ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى تطور مفهوم الحرية وذلك عن ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، والليبرالية الكلاسيكية، والليبرالية الاجتماعية، والليبرالية الجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيون، والحملة الفرنسية، ومقالتي هذه عن “لحظة الوعي المصرية الأولى”.
كما أوضحنا سابقًا، أدت الحملة الفرنسية على مصر(1798-1801) إلى يقظة الشعب المصري، واكتشافه للفجوة الهائلة التي تفصله عن الحضارة الغربية الحديثة، كما أدت إلى إدراكه لذاته التي أوصلته إلى اختيار حاكمه للمرة الأولى بإرداته الحرة، ممثلًا في “محمد علي” الذي ولد لأسرة ألبانية في مدينة “قولة” التابعة لمحافظة مقدونيا شمال اليونان عام 1769، وحين قررت الدولة العثمانية إرسال جيش إلى مصر لانتزاعها من أيدي الفرنسيين بعد ترنح الحملة الفرنسية، كان هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتي كان قوامها ثلاثمائة جندي، ثم أصبح قائدًا للكتيبة، واستطاع أن يعتلي عرش مصر عام 1805 بعد أن بايعه أعيان البلاد ليكون واليًا عليها، وذلك بعد أن ثار الشعب على سلفه الوالي العثماني “خورشيد باشا”، ومكنه ذكاءه واستغلاله للظروف المحيطة به من أن يستمر في حكم مصر حتى عام 1848م، وخلال فترة حكمه استطاع أن ينهض بمصر صناعيًا وزراعيًا وتجاريًا وتعليميًا وعسكريًا، مما جعل من مصر دولة ذات ثقل في تلك الفترة، وفي سبيل ذلك خاض صراعات داخلية عديدة في بداية حكمه، كانت أهمها ضد المماليك، فبالرغم من أن محمد علي استطاع هزيمة المماليك، وإبعادهم إلى جنوب الصعيد، إلا أنه ظل متوجسًا من خطورتهم، فاستغل أمرًا من السلطان العثماني “مصطفى الرابع”، بتجريد حملة لمحاربة الوهابيين الذين سيطروا على الحجاز والحرمين الشريفين، وبالتالي هددوا السلطة الدينية للدولة العثمانية (صاحبة السيادة الشكلية على مصر)، وكان في تجريد تلك الحملة ورحيل جزء كبير من قوات محمد علي خطر كبير على استقرار أوضاعه في مصر، وخاصة بعد تمركز المماليك على مشارف القاهرة، فدبر لهم مذبحة القلعة الشهيرة التي قتل فيها أغلب زعماء المماليك وعددهم أربعمائة وسبعون مملوك، وبعد ذلك أسرع الجنود بمهاجمة بيوت المماليك، والإجهاز على من بقي منهم، وقد قُدر عدد من قُتلوا في تلك الأحداث نحو ألف مملوك.. وفي إطار الصراع الإنجلو فرنسي على مصر، وجهت إنجلترا حملة من خمسة آلاف جندي بقيادة الفريق أول “فريزر” لاحتلال الإسكندرية، ولكن تمكن محمد على من إفشالها مما أكسبة قوة وشعبية.. كما سعى محمد علي إلى الانفراد بالحكم والتخلص من الزعامة الشعبية التي مكنته من الحكم شريطة أن يحكم بالعدل، وأن تكون لهم سلطة رقابية عليه، إلا أن ذلك لم يدم، فبمجرد أن بدء الوضع في الاستقرار النسبي داخليًا، وفشل حملة فريزر وهزيمة المماليك وإقصائهم إلى جنوب الصعيد، حتى وجد محمد علي أنه لن تُطلق يده في الحكم، حتى يزيح الزعماء الشعبيين، فأمر بنفي عمر مكرم من القاهرة إلي دمياط، وبذلك اختفت الزعامة الشعبية الحقيقية من الساحة السياسية، وحل محلها مجموعة من المشايخ الذين كان محمد علي قادرًا على السيطرة عليهم، ونود الإشارة هنا إلى أن سهولة تخلص محمد على من الزعامة الشعبية تتعلق في الأساس إلى هشاشة تكوين البرجوازية المصرية آنذاك وخاصة الطبقة الوسطى التي لم تكن تملك من أمرها شيئًا، وترتبط بشكل كامل بالسلطة الحاكمة المستبدة، وذلك على عكس ما نشأت عليه الطبقة الوسطى الغربية كما أشرنا سابقًا، مما أكسبها قوة وكيانًا مستقلًا جعلها صاحبة القوة والتأثير الأكبر في المجتمع، فاقت في حالات كثيرة قوة وتأثير ملوك أوروبا، وكانت بذلك نواة البرجوازية الغربية الحاكمة فيما بعد، وسيادة ايدولوجيتها الجديدة وفي مقدمتها قضية الحرية التي وجدت فيها وسيلة للوصول إلى السلطة، وأداة لتطوير وتقدم مجتمعاتهم وخلق عصر جديد، وبتخلص محمد على من الزعامة الشعبية خضعت له مصر بالكامل، ثم خاض حروبًا بالوكالة عن الدولة العثمانية في جزيرة العرب ضد الوهابيين وضد الثوار اليونانيين الثائرين على الحكم العثماني في المورة، كما وسع دولته جنوبًا بضمه للسودان، وبعد ذلك تحول لمهاجمة الدولة العثمانية حيث حارب جيوشها في الشام والأناضول، وكاد يسقط الدولة العثمانية، لولا تعارض ذلك مع مصالح الدول الغربية التي أوقفت محمد علي وأرغمته على التنازل عن معظم الأراضي التي ضمها.
ولأن الحرية هي لحظة وعي بالذات ينتج عنها تغيير حقيقي في حياة الإنسان فردًا كان أو مجتمعًا، فقد تحققت في فكرنا الحديث للمرة الأولى علي يد محمد علي الذي استطاع نتيجة إدراكه لقيمة الحرية كإرادة واختيار أن يؤسس مجتمعًا حديثًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بغض النظر عن كونه كان مؤمنًا بالحرية كفرد، أم كان حاكمًا مستبدًا، يرى أن المجتمع الجاهل غير مؤهل بعد للحرية وهو يرسف في أغلال الجهل والمرض والتخلف، وبالتالي لا يعي معنى الحرية ولا يمكنه ممارستها علي النحو الصحيح إلا في ظل مجتمع حديث تتحقق له شروط السيادة والقوة، ولا بد له من الانكفاء علي ذاته في عملية تحديث مستمرة حتى يحقق قاعدة مادية تمكنه من البناء عليها في مسيرته نحو التقدم والازدهار، لذا اتجه محمد علي إلى بناء دولة عصرية على النسق الأوروبي في مصر، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين، ومنذ البداية أدرك محمد علي أنه لتحقيق أهدافه التوسعية، لا بد له من تأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة، تكون بمثابة الأداة التي تحقق له تلك الأهداف، وبعد فشله في تدريب عدد من جنوده الأرناؤوط الألبان وتمردهم عليه عام 1815م، أيقن أنه لا يمكنه الاعتماد على مثل هؤلاء الجند، وفي عام 1820 أنشأ مدرسة حربية في أسوان، وألحق بها ألفًا من مماليكه ومماليك كبار أعوانه، ليتم تدريبهم على النظم العسكرية الحديثة على يد ضابط فرنسي يدعى “جوزيف سيڤ”، وبعد ثلاث سنوات من التدريب نجحت التجربة وتخرجت تلك المجموعة ليكون هؤلاء الضباط النواة التي بدأ بها الجيش النظامي المصرى بعد ذلك، وبعد فشل تجربة الاعتماد على الجنود السودانيين لاختلاف المناخ، لم يكن أمامه إلا الاعتماد على المصريين الذين قاوموا ذلك في البداية ولكنهم سرعان ما تجاوبوا مع الوضع الجديد واستشعروا تحت راية الجيش بالكرامة وبحياة مأمونة، وبذلك أصبح لدى مصر جيش نظامي بدأ يتزايد باطراد حتى بلغ 236 ألف جندي وضابط في إحصاء تم عام 1839، وكانت أول مشاركات هذا الجيش في حرب المورة، التي أظهرت ما وصلت إليه العسكرية المصرية، وهو ما جعل لها شأنًا بين القوى العسكرية المعاصرة، وقد اعتمد عليه إبراهيم باشا في حملته على الشام والأناضول، وفي عام 1829 أمر ببناء “ترسانة الإسكندرية” على النمط الأوروبي الحديث، فاستغنت مصر عن شراء السفن من الخارج، كما توسع محمد علي في التعليم العسكري بإنشاء المدارس والأكاديميات العسكرية، ومعسكر لتدريب جنود الأسطول على الأعمال البحرية، وإتجه إلى إنشاء مصانع للأسلحة والمعامل الحربية في مصر.. وكانت أهم دعائم دولته العصرية سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة، حيث كان يؤمن بأنه لن يستطيع أن ينشئ قوة عسكرية على الطراز الأوروبي المتقدم ويزودها بكل التقنيات العصرية وأن يقيم إدارة فعالة واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها إلا بإيجاد تعليم عصري يحل محل التعليم التقليدي، وفي هذا الصدد كتب القنصل الروسي في القاهرة “دوهاميل” في تقريره عن حالة البلاد عندما تولى محمد علي الحكم عام 1805 يقول “إن مصر حين وليها محمد علي لم يكن بها أكثر من مائتين يعرفون القراءة والكتابة، باستثناء الكتبة من القبط”، لذا بدأ محمد علي بإرسال طائفة من الطلبة الأزهريين إلى أوروبا ليكونوا النواة لبدأ تلك النهضة العلمية، لدراسة العلوم العسكرية والإدارية والزراعية والطب والتاريخ الطبيعي والمعادن والكيمياء والعمارة والهندسة والطباعة وصناعة الأسلحة، كما أسس المدارس الابتدائية والعليا لإعداد أجيال متعاقبة من المتعلمين الذين تعتمد عليهم دولته الحديثة، وأنشأ العديد من الكليات في الهندسة والطب والمعادن والزراعة والمحاسبة والطب البيطري والفنون والصنايع واللغات (مدرسة الألسن) وكانت يطلق عليها آنذاك “المدارس العليا”، كما أنشأ محمد علي “ديوان المدارس” عام 1837، لتنظيم التعليم بالمدارس وقد بلغ مجموع طلاب المدارس العليا نحو 4500 طالب.. كما أمر محمد علي بتوجيه ثلاث حملات بقيادة البكباشي سليم القبطان أعوام 1839 و1840 و1841 لاستكشاف منابع النيل، وكان لتلك الحملات الفضل الكبير في استكشاف تلك المناطق ومعرفة أحوالها.. ولكي يحقق محمد علي الاستقلال السياسي، كان في حاجة إلى إنماء ثروة البلاد وتقوية مركزها المالي، لذا عمد إلى تنشيط النواحي الاقتصادية لمصر ببناء قاعدة صناعية قوية وحديثة، وكانت دوافعه للقيام بذلك في المقام الأول توفير احتياجات الجيش، فأنشأ عددًا من مصانع الغزل والنسيج والأقمشة الحريرية والصوف والكتان والطرابيش ومعامل لسبك الحديد ومعامل لإنتاج السكر والزيوت ومصانع النيلة والصابون ودباغة الجلود والزجاج الصيني للشمع، كما كان لإنشاء الترسانة البحرية دورًا كبيرًا في صناعة السفن التجارية.. واهتم محمد علي بالزراعة، فاعتنى بالري وشق العديد من الترع وشيد الجسور والقناطر، كما زاد من رقعة الأرض الزراعية، ووسع نطاق الزراعة مثل التوت لإنتاج الحرير الطبيعي، والزيتون لإنتاج الزيوت، كما غرس الأشجار لتلبية احتياجات بناء السفن وأعمال العمران، وفي عام 1821 أدخل زراعة صنف جديد من القطن يصلح لصناعة الملابس، بعد أن كان الصنف الشائع لا يصلح إلا للاستخدام في التنجيد.. وبعد أن ازدادت حاصلات مصر الزراعية وخاصة القطن، اتسع نطاق تجارة مصر الخارجية، كما لعب إنشاء الأسطول التجاري وإصلاح ميناء الإسكندرية وتعبيد طريق السويس-القاهرة وتأمينه لتسيير القوافل، دورًا في إعادة حركة التجارة بين الهند وأوروبا عن طريق مصر، فنشطت حركة التجارة الخارجية نشاطًا عظيمًا.. حكم محمد علي مصر حكمًا أوتوقراطيًا مع ميل لاستشارة بعض المقربين قبل إبرام الأمور، إلا أنه اختلف عن الحكم الاستبدادي للعثمانيين ومعاونيهم من المماليك في أنه كان يخضع لنظام إداري بدلًا من الفوضى التي سادت في عصر العثمانيين، فقد أسس محمد علي مجلسًا حكوميًا عرف باسم “الديوان العالي” مقره القلعة يترأسه نائب الوالي محمد علي، ويخضع لسلطة هذا الديوان دواوين تختص بشؤون الحربية والبحرية والتجارة والشؤون الخارجية والمدارس والأبنية والأشغال، كما أسس مجلسًا للمشورة يضم كبار رجال الدولة وعددًا من الأعيان والعلماء، ينعقد كل عام ويختص بمناقشة مسائل الإدارة والتعليم والأشغال العمومية، وفي عام 1837، وضع محمد علي قانونًا أساسيًا عرف بقانون “السياستنامة” يحدد فيه سلطات كل ديوان من الدواوين الحكومية.. وإداريًا قسم محمد علي مصر إلى سبع مديريات، أربعة في الوجه البحري، وواحدة في مصر الوسطى واثنتان في مصر العليا، إضافة إلى خمس محافظات وهي القاهرة والإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس.. وماليًا ألغى محمد علي نظام “الالتزام” الذي كان يسمح لبعض الأفراد الذين يسمون بالملتزمين بدفع حصص الضرائب على بعض القرى، ويخول لهم جمعها بمعرفتهم، مما كان يرهق المزارعين لأنهم عادةً ما كانوا يجلبوا تلك الأموال بقيمة أكثر مما دفعوه، واستبدل هذا النظام بنظام “الاحتكار” الذي جعل من محمد علي المالك الوحيد لأراضي القطر المصري، وبذلك ألغى الملكية الفردية للأراضي كما أجهد محمد علي الشعب بالضرائب التي كان يفرضها على الشعب، كلما احتاج لتمويل أحد حملاته أو مشاريعه دون نظام محدد، وكما احتكر محمد علي الأراضي والزراعة، احتكر أيضًا الصناعة والتجارة، مما جعل منه المالك الوحيد لأراضي مصر، والتاجر الوحيد لمنتجاتها، والصانع الوحيد لمصنوعاتها.. وعمرانيًا اهتم محمد علي ببعض النواحي العمرانية التي تخدم دولته الناشئة، فأسس المدن مثل الخرطوم وكسلا، وأقام القلاع للدفاع عن الثغور وعاصمة البلاد، كما شيد فنار لإرشاد السفن في رأس التين بالإسكندرية، وعني أيضًا ببناء القصور ودور الحكومة، وأنشأ دفترخانة لحفظ الوثائق الحكومية، ودار للآثار بعدما أصدر أمرًا بمنع خروج الآثار من مصر، وعبد الطرق التجارية ونظم حركة البريد وجعل له محطات لإراحة الجياد.. واجتماعيًا تدرج المجتمع في عهد محمد علي إلى عدة طبقات اجتماعية أعلاها الطبقة الحاكمة التي ضمت أسرة محمد علي وكبار رجاله وموظفي الدولة من المتعلمين في المدارس والمبتعثين للخارج، ثم طبقة العلماء والأعيان فالمزارعين وعمال المصانع والعربان والرقيق، وقد ارتفع تعداد السكان في عهد محمد علي من 2,514,400 نسمة عام 1823، إلى 4,476,440 نسمة عام 1845، وكان محمد علي متسامحًا واسع الأفق في الشؤون الدينية، فقرب إليه المسيحيين كما المسلمين، واستعان بهم في حكمه وأدخلهم في حاشيته.
نتيجة لتلك الإنجازات الهائلة في كافة المجالات والتي أحدثت نقلة حضارية في للمجتمع المصري، وأدخلت مصر الحديثة، ونمت البرجوازية المصرية وخاصة الطبقة الوسطى البيروقراطية والصناعية والتجارية، وأفرز المجتمع المصري قيادات جديدة تحمل على كاهلها مهمة إقامة العصر الجديد، ونشأت حركة فكرية وثقافية وإصلاحية وتقدمية بالنسبة لزمانها، سعت إلى اللحاق بقيم ومباديء العصر الحديث، والتمرد على ثقافة وقيم العصور الوسطى البالية، وخلق ثقافة جديدة تلائم الدولة الحديثة التي تكونت، وبرز عصر النهضة المصرية، وبرزت مجموعة من المفكرين والكتاب تنادى بالإصلاح الفكري والسياسى وتطوير المجتمع، وكان أهمهم الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، الذي ولد من أسرة فقيرة وإلتحق بالأزهر عام 1817م، وكان تأثير الشيخ حسن العطار عليه كبيرًا كما أسلفنا، وعندما طلب محمد على من الشيخ حسن العطار ترشيح إمامًا لكى يرافق إحدى البعثات التعليمية المصرية مدة إقامتها فى فرنسا، كان رفاعة الطهطاوى هو الإمام الذى اختاره الشيخ العطار، وبالرغم من أن الطهطاوى رافق البعثة كإمام وليس كطالب، إلا أن السنوات الخمسة التى قضاها فى باريس من عام 1826حتى عام1831م، كانت أهم خمس سنوات فى حياته، فقد استطاع رغم خلفيته الأزهرية التقليدية أن يستوعب الفكر التنويرى الأوروبى عند اصطدامه به، وأن يتفاعل معه تفاعلًا خلاقًا يتماشى مع النهضة التنموية التحديثية التى كان يقودها محمد علي، وقام بدراسة اللغة الفرنسية وأتقنها إتقانًا تامًا فى ثلاث سنوات، وقام بقراءة كتب التاريخ القديم والفلسفة اليونانية، وكتب فى الميثولوجيا والرياضيات والمنطق، وتراجم عن حياة نابليون وكتب متنوعة عن الشعر الفرنسى لشعراء مثل راستين، ورسائل اللورد شيسترفيلد، ومؤلفات فولتير وروسو وكوندياك ومنتسكيو، وكتب أخرى عن الهندسة وعلوم الحرب والمعادن والقانون.
تركت أفكار الثورة الفرنسية رواسب عميقة داخل نفس رفاعة الطهطاوي، فقد كان يعتقد أن المجتمع الصالح، هو المجتمع المبني على أسس العدالة، وأن الهدف من الحكومات، هو رعاية مصالح المحكومين، وأن الشعب لا بد له من المشاركة فى الحكم، لذلك يجب إعداد أفراد الشعب لهذا الغرض، وكان يرى أن القانون يجب أن يكون ديناميكى، يتغير تبعًا للظروف، وأن الحكام الصالحين فى وقت ما، ليسوا بالضرورة صالحين فى كل وقت، وأن حب الوطن هو أساس كل الأخلاق السياسية، وأثناء إقامته فى باريس، قام الطهطاوى بالإتصال بالعلماء الفرنسيين المستشرقين وخاصة العلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية على مصر، وكانت حضارة مصر القديمة قد ملكت عليه كل وجدانه، وكان هذا يدل على فهم الطهطاوى الصحيح والمبكر لقضية الأصالة والمعاصرة، وعندما عاد الطهطاوى إلى مصر، نشر ملاحظاته عن المجتمع الفرنسى فى كتاب “تخليص الإبريز فى تلخيص باريز”، الذى ترجم إلى عدة لغات، وبه ملاحظات الطهطاوى عن الشعب الفرنسى، فهم “محبون للنظافة وتعليم الأولاد، ومحبون للعمل، ولا يميلون إلى الكسل، وبهم شغف للمعرفة والإستطلاع، وفى علاقاتهم العامة، يثقون فى بعضهم البعض. ونادرًا ما يخدع أحدهم الآخر”، ويعتبر كتابه تخليص الإبريز أول نافذة أطل منها العقل العربى والمصري على الحضارة الغربية الحديثة، ويعتبر أشهر كتب الرحلات العربية فى العصر الحديث، والبيان الفكرى الأول للبرجوازية المصرية الناشئة، وأول كتاب عربى يعرف الفكر الليبرالى من ناحيته النظرية والتطبيقية، إلى جانب عرضه لنظم الحكم الدستورية الأوروبية، وأهم ما فى الكتاب الفصول التى تتعرض لوثيقة إعلان حقوق الإنسان التى جسدتها الثورة الفرنسية بتأثير من فلاسفة عصر التنوير، وترجمته لدستور عام 1814 الفرنسي، ثم عمل الطهطاوى فى الترجمة فى المدارس الحديثة التى أنشأها محمد على، وفى عام 1836م عمل فى مدرسة الألسن، ثم رئيسًا لتحرير جريدة الوقائع المصرية، وقام فى هذه الفترة بترجمة ما يقرب من العشرين كتابًا فى الجغرافيا والتاريخ والعلوم العسكرية، وأشرف على ترجمة المئات من الكتب الأخرى إلى اللغة العربية والتركية.
كان الشيخ رفاعة دون مبالغة هو العقل الواعي، لتجربة محمد علي في التحديث الفكري والاجتماعي، واضطلع بدور رائد التحديث العربي دون منازع، ومن هنا كان لابد من معرفة مفهوم الحرية لدى رفاعة الطهطاوي كنموذج فكري في تجربة محمد علي صاحب لحظة الوعي الأولى في مجتمنعا الحديث، فقد أكد الطهطاوي منذ البداية وبوضوح لا يقبل الشك، علي معني الحرية، ووضح أقسامها، وأكد علي أنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق السعادة للفرد والمجتمع علي السواء، ويتضح نموذج الحرية عند الشيخ رفاعة الطهطاوي كنموذج علمي تطبيقي من خلال حديثه عن التمدن في كتابه (مناهج الألباب) الذي يري فيه أن مصر بتاريخها الثقافي والحضاري العظيم والضارب في أعماق التاريخ بجذور راسخة، وبطبيعة أهلها، مؤهلة للتقدم بشقيه المادي والمعنوي، هذا التقدم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق حرية الوطن والمواطن، كما كان كتابه “المرشد الأمين في تربية البنات والبنين”، عمل رائدًا ليس فقط في مجال الفكر التربوي، لكن في رؤيته الفكرية العميقة، وتحليله النفسي المميز لشخصية المرأة ومميزاتها، ومؤهلاتها للمشاركة والمساهمة في تنمية ذاتها ومجتمعها، وهذا ما يعكس بعد إنساني وحضاري راق عند الطهطاوي، كإنسان ينظر للمرأة نظرة حضارية سامية، ويتحدث عن حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة، وعلي تلمس جوانب نفسية وإنسانية في شخصيتها كالرقة والعاطفة والحب، ويؤكد أنها مميزات وليست عوامل ضعف كما يظن الكثيرون، ومن حقها التعبير عنها والشعور بها، وقد أثمرت جهود الشيخ رفاعة في المجتمع المصري في مجال التنمية الفكرية والاجتماعية آثارًا عظيمة، فدعا إلى تعليم البنات، وكان عضوًا في لجنة إنشاء المدارس لنشر نور العلم والمدنية، كأهم شروط الحرية، ودعا إلى ما يمكن أن نسميه حوار الحضارات، وضرورة النظر للآخر من منطلق جديد، بنظرة تقوم علي معيار التقدم والتمدن، بدلًا من منطلق الإيمان والكفر الذي ساد العالم القديم.
كان الطهطاوي أول عين عربية محبة وناقدة ومتأملة بعمق لحضارة الغرب الحديثة، ممثلة في حضارة الفرنسيين، وذلك لان الفجوة الحضارية كانت شاسعة بين واقع وطنه المتخلف وبين واقع فرنسا المتقدمة، فحاول أن يصنع لوطنه صنيع الذين نقلوا إلى العرب الأقدمين فكر اليونان وعلومهم، وتراث الفرس وفنهم، وفلسفه الهند وحكمتها، فكما أدخل هؤلاء الأسلاف المصريين والعرب في مركز التأثير الإنساني، وجعلوها تعطى الحضارة الإنسانية عطاءها الفني السخي، فإن رفاعة عزم أن يعيد أمته مرة ثانية إلى القيام بدورها هذا، ومن أجل هذا ناضل الطهطاوي في سبيل وصل الخيوط بين وطنه، وبين مراكز الحضارة الحديثة في أي مكان، فأخذ يدعو قومه إلى الانفتاح على المجتمعات ويسفه من دعاة العزلة، ويتحدث الطهطاوي في مناهج الألباب عن التمدن في مصر منذ قديم الزمان، وتفردها عن غيرها من الأمم في الفنون والمعارف، وأنه قد عاد لها مجدها من جديد بفضل محمد على وخلفائه الذين بفضلهم تعزز الوطن بالعلوم والمعارف وصارت فيه قواعد التمدن واستقامت الأمور بتحري العدل، فاعتدلت مصالح الجمهور، وبهذا أحرزت مصر بين الممالك المتمدنة أسني الرتب، وصارت بين بلاد الشرق أفضل الأقطار، ولا يجحد تمدنها ورقيها في ترسيخ مفهوم الوطنية، وبناء عليه يؤكد على ضرورة التواصل مع الحضارة الغربية، لأنها وسيلة عظمى لرقي الوطن كما أنها وسيلة لترسيخ روابط الألفة والحوار بين الشعوب، فمصر تحقق لها اسمها المتعارف عليه وذلك بمسير الناس إليها واجتماعهم فيها، من أجل تحقيق منافعهم ومكاسبهم أكثر من غيرها من البلاد، وذلك لحسن موقعها الذي كان له دور في تمدنها وتقدمها العمراني والإنساني، كما كان لهذا الموقع أثره في أخلاق أهلها وتهذيب طباعهم، علاوة على ذلك فإنهم من خلال مخالطتهم لغيرهم من الأمم والشعوب عرفوا أهميه الحوار وتبادل الخبرات، كما أكد الطهطاوي على الحرية الدينية، وحق الفرد في اختيار دينه، حتى ولو خالف دين الدولة التي يعيش فيها شريطة ألا يؤدي ذلك لضرر على نظام الدولة التي يعيش فيها فيقول “أما وقد اتسع نطاق الإسلام، فكل امرئ وما يختار، فبهذا كانت رخصة التمسك بالأديان المختلفة جارية عند كافة الملل، ولو خالف دين المملكة المقيمة بها، بشرط أن لا يعود منها على نظام المملكة أدنى خلل، كما هو مقرر في حقوق الدول والملل”، وأما “التمدن المادي”، وهو التقدم في ما يحتاجه المجتمع في سائر شئون الفنون مما يسميه (المنافع العمومية) كالزراعة والتجارة والصناعة، وهي تختلف من بلد إلى آخر قوةً وضعفًا، طبقا للممارسة وهو أمر لا غنى عنه في عملية التقدم والتمدن، جملة القول أن عوامل التمدن اجتمعت في مصر وهذا ما يؤكد عليه فيقول “فقد أجمع المؤرخون على أن مصر، دون غيرها من الممالك، عظم تمدنها، وبلغ أهلها درجة عالية في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وأن آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرنا يشاهدها الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج، مع تنوعها كل التنوع، فجميع المباني التي تدل على عظمة ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية وبراهينها”، ويضرب مثل بالأمة الفرنسية على تمدنها وبلوغها درجة عالية من الحضارة بالمعرفة والآداب التي تجلب الأنس وتزين العمران، والبلاد الأوربية عموما مشحونة بأنواع المعارف، لكن فرنسا تمتاز عن غيرها من بلاد أوروبا بكثرة تعلقها بالفنون والمعارف، فهي أعظم أدبًا وعمرانًا، وعلامات التمدن ودلائل العظمة عند الطهطاوي تقوم على ثلاثة ركائز تتمثل في حسن الإدارة الملكية (السلطة السياسية)، والسياسة العسكرية (القوة التي تحمي الدول وتحفظ لها سيادتها)، ومعرفة الألوهية (الدين الذي ينظم حياة الناس على أسس من العدل والشورى)، وهذه الأسس الثلاث للتمدن كانت موجودة في مصر منذ القدم، وبلغت درجة عظيمة واستمرت عبر قرون عديدة، ويتحدث عن تجربة سيدنا يوسف في مصر، والتي يستفاد منها “أنه كان بمصر إذ ذاك أحكام عادلة، وقوانين مرتبة، وحدود مشروعة خالية من الأغراض والنفسانيات وهي نتيجة التمدن التام”، والسياسي الماهر هو الذي لا يضيق على شعبه، ويسير بينهم بالعدل، ويحترم حريتهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية ويستشهد بسيرة الإسكندر الأكبر وحنكته في تعامله مع الأمم والشعوب التي أخضعها لسيطرته، فلم يضيق على حرياتهم، ولم يتدخل في أفكارهم ولا معتقداتهم، ويتضح مما تقدم أن الطهطاوي يريد إبراز دور مصر كدولة مؤهلة تاريخيا للتمدن والتقدم واستيعاب التجارب الحديثة في الحرية لدى الأمم المتقدمة وهو ما ركز عليه في كتاب (مناهج الألباب)، فالحرية عند الطهطاوي لازمة أساسية لبناء مجتمع حديث، وذلك على اعتبار أن التمدن حسب تعبيره يبنى على ركيزتين أساسيتين، هما العدل والحرية.
يقسم الطهطاوي الحرية إلى خمسة أقسام، أولًا الحرية الطبيعية، وهي التي خلقت مع الإنسان، وانطبع عليها كالأكل والشرب وغيره مما لا ضرر فيه على الإنسان نفسه ولا على إخوانه، وثانيًا الحرية السلوكية، التي هي حسن السلوك ومكارم الأخلاق وهي الوصف اللازم لكل فرد من أفراد المجتمع المستنتج من حكم العقل، بما تقتضية ذمة الإنسان وتطمئن إليه نفسه في سلوكه وحسن أخلاقه مع غيره، وثالثًا الحرية الدينية، وهي حرية العقيدة والمذهب، بشرط أن لا تخرج عن أصل الدين، ومثل ذلك حرية المذاهب السياسية، وآراء أرباب الإدارات الملكية في إجراء أصولهم وقوانينهم وأحكامهم على مقتضى شرائع بلادهم، فإن ملوك الممالك ووزرائهم أحرار في طرق الإجراءات السياسية بأوجه مختلفة، ترجع إلى مرجع واحد وهو حسن السياسة والعدل، ورابعًا الحرية المدنية، وهي حقوق العباد والأهالي الموجودين في مدينة، بعضهم على بعض، فكأن الهيئة الاجتماعية المؤلفة من أهالي المملكة تضامنت وتواطأت على أداء حقوق بعضهم لبعض، وان كل فرد من أفرادهم ضمن للباقين أن يساعدهم على فعل كل شيء لا يخالف قانون البلاد وأن لا يعارضوه، وأن ينكروا جميعًا على من يعارضه في إجراء حريته، بشرط أن لا يتعدى حدود الأحكام، وخامسًا الحرية السياسية، وهي تأمين الدولة لكل أحد من أهاليها على أملاكه الشرعية المرعية، وإجراء حريته الطبيعية بدون أن تتعدى عليه في شيء منها، فبهذا يباح لكل فرد أن يتصرف فيما يملكه جميع التصرفات الشرعية، ويتضح في حديث الطهطاوي السابق عن أقسام الحرية تأثره الواضح بفكر التنوير الفرنسي، ففي حديثه عن الحرية السياسية مثلًا يتضح في حديثه عن العقل باعتباره مصدر للحرية والفعل، كما أن حديثه عن النوع الخامس وهو ما سماه الحرية السياسية قصد بها حرية سياسة الإنسان لنفسه في تصرفه في شؤونه الخاصة، وهي ما يمكن أن نسميها حريته في تدبير شؤونه الاقتصادية، ويؤكد الطهطاوي على أن الدفاع عن الوطن ضد أعدائه يعد دفاعا عن الحرية، وأن الحرية تستلزم العلم، ومحاربة الجهل، ومعرفة حقوق المواطن، من اجل تحقيق التقدم والمدنية، كما أن الحرية تستلزم المساواة بين المواطنين في جميع الحقوق والواجبات، فالمساواة تدعم الحرية بين أفراد المجتمع، وبذلك توضع حريتهم على أساس متين، وتكون مملكتهم راسخة القواعد.
يعد الشيخ رفاعة الطهطاوي بحق الرائد الأول لقضية تحرير المرأة في مصر والوطن العربي، وأول من سعي لتحريرها من قيود العصور الوسطى وعمل علي تطبيق أفكاره في الواقع العملي، فسعي إلي تعليمها حتى تحظي بحقوقها كإنسان مثلها مثل الرجل في الحقوق والواجبات، فكان عضوًا بلجنة تنظيم التعليم التي اقترحت سنة 1836م العمل علي تعليم البنات، وجاء حديث الطهطاوي عن تحرير المرأة في سياق حديثه العام عن ضرورة تحرير المجتمع المصري، والعمل علي نهضته وتقدمه، على اعتبار أن المرأة ركنًا من أركان المجتمع لا تقوم نهضته الحقيقية بدون مشاركتها وتمتعها بحريتها، كإنسان له حقوق وواجبات اجتماعية وإنسانية، وقد ضمن هذا كتابه “المرشد الأمين في تربية البنات والبنين”، فالأمة التي تتقدم فيها التربية يتقدم فيها أيضًا التقدم والتمدن علي وجه تكون به أهلًا للحصول علي حريتها، وقضية التربية والتعليم واجب في حق أبناء الأمة ذكورًا وإناثًا، وقد أولاها الإسلام عناية خاصة بصورة لم تعهدها الأمم السابقة، وهذا ما يفهم من الخطاب القرآني، الذي أمر بالقراءة في جميع المجالات باعتبارها سر التقدم ومفتاح المعرفة، فكان أول ما نزل من التنزيل “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” وهو دليل علي أن الإسلام يدشن عهدًا جديدًا ومرحلةً جديدةً ودستورًا جديدًا لم تعهده الأمم السابقة، ولا حتى الرسالات التي سبقت الإسلام، فرسالة الإسلام تقوم علي العلم والمعرفة كركائز أساسية في بناء أمة جديدة، وأكد على ذلك بقوله تعالى في سورة الزمر “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ”، وجعل الإسلام ذلك الأمر فرضًا علي المسلمين لا فرق بين رجل أو امرأة في هذا الأمر بنص الحديث النبوي “طلب العلم فريضة علي كل مسلم”، وأيضاً قوله (ص) “من سلك طريقاً يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلي الجنة”، و “إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم”، و “إن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء”، و “إن فضل العالم علي العابد كفضل القمر علي سائر الكواكب”، و “إن العلماء هم ورثة الأنبياء”، و “إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر”، ولفظ “مسلم” هنا تشتمل الرجل والمرأة علي السواء كما هو معهود في لغة العرب، وذلك لأن الأصل في الخطاب الديني قرآنا وسنة أنه موجه للرجال والنساء علي السواء، بدءً من تقرير الكرامة الإنسانية إلي تقرير المسئولية الجنائية، وعلي الرغم من وجود فوارق محدودة، فإن الأصل هو المساواة، والفوارق استثناء من هذا الأصل، وأنه لمن الخطأ والعدوان علي شرع الله أن يضيع هذا الأصل، فالأصل في الخلقة المساواة في الفطرة والكرامة الإنسانية، والأصل في الخطاب القرآني المساواة التامة في التكاليف والواجبات بين الرجل والمرأة أي في المسئولية، وبعض الفروق التي وردت كفروق بين الذكورة والأنوثة هي للترتيب والتنظيم بين الجنسين ومراعاة الواقع، ومسئولية كل طرف تجاه الآخر من جهة، وتجاه المجتمع من جهة أخرى، ويرى الطهطاوي أن تعليم المرأة مما يزيدها أدبًا وعقلًا، ويجعلها أهلًا للمعارف، تصلح لمشاركة الرجل في الكلام والرأي فتعظم مكانتها عنده، كما يمكنها التعليم من مزاولة العمل كالرجل سواء بسواء، بحسب قدرتها وطاقتها، كما وقف الطهطاوي موقفًا متقدمًا وثوريًا من قضية عمل المرأة بالنسبة لعصره وفي ذلك الوقت المبكر من من تاريخ النهضة المصرية، فلم يحدد لتعليم المرأة آفاقًا تحدد دائرة حياتها بالمنزل والأولاد والزوج فقط، بل ربط العلم عندها بالعمل الذي يمكن أن تتعاطاه، ويؤكد علي حق المرأة في التعليم والعمل معًا، ولا يجد ما يحول بينها وبين ذلك شرعًا، ويرد الطهطاوي علي هؤلاء الذين ينكرون حق المرأة في العمل بالأدلة الشرعية، التي تؤكد حق المرأة في التعليم والعمل مستشهدًا ببعض زوجات الرسول اللائي كن يكتبن ويقرأن، كحفصة بنت عمر وعائشة بنت أبي بكر، وغيرهما من النساء في كل زمان ومكان ممن كن يمتهن المهن كالتطريز والتمريض والمشاركة في الحروب، فيذكر بنات شعيب وكيف وافق وهو النبي المرسل لابنتيه بسقي الماشية، دون أن يقدح ذلك في حقه بشيء، حيث لا يعد ذلك مفسدة، كما يعد الطهطاوي ذلك الموقف المعادي لحقوق المرأة من العادات الاجتماعية السيئة المنتشرة في المجتمعات الجاهلة، هذا بخلاف المجتمعات المتمدنة التي من أبرز سماتها احترام النساء، وذلك لأنه ” كلما كثر احترام النساء عند قوم كثر أدبهم وظرافتهم، فعدم توفية النساء حقوقهن، فيما ينبغي لهن الحرية فيه، دليل علي الطبيعة المتبربرة”.. ورغم أن الطهطاوي أقر ابتداء أن الحق في رياسة الدولة للرجال كما قضت الشريعة المحمدية، وأن النساء بطبعهن لا يتحملن أعباء الحكم لما فطرن عليه من ضعف، لكنه يعود ويذكر رأي بعض السياسيين الذين لا يوافقون علي هذا الرأي، ويرون أن الضعف في النساء ليس مطلقًا ولكنه أغلبي فيهم، ويؤكدون علي أحقية المرأة في تولي منصب الحكم ويضرب مثل بمجموعة من النساء أصبحن حاكمات وملكات عبر التاريخ ضربن المثل في الحزم والتدبير كأفضل الرجال “فكلهن أحرزن حسن التدبير والإدارة، وأقمن البراهين علي لياقة النساء لمنصب السلطنة”، ويستطرد في سرد أخبارهن وكأنه لا يمانع في قبول حكم أمثال هؤلاء النسوة اللائي ضربن المثل في الحزم والحسم في تدبير شئون الحكم والممالك التي تقلدوها بعزيمة لا تفتر وإرادة لا تلين، فيتحدث عن بلقيس ملكة سبأ، و الزباء بنت عمر ملكة اشتهرت بالقوة والحزم عند العرب قبل الإسلام، وكليوباترا ملكة مصر، وشجرة الدر التي حكمت مصر وغيرهن من النساء عبر الأمم، ويبدو أن رفاعة الطهطاوي كانت لديه قناعة شخصية بقدرة المرأة علي تولي الحكم، وظل الطهطاوي في صراع نفسي حول أحقية المرأة في الحكم والخلافة، فيري أن مؤهلاتها من حيث هي إنسان لا تمنع، لكن المحاذير الشرعية تحول دون ذلك، فيبسط وجهتي النظر بحياد وتجرد، دون تعصب ولا تسفيه لوجهة نظر، ولا يمكن أن نحمل الطهطاوي في هذا الوقت المبكر من تاريخ فكرنا الحديث والمعاصر بأكثر مما يحتمل.
وبذلك كانت لحظة الوعي الأولى ممثلة في عقلها الواعي الشيخ رفاعة الطهطاوي، والتي كانت الحرية في أحد تعريفاتها هي حكم العقل، وهي بصدد لحظات التكوين وتؤسس لمجتمع جديد، لم يكن لديها الوقت الكافي للوقوف عند المصطلحات والنظر إليها نظرة نقدية أي تقويمية وتجديدية، لأن ذلك يحتاج إلى رصيد ثقافي وحضاري في المجتمع، وهذا ما إضطلع الشيخ “حسين المرصفى” تلميذ رفاعة الطهطاوي، وأحد أهم المثقفين المصريين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث اضطلع بتحديد معاني المصطلحات الجديدة في رسالته بالغة الأهمية في تاريخ الثقافة المصرية والعربية الحديثة ( الكلم الثمان)، استكمالًا لجهد أسلافه في ضبط المصطلحات وبيان مضامينها، وقد رصد الشيخ المرصفى بوعيه الثاقب تلك المصطلحات الجديدة المعنى والمدلول في الثقافة العربية المعاصرة، مثل مصطلحات الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسة والحرية والتربية، وكان من ثمار جهوده ثلة من ألمع التلاميذ منهم من تتلمذ له مباشرة في دار العلوم، ومنهم من تأثر بفكره ومنهجه، أمثال أحمد شوقي، ومحمود سامي البارودي، وحسن توفيق العدل، والبارودي، وحفني ناصف، وزين المرصفي، والشيخ الإمام محمد عبده، وكلهم منارات علي طريق الحرية، ويعترف شوقي بتأثير المرصفي فيه وإفادته بعلمه الغزير فيقول ” إن أستاذي الوحيد الذي أعد نفسي مدينًا له، هو السيخ حسين المرصفي”، وإذا كان الشيخ الطهطاوي قد غرس بذرة الحرية بقوة في لحظة الوعي المصرية الأولى، فإن تلميذه الشيخ المرصفى بجهوده الفكرية والثقافية، كان يمهد للحظة الوعي الثانية التي انبثقت من خلال تلاميذه، وعلي رأسهم الإمام الشيخ “محمد عبده” الذي جسد الحرية بفكره وسلوكه، وعلي يديه تجسدت قيمة الحرية في لحظة وعي هامة، عبرت عن نفسها في جميع مجالات الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وهو موضوع مقالنا القادم.
