أوضحنا سابقًا كيف حافظت مصر منذ قبل التاريخ، وطيلة العصور القديمة، على ريادتها للحضارة الإنسانية، وقدرتها على مواكبة العصور المتلاحقة بإبداعات علمية وأدبية، وقيم أخلاقية، ومُثُل عليا، وضعتها في مقدمة الأمم تقدمًا وتحضرًا وازدهارًا متواصلًا ومتجددًا.
كما كانت مصر طيلة العصور الوسطى المصرية، التي شهدت مولد الدول الخمس المستقلة المتعاقبة (الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية، والأيوبية، والمملوكية) أكثر تقدمًا وتطورًا ورقيًا من نظيراتها الأوروبية، التي كانت ترزح تحت ويلات وظلامات مستنقعات العصور الوسطى الأوروبية، وتحققت لمصر إبان تلك الحقبة (الندية) الكاملة لنظيراتها حول العالم (الآسيوي والأوروبي)، بل وتفوقت عليهم في كثير من النواحي الحضارية.
وتطرقنا إلى نشاة البدايات الأولى للرأسمالية الأوروبية، وما نتج عنها من رواج التجارة، ونشأة وتطوير المدن، وتكون الطبقة الوسطى الصاعدة داخل تلك المدن، وتشيكل أيديولوجيتها البرجوازية على أنقاض الأيديولوجيا الأرسطقراطية البالية، التي انتهى دورها التاريخي بانتهاء الدور التاريخي للإقطاع، مما أفضى إلى إحداث نقلة نوعية على كافة المستويات، الفكرية، والاجتماعية، والفلسفية، والسياسية، والثقافية، والفنية، والتكنولوجية، وذلك بما سُميَّ (عصر النهضة الأوروبية) خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، والذي نشأ في إيطاليا ثم انتقل إلى باقي دول أوروبا.
كما أوضحنا كيف تزامن ذلك كله مع الاحتلال العثماني الكارثي لمصر عام 1517م، وإدخالها تحت براثن حكم الإمبراطورية العثمانية الظلامية، وفرض العزلة التامة عليها، مما أضاع عليها فرصة مواكبة تلك التغيرات التاريخية الهائلة.
ثم تعرفنا على (عصر التنوير الأوروبي)، الذي نشأ خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقدمنا أهم رواده وعرضنا أهم منجزاتهم، وتطرقنا لخصائصه، وألقينا الضوء على القيم الرئيسة التي تشكلت خلاله، وبيَنّا (وسائل نشر) أفكار عصر التنوير الأوروبي،وأوضحنا الفروق الهائلة بين تطور المجتمع الأوروبي، وبين جمود واضمحلال وتجريف الأمة المصرية إبان حقبة الاستعمار العثماني، الذي تزامن مع عصري النهضة والتنوير الأوروبيين؛ وأحدث بذور (الفجوة الحضارية) الهائلة بيننا وبين المجتمعات الأوروبية، تلك الفجوة التي أخذت تتسع لاحقًا بوتيرة متسارعة.
وإبان عصري النهضة والتنوير الأوروبيين، انتفى مفهوم الإمبراطوريات في أوروبا، وانتفى معه مفهوم الغزوات والغارات، والحملات الأستيطانية، وظهر على أنقاضه مفهوم (الدولة القومية)، ذات الحدود الجغرافية المقدسة، الذي انتشر في كافة دول أوروبا.
وحتى ذلك الحين؛ كان الإنتاج الصناعي الرأسمالي يتم من أجل تلبية الطلب المحلي للسكان داخل دول أوروبا، مما أفضى إلى انشغال الغرب بالتطور والتقدم، وتسخير كل إمكاناتهم في بناءوتطوير النظام الاقتصادي الرأسمالي الجديد، وتوظيف الأموال الطائلة الناتجة عن توسع التجارة الخارجية بعد الاكتشافات الجغرافية، في بناء الصناعات الكبيرة، وبناء وتطوير المدن،وتكوين الجيوش الوطنيةالموحدة الحديثة، والتوسع الهائل في بناء المدارس والجامعات… وغيره.
وأود في هذا الفصل؛ إلقاء الضوء على اللقاء الأول، بين الأمة المصرية، والمجتمع الغربي الرأسمالي (الحديث)، بواسطة الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، وما أحدثته من صدمة حضارية لدى لمصريين.
نتيجة للتغيرات النوعية الهائلة التي حدثت في أوروبا، في كافة مجالات الحياة، إبان عصري النهضة والتنوير الأوربيين [كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل]؛ تجاوزت أوروبا العصور الوسطى تمامًا، وأدلجت إلى العصر الحديث، وأصبحت مركز النظام العالمي الجديد، والقوة الاقتصادية الأكبر فيالعالم آنذاك، وقلب الحضارة الحديثة، ومنارة العالم، ومن ثم أصبحت تمثل الريادة العالية، وتمتلك عناصر القوة المادية والناعمة، المؤثرة عالميًا.
وبرزكل من فرنسا وبريطانيا كنموذج مكتمل للدولة القومية الحديثة، والأكثر ثراءً وقوة داخل منظومة الرأسمالية الغربية، أي أصبحتا مركز الرأسمالية العالمية، ولأن (المنافسة)جوهرالنظام الرأسمالي؛ فكان التنافس أكثر حدةبين قطبي النظام العالمي الجديد آنذاك، فرنسا، وبريطانيا.
وعندما ضاقت الأسواق المحلية عن استيعاب المنتجات الرأسمالية، المتدفقة نتجية للثورة الصناعية؛ كان البحث عن (أسواق خارجية) لاستيعاب تلك المنتجات الهائلة والمتنوعة، والبحث عن مواد خام أولية رخيصة لعمليات التصنيع، وما يتطلبه ذلك من تدخلات عسكرية لتحقيق هذا الأمر، إذا تعذر تحقيقه بالتراضي، أو الهيمنة السياسية.
ومن أجل (الاستمرار في السوق)؛كان التنافس على تلك الأسواق الخارجية، باعتبارها طوق النجاة للرأسمالية الغربية، التي ظهرت أزماتها الدورية (بين الكساد والتضخم)، وأيضا من أجل السيطرة على ثروات تلك المستعمرات، من المواد الخام الأولية الرخيصة، اللازمة لعمليات التصنيع.
تطور التنافس على الأسواق الخارجية إلى (صراع) بين الدول الأوروبية الحديثة، وخاصة بينقطبي مركز الرأسمالية الغربية، فرنسا، وبريطانيا،اللذان سعيا إلى تصدر مركز منظومة الرأسمالية العالمية، وكانت تلك هي الأسباب الرئيسة لأغلب الممارسات الاستعمارية في العصر الرأسمالي الحديث، وكانت بدايته الكشوف الجغرافية والاستيلاء على العالم الجديد (المُكتشّف) وإبادة شعوب بأكملها مثل الهنود الحمر، ونهب ثروات تلك المستعمرات، وما أدت إليه من حروب طاحنة.
وبذلك كانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م؛ حلقة من حلقات (التنافس) الغربي خارج حدوده القومية، من أجل فتح (أسواق جديدة) لمنظومة الرأسمالية الغربية، بعد الثورة الصناعية، والتوسع في الإنتاج وتطوره.
والحملة الفرنسية؛ هي حملة عسكرية قام بها الجنرال نابليون بونابرت على مصر والشام (1798-1801م)، بهدف توفير رؤوس الأموال اللازمة لتطور واستمرار الرأسمالية الفرنسية،والسيطرة على الطرق التجارية البحرية القادمة من الهند إلى الشرق الأوسط، وفتح الطريق أمام أسواق جديدة لتصريف البضائع والسلع الفرنسية، وأيضًا لاستغلال موارد الشرق في غزواته في أوروبا،وذلك عن طريق إقامة قاعدة في مصر، تكون نواة لإمبراطورية فرنسية في الشرق من ناحية، وقطع الطريق بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند من ناحية أخرى، وهذا في إطار الصراع (الأنجلو فرنسي) الطويل على مصر، وتزامن ذلك مع الضعف الشديد للدولة العثمانية الظلامية.
ولكن السبب الذي أعلنته الحكومة الفرنسية؛ هو رغبتها في حماية رعاياها وتجارها في مصر، وتأمين الرعاية لهم، بسبب كثرة اعتداءات المماليك الموالين لإنجلترا على التجار الفرنسيين واضطهادهم!!.
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الحكومة الفرنسية كانت تريد إبعاد نابليون بونابرت عن باريس، للقضاء على شهرته وقوته المتنامية، فأرسلته في حملة عسكرية إلى مصر.
ولعل من المهم أن يتم التعرف على تاريخ العلاقات بين مصر وفرنسا،إبان حقبة الاستعمار العثماني لمصر، إذ تؤكد الكثير من الوثائق مدى إهتمام فرنسا بمعرفة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، قبل قدوم الحملة الفرنسية بفترة طويلة.
تُعدّ الحملة الفرنسية على مصر؛ أول عملية عسكرية يشنها الغرب على دولة في الشرق الأوسط، منذ حروب الإفرنج إبان العصور الوسطى الأوروبية، التي بدأت فعليا يوم السابع والعشرينمن نوفمبر عام 1095م، ووصل عددها لنحو ثماني حملات عسكرية، بين تاريخ أول حملة عام 1095م، وآخر حملة عام 1291م.
واختصت مصر بحملتين فرنسيتين ضمن غزوات الإفرنج تلك، عُرفّت الحملة الأولى بحملة الإفرنج الخامسة عام 1221م، وكانت بقيادة (جان دي برس) ولكنها فشلت، وأما الأخرى فقد عُرفّت بحملة الإفرنج السابعة عام 1250م، وكانت بقيادة الملك (لويس التاسع)، ومُنيّت بهزيمة مدوية، وخرجت من مصر، وذلك لأن مصر كانت قوة عالمية كبرى، ونِدًا للقوى المتواجدة عالميًا آنذاك، وذلك قبل التفوق الغربي الهائل، بتجاوزه العصور الوسطى ودخوله العصر الحديث، بنظام اقتصادي وليد وهو (النظام الرأسمالي)، وبإنجازة عصري النهضة والتنوير الغربيين.
أخذت فرنسا تتطلع إلى المشرق العربي للأسباب التي ذكرناها،وكشفت تقارير سانت بريست سفير فرنسا في الآستانة منذ سنة (1768م)،والبارونفرانسوا دى توت، والمسيو مور قنصل فرنسا في الإسكندرية، كشفت ضعف الدولة العثمانية، وأنها في سبيلها إلى الانحلال، ودعت تلك التقارير إلى ضرورة الإسراع باحتلال مصر، غير أن الحكومة الفرنسية ترددت ولم تأخذ بنصائحهم، احتفاظًا بسياستها القائمة على الود والصداقة للدولة العثمانية، والتي وصلت لمساندة فرنسا للعثمانيون في حربهم ضد الروس، وذلك رغم العزلة التي فرضها العثمانيون على ولاياتهم، ومن ضمنها مصر.
وكان البارون فرانسوا دى توت؛ قد سافر في أرجاء الدولة العثمانية، حيث زار المدن الساحلية المطلة على البحر المتوسط، وخاصة الإسكندرية، وحلب، وسميرنا، وسالونيك، وتونس، كما درس المنطقة لإنشاء قناة في السويس، ونُشرت مذكرات فرانسوا في أربع مجلدات، وأرسله لويس السادس عشر إلى مصر والشام، بدعوى أنه قادم لعمل أبحاث فلكية وعلمية، ولكن كانت مهمته الحقيقية هى رسم خرائط شاملة ودقيقة لسواحل مصر وسوريا وجزر اليونان، كما قام بدراسة متعمقة للساحل المصرى بين الإسكندرية وأبو قير، لمعرفة النقطة الأصلح لإنزال الجنود الفرنسيين إلى البر، واصطحب فرانسوا معه ضابط من البحرية الفرنسية لدراسة عمق السواحل ومعرفة صلاحية سير السفن بها، ثم لاحقًا قامت هذه البعثة المتنكرة برسم خريطة للقاهرة والسويس.
كما تظهر وثيقة شديدة الأهمية عن حلم نابليون بحفر (قناة السويس)، وعدم إضاعة قطرة واحدة من ماء النيل، إذا قيد له أن يحكم مصر طويلًا، وأن يجعل من مصر قاعدة لإمبراطورية هائلة شرق السويس تمتد حتى إيران وأفغانستان: “فأنا لست أقل من الإسكندر الأكبر. رغم حزني الشديد لأن الإسكندر غزا مصر في سن السادسة والعشرين بينما أنا في الثامنة والعشرين”.
قبل قيام الحملة الفرنسية على مصر، قدم (شارل مجالون) القنصل الفرنسي في مصر تقريره إلى حكومته في التاسع من فبراير 1798م، يحرضها على ضرورة احتلال مصر، ويبين أهمية استيلاء بلاده على منتجات مصر وتجارتها، ويعدد لها المزايا التي يُنتَظّر أن تجنيها فرنسا من وراء ذلك، وبعد أيام قليلة من تقديم تقرير مجالون؛ تلقت حكومة فرنسا تقريرًا آخر من (تاليران) وزير الخارجية، عرض فيه للعلاقات التي قامت من قديم الزمن بين فرنسا ومصر، وبسط الآراء التي تنادي بمزايا الاستيلاء على مصر، وقدم الحجج التي تبين أن الفرصة قد أصبحت سانحة لإرسال حملة على مصر، ودعا إلى مراعاة تقاليد أهل مصر وعاداتهم وشعائرهم الدينية.
وكان من أثر هذين التقريرين؛ أن نال موضوع غزو مصر اهتمام (حكومة الإدارة) التي قامت بعد الثورة الفرنسية عام 1789م، وخرج من مرحلة النظر والتفكير إلى حيز العمل والتنفيذ، وأصدرت قرارها التاريخي؛ بوضع جيش الشرق تحت قيادة نابليون بونابرت،في الثاني عشر من أبريل 1798م.
وتضمن القرار مقدمة وست مواد؛ اشتملت المقدمة على الأسباب التي دعت حكومة الإدارة إلى إرسال حملتها على مصر، وفي مقدمتها عقاب المماليك الذين أساءوا معاملة الفرنسيين واعتدوا على أموالهم وأرواحهم!!، والبحث عن طريق تجاري آخر، بعد استيلاء الإنجليز على طريق رأس الرجاء الصالح، وتضييقهم على السفن الفرنسية في الإبحار فيه، وشمل القرار تكليف نابليون بطرد الإنجليز من ممتلكاتهم في الشرق، وفي الجهات التي يستطيع الوصول إليها، وبالقضاء على مراكزهم التجارية في البحر الأحمر والعمل على شق قناة برزخ السويس.
كانت محاولة الانفصال التي قام بها علي بك الكبير، وانتصارت جيشه الكبيرة وتوسعه داخل أراضي الإمبراطورية العثمانية الشاسعة، كما أوضحنا سابقًا، كانت ملمحًا هامًا من ملامح الضعف الشديد للإمبراطورية العثمانية وأفول قوتها، وتشجيعًا للإمبراطورية الفرنسية لتحقيق حلمها بالاستلاء على مصر، تمهيدًا لإنشاء إمبراطورية في الشرق تكون قاعدتها مصر، وبذلك كانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1789م.
جرت الاستعدادات لتجهيز الحملة الفرنسية، وكان قائد الحملة الجنرال نابليون بونابرت يشرف على التجهيز، ويتخير بنفسه القادة والضباط،وأقلت تلك السفن على متنها أكثر من مائة وستين مدنيًا، من بينهم مهندسون،ومعماريون، وعلماء فلك، وعلماء نبات، ومهندسون، ورسامون، وأطباء، ومستشرقون، وجغرافيون،وعني نابليون بتشكيل لجنة من العلماء عُرفت باسم (لجنة العلوم والفنون)، ضمت عالم الرياضيات غاسبار مونج، والمخترع العبقري نيكولا جاك كونتيه، والكيميائي كلود لوي بيرتوليه، كما جمع نابليون كل حروف الطباعة العربية الموجودة في باريس، لكي يزود الحملة بمطبعة خاصة بها.
لقد تمت التعمية على الجهة التي يقصدها الأسطول، حتى إن الرجال كلهم (تقريبًا) والبالغ ستة وثلاثين ألف مقاتل، تحملهم ثلاثمائة سفينة، ويحرسهم أسطول حربي فرنسي مُؤلّف من خمسة وخمسين سفينة، ومدفعية، لم يكونوا يعلمون وجهة الأسطول، وفي بيان له سمات خاصة وجه نابليون (لجيش الشرق الجديد)، أشار إليه؛ بأنه مجرد جناح للجيش الفرنسي المُعدّ لغزو إنجلترا، وطلب من البحارة والجنود أن يثقوا به، رغم أنه لا يستطيع حتى الآن أن يحدد المهام المُوكلة إليهم.
وفي التاسع من يونيو 1798م؛ ظهر الأسطول الفرنسي إزاء سواحل مالطا، وكانت حكومة الإدارة قد قدمت رشوة لرئيس جماعة فرسان مالطا، وذوي الشأن فيهم، لتكون مقاومتهم شكلية، ونتيجة لهذا استولى الفرنسيون على الحصن المنيع الممول جيدًا في هذه الجزيرة بسهولة، ولم يفقدوا في سبيله سوى ثلاثة رجال، وتأخر نابليون في الجزيرة أسبوعًا، ليعيد تنظيم إدارة الجزيرة على نمط الإدارة الفرنسية، وقد عانى دوار البحر طوال فترة الإبحار إلى الإسكندرية، وفي هذه الأثناء درس القرآن.
وعلى الرغم من السرية التامة التي أحاطت بتحركات الحملة الفرنسية وبوجهتها، فإن أخبارها تسربت إلى بريطانيا العدو اللدود لفرنسا، وبدأ الأسطول البريطاني يراقب الملاحة في البحر المتوسط، واستطاع نيلسون قائد الأسطول الإنجليزي الوصول إلى ميناء الإسكندرية، قبل وصول الحملة الفرنسية بثلاثة أيام، وأرسل بعثة صغيرة للتفاهم مع السيد محمد كريم حاكم المدينة، وإخباره أنهم حضروا للتفتيش عن الفرنسيين الذين خرجوا بحملة كبيرة، وقد يهاجمون الإسكندرية التي لن تتمكن من دفعها ومقاومتها، لكن السيد محمد كريم ظن أن الأمر خدعة من جانب الإنجليز، لاحتلال المدينة تحت دعوى مساعدة المصريين لصد الفرنسيين، وأغلظ القول للبعثة؛ فعرضت عليه أن يقف الأسطول البريطاني في عرض البحر لملاقاة الحملة الفرنسية، وأنه ربما يحتاج للتموين بالماء والزاد في مقابل دفع الثمن، لكن السلطات رفضت هذا الطلب.
وتَوقُع بريطانيا أن تكون وجهة الحملة الفرنسية إلى مصر العثمانية؛ دليل على عزمها على اقتسام مناطق النفوذ في دولالمشرق، وتسابقهما في اختيار أهم المناطق تأثيرًا فيه، لتكون مركز ثقل السيادة والانطلاق منه إلى دول المشرق، ولم يكن هناك دولة أفضل من مصر لتحقيق هذا الغرض الاستعماري.
وصلت سفن الأسطول الفرنسي إلى مشارف الإسكندرية في الثلاثينمن يونيو 1798م، وفي صباح اليوم الأول من يوليو 1798م زحف الجيش باتجاه المدينة وحاصرها، وبعد مقاومة استمرت بضع ساعات من جانب أهلها وحاكمها محمد كريم،تسلح خلالها المصريون بالعصي، والرماح، والبنادق القديمة، في مواجهة الأساليب العسكرية الحديثة للفرنسيين، والأسلحة المتقدمة التي لم يراها المصريون من قبل من المدفعية والبنادق الحديثة والحراب المثبتة والكثير غيرها، وظل محمد كريم يتقهقر، ثم اعتصم بقلعة قايتباي، ومعه مجموعة من المقاتلين، وأخيرًا استسلم وكف عن القتال، وتمكن نابليون من احتلال الإسكندرية في اليوم التالي.
وعزا الجبرتي هذه الهزيمه المُخزية إلى حالة الجند السيئة بقوله: “ولكن الجند متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آرائهم، حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في رئيسهم، مفترون بجمعهم، محتكرون شأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم، مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم”.
وراح نابليون يذيع منشورًا على أهالي مصر، تحدث فيه عن سبب قدومه لغزو بلادهم (حسب زعمه)، وهو تخليص مصر من طغيان البكوات المماليك، الذين يتسلطون في البلاد المصرية، وأكد في منشوره على احترامه للإسلام والمسلمين، وبدأ المنشور بالشهادتين، وحرص على إظهار إسلامه وإسلام جنده كذبًا وزورًا، وشرع يسوق الأدلة والبراهين على صحة دعواه، وأن الفرنسيين هم أيضًا مسلمون مخلصون، فقال: إنهم قد نزلوا روما، وخربوا فيها كرسي البابا، الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة المسلمين، وأنهم قد قصدوا مالطة، وطردوا منها فرسان القديس يوحنا، الذين كانوا يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين.
وفي مساء يوم الثالث من يوليو1798م؛ زحفت الحملة على القاهرة، وسلكت طريقين؛ أحدهما بري وسلكته الحملة الرئيسة، حيث تسير من الإسكندرية إلى دمنهور فالرحمانية، فشبراخيت، فأم دينار على مسافة خمسة عشر ميلًا من الجيزة، وأما الطريق الآخر فنهري، وتسلكه سفن الأسطول الخفيفة في فرع رشيد، لتقابل الحملة البرية قرب القاهرة، وقابلت مقاومة متفرقة من قبل أهالي البلاد،وﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺒﺤﻴﺮﺓ ﺃﻭﻝ ﻣﺪﻳﺮﻳﺔ ﺍﺟﺘﺎﺯﻫﺎ ﺍﻟﺠﻴﺶ الفرنسي في ﺯﺣﻔﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ، ولاﻗﺖ الحملة ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﺟﺘﻴﺎﺯها مقاومة متفرقة من ﺭﺟﺎﻝ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ في البحيرة.
وفي الثالث عشر من يوليو 1798م؛ وقعت أول موقعة بحرية عند (شبراخيت)، ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟفرنسي وﺟﻴﺶ ﻣﺮﺍﺩ ﺑﻚ قائد المماليك، ﻭﺗﻌﺪﺍﺩﻩ اثني عشر ﺃﻟفا، ﻣﻨﻬﻢ ثلاثة ﺁﻻﻑ ﻣﻦ ﻓﺮﺳﺎﻥ ﺍﻟﻤﻤﺎﻟﻴﻚ، ﻭﺍﻟﺒﺎقي ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻼﺣﻴﻦ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻴﻦ، ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺗﺴﻠﺤﻮﺍ ﺑﺎلعصي، والرماح، ﻭﺍﻟﺒﻨﺎﺩﻕ ﺍﻟﻘﺪيمة، ورغم المعاناة الكبيرة للجيش الفرنسي في هذه المعركة، فإنه ﺍﻧﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﻴﺶ ﻣﺮﺍﺩ ﺑﻚ نتيجة جهل هذا الأخير باﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ في ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ، واضطر مراد بك إلى التقهقر صوب القاهرة.
شهدت منطقة إمبابة، الواقعة شمالي محافظة الجيزة، على الجانب الغربي من نهر النيل، معركة بين الجيشين الفرنسي والمملوكي يوم الحادي عشر من يوليو 1798م، سُميّت (معركة الأهرامات) نظرًا لأن الجيوش كانت تمتد من إمبابة إلى الأهرامات، ومرة أخرى واجه الفرنسيون هذا الهجوم بطلقات المدافع والبنادق الحديثة والحراب المثبتة، وانتهت بهزيمة ساحقة للمماليك، حيث قُتلّ ألف وخمسمائة مملوك، وغرق كثيرون منهم في النيل أثناء هروبهم الطائش، في حين قُتلّ سبعون فرنسيًا.
وانقسم الجيش المملوكي إلى قسمين، قسم انسحب وفر إلى منطقة الصعيد بقيادة مراد بك ومن فر معه من المماليك، وآخر انسحب وفر إلى الشام بقيادة إبراهيم بك والوالي إبراهيم باي، وأصبحت القاهرة بدون حامية، ودخل نابليون مدينة القاهرة تحوطه قواته من كل جانب، وبهذا يكون قد استولى نابليون على أغنى إقليم في الإمبراطورية العثمانية.
وفي الثاني والعشرين من يوليو 1798م، أرسلت السلطات العثمانية في القاهرة مفاتيح المدينة إلى نابليون، مما يعني الاستسلام، وفي الثالث والعشرين من يوليو دخل نابليون القاهرة، من غير أن يواجه مقاومة!!.
بعد أن دخل نابليون المدينة؛ أعلن بها الأمان، ووجه نداءًا في اليوم ذاته إلى الشعب المصري، وبسبب معرفتهم الجيدة لأحوال مصر آنذاك؛ استنسخ الفرنسيون التجربة العثمانية، ولكن بطريقة هزلية، فاعتنق نابليون الإسلام، وأصبح صديق وحامي المسلمين، وهذه رسالة نابليون بونابرت الذي دعاه العلماء المسلمون باسم (الجنرال علي) إلى شعب مصر: “بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده ولا شريك له في ملكه، أيها المشايخ والأئمة… قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى، وخربوا فيها كرسي البابا، الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطا، وطردوا منها الكوالليرية، الذين كانوا يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك فإن الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني.. أدام الله ملكه… أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله إجلال العسكر الفرنساوية، لعن الله المماليك، وأصلح حال الأمة المصرية”.
وهكذا كان نزول الفرنسيين إلى مصر، واستطاعتهم سحق الجيش المملوكي الذي فر مذعورًا، ودخول القاهرة؛ كان صدمة مروعة للمصريين، حتى وصف الجبرتي هذا بأنه: “اختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع”، وكذلك، فإن هذا الاحتلال الخاطف والمخزي؛ كان دليلًا على ما وصلت إليه السلطنة العثمانية من الضعف الشديد….. ونستكمل.
المراجع:
01- كتاب (الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر) – تأليف محمد فؤاد شكري، صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 2013م.
02- كتاب (الحملة الفرنسية على مصر) -تأليف محمد عودة -دار الثقافة الجديدة 1999م.
03- كتاب (وثائق الحملة الفرنسية 1798م) -تأليف محمد عبد الحميد الحناوي- موقع (كتبي PDF).
04- كتاب الجبرتي (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) – مؤسسة هنداوي إصدار 2012م.
05- كتاب (مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية) -تأليف جوزيف ماري – ترجمة كاميليا صبحي -الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 1012م.
06- كتاب (الحملة الفرنسية في مصر.. بونابرت والإسلام) -تأليف هنري لورنس – ترجمة بشير السباعي – دار سينا للنشر 1995م.
07- كتاب (مصر: ولع فرنسي) -تأليف روبير سوليه – ترجمة لطيف فرج – مكتبة الأسرة 1999م.
08- كتاب (ليل الخلافة العثمانية الطويل.. سيرة القتل المنسية) – محسن عبد العزيز – صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 2021م.
09- كتاب (مصر في العصر العثماني 1517-1798م) – كمال حامد مغيث – مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان 1996م.
10- كتاب (تاريخ مصر الإسلامية) – جمال الدين الشيال – دار المعارف – القاهرة 1966م.

التعليقات