أدت في النهاية إلى هزيمة عرابي ونفيه ورفاقة، ووقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882م.

ونتيجة لهذا الحراك الاجتماعيوتلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية وتطور أنظمة الحكم والإدارة في المجتمع المصري، ظهرت التيارات السياسية بشكل تدريجي وعبر مراحل متتالية، وبدأت الأفكار الأولى للتجمعات والتنظيمات السياسية في شكل جمعيات سرية، مثل (الحزب الوطني المصري) الذي تصادف اقتران اسمه بكلمة حزب، وجمعية (مصر الفتاة) التي أسسها في الإسكندرية “علي الروبى”، وجمعت عددًا من الضباط المصريين الغاضبين على فقد مصر لبعض الفرق العسكرية المهمة في حرب الحبشة (1875-1881)، وكان من بين هؤلاء الضباط أحمد عرابي كما أسلفنا، ثم توالى ظهور التجمعات ذات الأهداف السياسية ومنها “جمعية المودة” التي تكونت عام 1894، وكان نشوء الجمعيات والتجمعات السياسية بمثابة إرهاصات اجتماعية وسياسية سبقت ظهور الأحزاب السياسية في مصر، فقد شهدت الفترة التي سبقت قيام الأحزاب وواكبتها صدور عدد من المجلات والجرائد المنتظمة مثل الوطن والمؤيد والمقطم والأهرام واللواء والجريدة وغيره، علاوة عن صدور أعداد هائلة من الجرائد والمجلات غير المنتظمة، وكانت تعبر عن آراء سياسية وأعمال فكرية ذات قيمة عالية، واقتصر الاشتغال بالسياسة والعمل الحزبي في مصر تقريبًا على الأعيان (كبار ومتوسطي ملاك الأراضي الزراعية) والأفندية وهم طبقة المثقفين المصرية، وتنوعت التيارات السياسية العامة في مصر في فترة ما بعد الاحتلال البريطاني وحتى قيام الحرب العالمية الأولي عام 1914م لتصب في تيارين رئيسيين، التيار الأول كما أسلفنا هو تيار ديني مستنير ويتزعمه الشيخ الإمام محمد عبده، وكان هذا التيار يتمثل الاعتدال الكبير وأبدى قدرًا كبيرًا من قبول التفوق الأوروبي والاقتباس منه وخاصة في الجانب العلمي منه، والتيار الآخر هو التيار الوطني الليبرالي الداعي إلى اقتباس أساليب التفوق الأوروبي، ويتزعمه نخبة من الشبان الذين تلقوا تعليمهم في أوروبا ومنهم أحمد لطفي السيد ومصطفي كامل، وتصنف الأحزاب المصرية التي قامت في الفترة بين عامي 1907 و 1914 إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول هو أحزاب اليمين مثل حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية بتأييد الخديوية، وحزب الأحرار بتأييد استمرار الاحتلال البريطاني، وحزب النبلاء الذي عبر عن الرغبة في عودة السيادة للعناصر التركية والشركسية.. والقسم الثاني مجموعة الوسط وهي التي عبرت عن الواقع السياسي والفكري لغالبية أبناء الشعب، وضم الأحزاب الأكثر شعبية وتأثيرًا في نشأة وتطو الحياة الحزبية في مصر، وأهمهم حزب الأمة الذي نشأ في سبتمبر 1907، وترأسه حسن باشا عبد الرازق وشغل أحمد لطفي السيد منصب السكرتيرالعام للحزب، وانطلق فكر الحزب من اعتبار أن الاحتلال أمر واقع يجب العمل على تغييره تدريجيًا عن طريق المشاركة في السلطة وتدريب الكفاءات الوطنية لتولي الوظائف العامة، وكانت وجهة نظره أن الاحتلال ليس سببًا لضعف الأمة ولكنه انعكاس لهذا الضعف، وبالتالي فإن مقاومته تكون بنهضة الأمة ونشر التعليم ورفع مستوى الوعي الوطني، بجانب النضال من أجل الاستقلال الوطني، وكان مفهوم الاستقلال عنده يشمل الاستقلال عن الدولة العثمانية وعن إنجلترا معًا، ولذلك رفض شعار “الجامعة الإسلامية”، ورفع شعار “القومية المصرية”. وظل الحزب الوطني، كما يقول دكتور لبيب رزق هو “حزب الواقع بكل ما يحمله الواقع من مميزات ونقائص”، وهو ثالث حزب أُنشأ بعد حزب الأمة وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، ولكن الحزب الوطني اختلف في نشأته عن الأحزاب الأخرى لأنه اصطدم بالمشاكل الطبيعية التي تواجه أي حركة وطنية عندما تتحول إلى حزب سياسي، ومن أهم تلك المشاكل أنها تريد أن يكون هذا الحزب هو الممثل الوحيد للحركة الوطنية مثلما كانت تتزعم المسيرة الوطنية وحدها من قبل، وتكون برنامج الحزب من عشرة مبادئ شهيرة، أولًا استقلال مصر مع سودانها وملحقاتها استقلالًا تامًا غير مشوب بأي حماية أو وصاية أو سيادة أجنبية أو أي قيد يقيد هذا الاستقلال، وثانيًا إيجاد حكومة دستورية في البلاد حيث تكون السيادة للأمة، وتكون الهيئة الحاكمة مسؤولة أمام مجلس نيابي تام السلطة، وثالثًا احترام المعاهدات الدولية والاتفاقات المالية التي ارتبطت بها الحكومة المصرية لسداد الديون احترامًا لا يمس سيادة البلاد، ورابعًا نقد الأعمال الضارة بكل صراحة والاعتراف بالأعمال النافعة وتشجيع عناصرها، وخامسًا السعي في تحسين الأحوال الصحية والعمل على ترقية الأحوال الاجتماعية، وسادسًا العمل على نشر التعليم في جميع البلاد على أساس وطني صحيح بحيث ينال الفقراء نصيبهم منه، والحث على تأسيس معاهد العمل وإرسال الرسالات العملية وفتح المدارس الليلية للصناع والعمال، وسابعًا ترقية الزراعة والصناعة والتجارة وكل مرافق الحياة، وثامنًا نقد الأعمال الضارة بكل صراحة والاعتراف بالأعمال النافعة والتشجيع عليها وإرشاد الحكومة إلى خير الأمة ورغباتها والإصلاحات اللازمة لها، وتاسعًا المحافظة على روابط المحبة والصفاء بين الوطنيين والأجانب، وعاشرًا إحكام العلاقات الودية وتبادل الثقة بين مصر والدول الأخرى.. والقسم الثالث هو أحزاب اليسار أو الأحزاب الراديكالية ومنها الحزب الجمهوري والأحزاب الاشتراكية، وكانت هذه تعد الموجة الأولى من قيام الأحزاب في مصر والتي امتدت حتى قيام ثورة عام 1919م.. وعن الفرق بين حزب الأمة بزعامة لطفي السيد والحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل، لخص الدكتور لويس عوض عوض لقارئه حقيقة الموقف الوطنى لكل من الحزبين، فذكرأن جريدة حزب الأمة وجدت نفسها فى موضع الاتهام من صحافة الحزب الوطنى، حيث كتب مصطفى كامل أن حزب الأمة يعمل لصالح المحتل البريطانى. واتهم الشيخ على يوسف لطفي السيد بأنه ثائرعلى سلطان تركيا…إلخ ومن هنا يتبين الخلاف بين الحزبين: حيث أن حزب الأمة يدعوإلى مصرأولا، ولاولاء للدولة العثمانية أولبريطانيا، وأن التعليم العصري هوالمقدمة اللازمة للتحررمع الاعتماد على الذات القومية. بينما رأى الحزب الوطنى حكم مصرالذاتى تحت السيادة العثمانية وتقوية الروابط بين المسلمين (المصدرالسابق- ص175، 176).. وهكذا يتبين الفرق بين الحزب الوطنى بقيادة مصطفى كامل، الذي انحاز جزئيًاللأيديولوجية الدينية، ولوعلى حساب وطنه (مصر) حيث تبنيه لفكرة (عودة الخلافة الإسلامية) والترويج لمشروع (الجامعة الإسلامية). بينما حزب الأمة بزعامة لطفي السيد مع مصرالليبرالية، لكي تكون ضمن منظومة الدول التي ارتقت وتطورت، فأصبحت متلائمة مع مفهوم النهضة في العصرالحديث. ونظرًا لموقف عوض بشأن خصوصية مصرالثقافية، ودفاعه عن القومية المصرية، لذلك كان من الطبيعي أنْ يستشهد برأي رفاعة التهطاوى في كتابه (مناهج الألباب) حيث دافععن فكرة “القومية المصرية” رغم مرجعيته الدينية، وكذلك دفاعه عن فكرة “الدولة الزمنية- العلمانية” ونقل عوض ما ذكره التهطاوى في كتابه (تخليص الإبريز) حيث كتب عن أمجاد مصرالقديمة وحضارتها الشاهقة في العلوم والفنون والآداب. ومن أقواله “أجمع المؤرخون على أن مصردون غيرها من الممالك عظم تمدنها وبلغ أهلها درجة عليا فى الفنون، وأن آثارمصرتدل على تمدن المصريين القدماء”تاريخ الفكرالمصرى الحديث- كتاب الهلال- إبريل1969- ص149، 150، 190).

ظلت الاتجاهات الفكرية المصرية منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة على أيدي محمد علي وإبان حكم الأسرة العلوية، تسير في اتجاه تحديثي وتنويري متصاعد، وذلك رغم ضعف وتشوه البنيان الاجتماعية النتاتج عن تشوه الرأسمالية المصرية، وعدم استقلالية الطبقة الوسطى الوليدة، وضعف تكوين الطبقات الكادحة تنظيميًا وبنيويًا،ولم تشهد مصر انقسامات اجتماعية حادة طيلة هذه المرحلة، وظلت الاتجاهات الفكرية متفقة على كل الثوابت الوطنية المصرية، التي تدعم وتؤكد (مصرية مصر)لدى النخبة المثقفةوداخل الوجدان الشعبي. ولكن مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر يأتي إلينا جمال الدين الأفغاني من بيئة تكاد تكون مشابهة حضاريًا وثقافيًا لشبه الجزيرة العربية، من أفغانستان، في رحلة مكوكية من مصر إلى الهند، تاركًا وطنه،في أعقاب الاحتلال الإنجليزي لبلاده مباشرة، بحجة أن الأمير الذي يناصره ترك مقاومة الاحتلال!!. جاء حاملًا لواء وحدة المسلمين لمقاومة الاحتلال الأجنبي،فهل يستطيع العقل أن يقتنع بوجود ثائر يترك بلاده للمحتل من أجل أن يثوّر شعوبًا أخرى.حيث طلب الأفغاني من المسلمين في الأوطان التي طاف إليها، أن”يعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هى أحكم رابطة اجتمع فيها التركي بالعربي والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي. وقامت لهم مقام الرابطة الجنسية” (العروة الوثقى 24/8/1884).قائلًا”لاجنسية للمسلمين إلافى دينهم” (العروة الوثقى 26/7/1884)، وكررذات المعنى فكتب “وعلمنا وعلم العقلاء أجمعين أنالمسلمين لايعرفون لهم جنسية إلافى دينهم واعتقادهم” (العروة الوثقى 14/8/1884)، أما أخطرما روج له فهومحاولة اقناع الشعوب بالإحتلال الأجنبي (المسلم) وعدم مقاومة هذا الاستعمارتأسيسًا على قاعدة (الرابطة الدينية) التى ألح كثيرًا في الترويج لها وإقناع الشعوب بها فكتب”…هذا ما أرشدنا إليه سيرالمسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن. لايتقيدون برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس. وإنما ينظرون إلى جامعة الدين. لهذا نرى المغربى لاينفرمن سلطة التركى. والفارسى يقبل سيادة العربى. والهندى يذعن لرياسة الأفغانى. لااشمئزازعند أحد منهم ولا قباض” (العروة الوثقى 28/8/1884).وهنا نراه ينبريبأصالة لمحاولات المستعمرين الأوروبيين(زعزعة العقيدة)وبيان الدور الحيوى للأديان السماوية والإسلام خاصة في مواجهة المحتلين الكفار!!.فهل يصدق عاقل أن المستعمر يغامر ويترك بلاده ويجهز جيوشه من أجل (زعزعة عقيدة) شعب آخر؟ ألا يوصف هذا المستعمر الغازي بالبلاهة؟. إن (زعزعة العقيدة) هي حجة ساذجة لأن هدف كل الغزاة هو نهب الشعوب التي تم احتلال أراضيها، ثم الوصول إلى آخر الأهداف وهو أن يصير الغازي هو السيد والشعب المحتل هو العبيد، ولا فرق هنا بين محتل كافر أو مسلم، فقد تناسى الأفغاني أن نابليون دخل مصر بجيوشه وهو مسلح باللغة الدينية، وتمسح في الإسلام وأصدر سبع بيانات ذكر نصوصها الجبرتي وادعى فيها أنه قادم للدفاع عن الإسلام. لذلك ارتكب الأفغاني أبشع الجرائم بالدعوة إلى تفتيت الوطن الواحد بواسطة الدين.حيث كان الأفغاني يخاطب الناس على أساس انتمائهم الديني وليس انتمائهم الوطني، فكتب يطالب المسلمين بأن “يعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكام رابطة، اجتمع فيها التركي بالعربي والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي وقامت لهم مقام الرابطة الجنسية” العروة الوثقى 24|8|1884م. فإذا كان أساس الانتماء الديني وهو المعتقد الديني، وإذا كان شعبًا متعدد الأديان، فتكون النتيجة حسب مخطط الأفغاني، أن ينضم المسلمون في كل بقاع العالم في صفوف، والمسيحيون في صفوف ثانية، واليهود في صفوف ثالثة.. الخ. وبذلك يكون تفتيت الشعوب بمرجعية دينية. ولأن حكمة التاريخ وخبرة الشعوب في مقاومة المحتل كانت دوما هي الوحدة الوطنيةوالإعتزاز القومي والدفاع عن الوطن، فكيف يحارب شعبنا الإنجليز وقد شطره الأفغاني نصفين يعادي كل منهما الآخر. لقد قال الأفغاني عن المصريين “إنكم معشر المصريين نشأتم على الاستعباد وتربيتم في حجر الاستبداد. وتناولتكم أيدي الغاصبين من الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب فالأكراد والمماليك، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه. ويستنزف قوام حياتكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم، بالعصى والمقرعة والسوط، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت”. كما نراه يصف شعب صاحب حضارة عظيمة كالشعب الهندي بأنهم أقل من الحيوانات بقوله “ملايين البشر لو كانوا ملايين من الذئاب لكاد طنينه يصم آذان بريطانيا” نفس المصدر السابق. وفي هذا الصدد يطرح الدكتور لويس عوض في دراسته القيمة عن جمال الدين الأفغاني، الكثيرمن الأسئلة لأول مرة في الثقافة المصرية، مثل لماذا أخفى الأفغانى ثم الثقافة السائدة بالتبعية، ما أثبتته الوثائق والمراجع أنه وُلد فى قرية أسد أباد بالقرب من مدينة همدان غرب إيران؟ ويؤكد ذلك أن لغته الأصلية هي الإيرانية وأن لغتيه المُـكتسبتين هما العربية والتركية. ولم يُثبت أن لغته الأصلية إحدى لغات أفغانستان. فلماذا أخفى أصوله الإيرانية؟ والسؤال بصيغة أخرى: لماذا أخفى مذهبه الشيعى ليبدوسنيًا في البلاد سنية المذهب (أفغانستان. تركيا. مصر)؟ وإذا كان جمال الدين قد نسب نفسه إلى أفغانستان عندما ذهب إلى تركيا ومصروالهند، فلماذا كان يـُـلقب نفسه بالسيد جمال الدين الرومي، أي التركي، عندما كان في أفغانستان؟ أما الفترة التي قضاها في العراق فقد كان يلقب نفسه ب (الإستانبولي) مركزالخلافة وعاصمة الإسلام السني في ذاك الوقت. فلماذا كان يخفي جنسيته الأصلية؟ وما دلالة تبرؤالإنسان من قوميته كما لوكان يخجل منها؟ وما هى المعاني المُستخلصة من تلك التصرفات المريبة،عندما يلقب نفسه مرة ب (الرومي) أي التركي، ومرة ب (الاستانبولي) ومرة ب (الأفغاني)؟.. لماذا طرد الإنجليزجمال الدين من المحفل الماسوني الإنجليزي؟ ولماذا تنقل بين المحافل الماسونية الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وكيف حصل على عضوية كل منها؟ خصوصًا أن”هذه المحافل الماسونية المتعددة لم تكن إلاجمعيات سرية أنشأتها الدول الأوروبية في مصرفي تسابقها الاستعماري لتجنيد المثقفين المصريين وأصحاب النفوذ في مصر” (تاريخ الفكرالمصرى الحديث- ج1- مكتبة مدبولى ط1عام1986ص17 – 19، 83)،ويقول عوض “لماذا كان الأفغاني مؤيدًا ومعضدًا لرياض باشا رغم رجعيته المشهورة وعدائه لكافة الحركات الدستورية والديموقراطية في مصرعلى مدى ثلاثين عامًا أويزيد”؟ وفي المقابل: لماذا كان رياض باشا “أقوى سند داخل السلطة للأفغاني طوال إقامته في مصروحتى بعد نفيه من مصرعام 1879؟ وفي مرحلة باريس و(العروة الوثقى) إلى أن خرج الأفغاني نهائيًا من محيط السياسة المصرية نحومايو1886م وبدأ مرحلته الإيرانية الروسية؟، ويتولد من السؤالين السابقين سؤال: ما المصالح والأهداف التيجمعت الرجلين (الأفغاني ورياض باشا) ووحدت بينهما؟(نفس المرجع ص67، 68).

انتقد الأفغاني الثورة الفرنسية بشدة، وكان رأيهفي فلاسفة الحرية أمثال روسو وفولتير بأنهم سيف الفساد وغرس بذور الإباحة الخ. وهذا هو تقديره أيضا للتيار الليبرالي في الفكر والفلسفة، وهذا هو موقفه من العلم والاشتراكية، وهو موقف سلفي شديد المحافظة، ومستجد على روح الأمة المصرية المنفتحة دومًا على كل جديد ومتطور ومتحضر، والمحبة للعلم والعلماء، والمبجلة للفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء.وكان الأفغاني من المحرضين على اغتيال الخصوم، إذ كان على صلة بقاتل شاه إيران ناصر الدين عام 1896م، وقد أباح الأفغاني ذلك، وأن الشاب الذي قتله صرخ فيه قائلًا “خذها من جمال الدين” وهذه الواقعة ذكرها شكيب أرسلان في كتابه (حاضر العالم الإسلامي)، ج 1 ص 203، كما ذكرها البرت حوراني في كتابه (الفكر العربي في عصر النهضة ص 122). كما رفع الأفغانيشعار(مناهضة الغزو الثقافي) علمًا مرفوعًا يجتذب تحته أعوانه، رغم أن الكلمتين (غزو وثقافة) لايمكن أن تتآلفا بحال من الأحوال، ورغم أن الثقافة الأوروبية ليست مسؤولة عن الاستعمار بل لعلها كانت من عوامل تفتيح الوعي على وجوب محاربة الاستعمار والتخلص منه.. وكانت مطالبة الأفغاني بالاطلاع على الفكر الحديث رهنا “بقبول ما يتفق منها والشريعة الإسلامية. ورفض ما يتعارض والعقيدة بالحجج والبراهين العقلية”، ولو اننا طبقنا ذلك الشرط الذي وضعه الأفغاني لرفضنا أغلب الفكر الحديث، من الوضعية المنطقية إلى الوجودية إلى المادية التاريخية… الخ. بل ورفضنا فلاسفة اليونان، ناهيك عن الاكتشافات العلمية المذهلة سواء في مجال الإلكترونيات أو الهندسة الوراثية… الخ. وكانت آراء الأفغاني دومًا ملتصقة بهدفه السياسي وكان موقفه من الدين أو من الإسلام على وجه الخصوص يحمل هذا المعنى تأكيدًا للذاتية العربية الإسلامية في مواجهة الذاتية الأوروبية. وقد وصل الأمر به إلى انتقاض المسحية، ورأى في المقابل أن الإسلام هو الحل للعالم العلماني لتخليصه من الفوضى الثورية. كما كان في الدستور والحريات محكوما بالرؤية السلفية السطحية وليس بالحرية كقيمة فلسفية.لذلك لم يكن الأفغاني دستوريًا على أساس مبدئي، ولم يكن مع ادخال العامة في الحكم، ورأى في المقابل أن يكون الأمر منوطًا بطبقة العلماء لأنهم يملكون الخطوة الأولى في الإصلاح الحقيقي للإسلام والحكم. ولذلك يُعتبر الأفغاني بحق رائد الأصولية الإسلامية في العصر الحديث،وهو بمثابة الأب الروحي لظاهرة “الإسلام السياسي” والمُروج لمقولة “الولاء يكون للدين وليس للوطن”. وتزداد خطورته من الصورة الزائفة الشائعة عنه في الثقافة العربية والمصرية السائدة. واضعًا خيطًا جديدًا يتقابل مع خيط الوهابية التكفيرية الإرهابية التي ستستقوى لاحقًا بإمكانات (بترو دولارية)هائلة تجمع شتات تلك الخيوط لتخلق غيمة ظلامية حول إقليمنا التعيس، وتدخلنا في نفق مظلم تتوالد سوءاته كل يوم، لتصنعالعائق الأكبر أمام نهضة دولنا والخروج من حالة التخلف المزري، والتبعية الموضوعية للغرب المتقدم، وتعيق كل محاولات مواكبة العصروالتنوير والاستنارة الضرورية لإحداث أي نهضة حقيقية لأمتنا المصرية.. وهو ما سنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.