الخميس - الموافق 12 مارس 2026م

(24) مرحلة الزخم التنويري 2-2.. بقلم الكاتب والباحث: محمد السني

محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، وكل من الليبرالية الكلاسيكية، والاجتماعية، والجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيين، والحملة الفرنسية، ولحظة الوعي المصرية الأولى، ومرحلة التأصيل الفكري للحرية، ومقالتي هذه عن “مرحلة الزخم التنويري 2-2”.
كما أسلفنا، أدت الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي سادت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى نشأة وتطور البرجوازية المصرية، وولادة ثقافة جديدة تعبر عن تلك الفترة، قادها كوكبة من المفكرين والأدباء والفلاسفة وعلماء الاجتماع والمصلحين الاجتماعيين، وتبلورت تلك الأراء والأفكار مع الشيخ الإمام محمد عبده، ثم تطورت إلى عدة مدارس سياسية واجتماعية وفكرية وفلسفية ودينية، قمنا بإلقاء الضوء عليهم في مقالتنا السابقة بعنوان “مرحلة الزخم التنويري 1-2″، باستثناء المدرسة الدينية (الخامسة) التي خصصنا لها هذه المقالة، وتمثلت تلك المدرسة في كوكبة من الشيوخ الأجلاء المستنيرين الذين آمنوا بالحرية بكل أنواعها، وحملوا لواء التنوير، وساهموا بآرائهم وكتاباتهم وأنشطتهم في مسيرة التقدم والتطور الذي نشدته مصر طيلة النصف الأول من القرن العشرين، وتزعم هذه المدرسة الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغى (1881-1945)، وهوعالم دين إسلامى مصرى كبير وفقيهَا ومفسرًا ومصلحًا ومجددًا ووطنيًا غيورًا، تتلمذ على يد الإمام محمد عبده، وأخذ شهادة العالميه عام 1904، وتولى منصب شيخ الازهر مرتين في 1928 و 1935.
كان الشيخ المراغي معنيًا بقضية الإصلاح والتجديد، مترسمًا في ذلك خطى أستاذه محمد عبده، وقد اهتم الشيخ المراغي بإصلاح كل من الأزهر والقضاء، حيث كان إصلاح القضاء هو الإهتمام الشاغل للإمام المراغي لتحقيق العدل والإصلاح بين الناس، وكان الإمام المراغي يرى أن إصلاح القانون هو إصلاح لنصف القضاء، لذلك شكل لجنة برئاسته تكون مهمتها إعداد قانون يكون هو الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية في مصر، وقد وجه الإمام المراغي أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد القانون بعدم التقيد بمذهب معين، حيث كان القضاة لايحيدون عن مذهب الإمام أبي حنيفة، الذي كان معمولًا به في ذلك الوقت، ولكن الإمام المراغي كان يرى بضرورة الأخذ بغيره من المذاهب إذا كان فيها ما يتفق مع المصلحة العامة للمجتمع، وكان مما قاله لأعضاء اللجنة “ضعوا من المواد ما يبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان، فالشريعة الإسلامية فيها من السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجد في تفريعاتها وأحكامها في القضايا المدنية والجنائية كل ما يفيدنا وينفعنا في كل وقت”، كما كان إصلاح الأزهر على رأس أولوياته، لذلك شكل فور توليه مشيخة الأزهر لجانًا لإعادة النظر في قوانين الأزهر، ومناهج الدراسة فيه، كما قدم قانونًا لإصلاح وضع الأزهر للملك فؤاد الذي كان مشرفًا على شؤون الأزهر آنذاك، إلا أن بعض حاشية الملك أوعزوا له بأن الشيخ المراغي يريد استقلال الأزهر عن القصر، فرفض الملك فؤاد القانون، وأعاده إلى الشيخ المراغي، فما كان من الشيخ المراغي إلا أن وضع القانون الخاص بإصلاح الأزهر في ظرف، واستقالته من مشيخة الأزهر في ظرف آخر، وطلب من الملك فؤاد حرية الاختيار، فقبل الملك فؤاد الاستقالة، ولكن الإضرابات عن الدراسة التي قام بها علماء وطلاب الأزهر، والتي استمرت أكثر من 14 شهرًا أجبرت الملك فؤاد على إعادة المراغي شيخًا للأزهر مرة أخرى، وقد دعا الإمام المراغي إلى ضرورة العمل على تحرير مناهج الأزهر من التقليد والتلقين في التدريس، والأخذ بالأساليب الحديثة، والتوسع في الاجتهاد، ودعا الطلاب إلى دراسة اللغات الأجنبية ليكونوا أكثر قدرة على استيعاب العلوم الحديثة والثقافات الأخرى، وقد شكل الإمام المراغي لجنة للفتوى داخل الجامع الأزهر تتكون من كبار العلماء تكون مهمتها الرد على الأسئلة الدينية التي تتلقاها من الأفراد والهيئات، كما شكل أكبر هيئة دينية في العالم الإسلامي، وهي جماعة كبار العلماء، والتي تتكون من ثلاثين عضو، واشترط الإمام المراغي في عضويتها أن يكون العضو من العلماء الذين لهم إسهام في الثقافة الدينية، وأن يقدم رسالة علمية تتسم بالجرأة والابتكار، وقد دعا الإمام المراغي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والتقريب بين طوائف المسلمين، وبذل في سبيل ذلك بعض المحاولات منها إجراء محادثات مع علماء المذاهب الإسلامية في مختلف الدول، بهدف التوفيق بين المسلمين مهما اختلفت مذاهبهم وفرقهم، كما أثرى الشيخ المراغي المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات والتراجم، والتي اشتملت على برامجه الإصلاحية المتعددة، التي رأى فيها تكملة لمشوار استاذه الإمام محمد عبده.
فى ابريل 1925 نشر الشيخ على عبد الرازق كتابًا بعنوان “الاسلام وأصول الحكم” أحدث ضجة سياسية وفكرية كبرى في مصر آنذاك، وتركز موضوعه في أن فكرة نظام الخلافه غريبة على الإسلام، وليس لها أساس لا فى المصادر ولا الأصول المعتمده للإسلام وهى الكتاب والسنة والإجماع، بل هي مسألة دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية، ولم يرد بيان في القرآن، ولا في الأحاديث النبوية في التأكيد على وجوب تنصيب الخليفة أو اختياره ” فالتاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين، وينبوع شر وفساد”، وقد جاء الكتاب على ثلاثة فصول، الأول عن الخلافة والإسلام، والثاني عن الحكومة والإسلام، أما الثالث فكان عن الخلافة في التاريخ، فقال عبدالرازق “الخلافة مصدر: تخلف فلان فلانا إذا تأخر عنه، وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه. ويُقال خلف فلان فلانًا إذا قام بالأمر عنه، إما معه وإما بعده، وهي رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم”، ليدخل في تساؤلات مشروعة في ذلك الزمان واليوم وكل زمان، من نوع “الخلافة هل هي خلافة الله أم خلافة رسوله؟”، طارحًا اجتهادات عقلية للإجابات “أما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله، واختُلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم ومنع الجمهور منه، وقد نهى أبو بكر عن ذلك لما دُعي به”، ويشير عبدالرازق إلى تيارين في الأمة الإسلامية أحدهما يرى أن الخليفة يستمد سلطانه من الله، والآخر يؤمن أن الأمة هي مصدر سلطان الخليفة وهي التي تنصبه في موقعه، ويتضح من خلال وصف عبدالرازق للخليفة عبر التاريخ، مدى إدراكه المبكر لإشكالية ذلك الموقع، فهو يرى أن الخليفة كان ممكنًا بالبطش والقسوة، لا يأمن على نفسه، ولا يأمن منه المسلمون على أنفسهم “يستحيل السلطان وحشًا سفاحًا وشيطانًا ماردًا إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته وتقويض كرسيه، وإنه لطبيعي فيه أن يكون عدوًا لدودًا لكل بحث علمي يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه أو يريح من تلقائه ريح الخطر ولو كان بعيدًا، ومن هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم ومعاهد التعليم، ولا شك أن أخطرها كان علم السياسة، ولذلك كان حتمًا على الخلفاء أن يسدوا طريقه ومنافذه أمام الناس”، ولا يربط علي عبدالرازق مسألة حفظ الدين بوجود خليفة، فيقول “علمت مما نقلنا لك عن ابن خلدون أنه قد ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب، وفناء جيلهم، وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكًا بحتًا، وليس للخليفة منه شيء، أفهل علمت أن شيئًا من ذلك قد صدع أركان الدين؟ وأضاع مصلحة المسلمين على وجه كان يمكن للخلافة أن تتلافاه لو وجدت؟”، وانتقد علي عبدالرازق رغبة بعض الفقهاء الدين في تعميم بساطة الزمن القديم على المسلمين اليوم، وقال إن الفقهاء إن كانوا قد “أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحًا ما يقولون، من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع. مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية. لا ينتج لهم الدليل أبعد من ذلك. أما إن أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفون فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة”، وقال إنه قد جرى الخلط بين البساطة في الزمن القديم، وبين حداثة العصر الذي نعيشه اليوم، وكأنما يراد لنا أن نعود إلى عهود البساطة والفطرة” وكان صلى الله عليه وسلم أميًا ورسولًا إلى الأميين، فما كان يخرج في شيء من حياته الخاصة والعامة ولا في شريعته عن أصول الأمية، ولا عن مقتضيات السذاجة والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فلعل ذلك الذي رأينا في نظام الحكم أيام النبي صلى الله عليه وسلم هو النظام الذي تقضي به البساطة الفطرية. ولا ريب في أن كثيرًا من نظم الحكم في الوقت الحاضر إنما هي أوضاع وتكلفات، وزخارف طال بنا عهدها فألفناها، حتى تخيلناها من أركان الحكم وأصول النظام، وهي إذا تأملت ليست من ذلك في شيء، إن هذا الذي يبدو لنا إبهامًا أو اضطرارًا أو نقصًا في نظام الحكومة النبوية لم يكن إلا البساطة بعينها، والفطرة التي لا عيب فيها”، وأوضح أن زعامة النبي على العرب، لم تتأت من مكانته المدنية، لأنه تمكن من توحيد العرب على عقيدة جديدة” كانت وحدة العرب كما عرفت وحدة إسلامية لا سياسية، وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينية لا مدنية، وكان خضوعهم له خضوع عقيدة وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان، وكان اجتماعهم حوله اجتماعًا خالصًا لله تعالى، يتلقون فيه خطرات الوحي، ونفحات السماء، وأوامر الله تعالى ونواهيه (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)”، ولكن هذا لم يحصل بعد النبي، فقد رحل من كان على علاقة بالسماء والوحي، ويضرب عبدالرازق المثل بحروب الردة “لسنا نتردد لحظة في القطع بأن كثيرًا مما سموه حرب المرتدين في الأيام الأولى من خلافة أبي بكر لم يكن حربًا دينية، وإنما كان حربًا سياسية صرفة، حسبها العامة دينًا، وما كانت كلها للدين”، وبذلك حسم علي عبدالرازق لنفسه وللآخرين مسألة الخلافة بالقول “والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد سياسية، كما أن تدبير الجيوش الإسلامية، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني وآراء العارفين”، وأُعتبر الكتاب سهم موجه لعرش مصر وللملك فؤاد الاول بالذات، فى وقت تشابكت فيه مجموعة ظروف وملابسات سياسية ودولية واجتماعية فى مصر حولوا الكتاب لمعركة حامية، أكثر من تلك الضجة التي حدثت لكتاب “الشعر الجاهلي” لطه حسين، ورغم جرأة الكاتب في طرح هذه القضية، إلا أن تلك الضجة ترجع في الأساس إلى نشره في وقت كان الملك فؤاد يحضر نفسه ليصبح خليفة المسلمين بعدما ألغى مصطفى كمال أتاتورك نظام الخلافة العثمانية فى 3 مارس 1924، وكان التنافس شديد بين عدة ملوك وأمراء عرب ومسلمين على حصولهم على منصب خليفة المسلمين، وفى مقدمتهم الملك فؤاد الأول، وقد تلقف الإنجليز فكرة الخلافة بترحاب ومساندة شديدين طالما أنهم سيستفيدون منه، بحكم إن الخليفة وبلده وكل مستعمراتهم فى الشرق الإسلامى فى أيديهم، لذلك كان الكتاب ضربة للملك فؤاد والقطاعات العريضه الرجعيه فى العالم الإسلامي والإنجليز، وتحرك القصر بوسائل متعددة سياسية وإعلامية، مباشرة وغير مباشرة لمواجهة هذا الإتجاه الفكري المارق “حسب تعبيرهم”، وبعد نشر الكتاب طالبت طائفه من شيوخ وطلبة الازهر بمصادرة الكتاب ومنعه، وتوجهت وفود لشيخ الازهر وقتها محمد ابو الفضل الجيزاوى، للتعبير عن غضبها من أن رئيس الوزارة إسماعيل صدقى ووزير داخليته لم يتحركوا بما فيه الكفاية لمنع الكتاب، وأُرسلت آلاف التلغرافات من نواحى مصر تندد بالكتاب وتطالب بمنعه وذهبت وفود للملك فؤاد الذي كان يقضي اجازته الصيفية فى قصر المنتزة فى الإسكندرية وطالبته بإتخاذ إجراء ضد على عبد الرازق وكتابه، ولم تكن تلك الحملة التي شنت على الكتاب ومؤلفه مجرد رد فكرى أو نقاش نظرى أو صراع رأى لكن كانت اكبر من ذلك، حيث إنها تخطت خط الصراع الفكرى والحجة بالحجة، ولم يتم مواجهة الكتاب على إنه محاولة فكرية أو اجتهاد نظرى يقبل الخطأ والصواب، ولكن باعتباره ” عمل مشين ” يستوجب عمل محاكمة دينية والحكم على صاحبه “بالحرمان” من الانتساب للأزهر، بل والدعوة إلى تجريده من حقوق المواطنة المصرية التي كفلها له الدستور، وفى 17 سبتمبر 1925 تم فصل على عبد الرازق من منصبه كقاضي فى المحكمة الشرعية فى المنصورة بعدما نصبت له “هيئة كبار العلماء” الازهرية محاكمة تشبه محاكمات محاكم التفتيش، وتقرر فيها تجريده من شهادة العالمية التي حصل عليها من الازهر وطرده من جماعة علماء الازهر، ونتج عن الصراع الذي فجره كتاب ” الاسلام وأصول الحكم ” آثار سياسية وفكرية هامة، حيث تصدع الإئتلاف الوزارى الذي كان قائمًا بين الاتحاديين والأحرار الدستوريين، وعاد الأحرار الدستوريين لصفوف المعارضة مع الوفديين لحماية دستور 1923، وحدث نوع من المصالحة بينهم، ومن ناحية أخرى قضى الكتاب على حلم الملك فؤاد أن يصبح خليفة للمسلمين، وخفت الأصوات التي كانت تطالبه بذلك، واثبت على عبد الرازق فهمه لحركة التاريخ ومصداقيته فى كل ما كتبه، وهكذا واجه الشيخ علي عبدالرازق سلطة الدين والملك معًا من أجل أن يكون رسولًا أمينًا للحرية والتنوير والمعرفة المدنية والحداثة، وعندما تبدلت الظروف السياسية في عهد الملك فاروق، اضطر الأزهر في النهاية أن يعيد لعلي عبد الرازق مؤهله العلمى وضمه مرة أخرى لزمرة علماء الازهر واُختير عضو فى مجلس النواب وفى مجلس الشيوخ وعُين وزيرًا للأوقاف، ولكن المعركة والإضطهاد الذي واجهه كان له أثر فكرى سيء عليه، فقد كان الرجل يمتلك إمكانيات فكرية كبيرة كان من الممكن أن تخدم الحياة الفكرية والثقافية فى مصر لكن الإضطهاد الذي واجهه أصابه بالإحباط وجعله يتقوقع على نفسه ولم ينتج أعمالًا فكرية كبيرة بعد ذلك، واكتفى بإلقاء بعض المحاضرات فى الجامعه حتى وفاته فى 23 سبتمبر 1967.
كما انتمى إلى تلك المدرسة الشيخ محمود شلتوت (1893-1963) الذي كان شيخًا للأزهر سنة 1958م، وأول حامل للقب الإمام الأكبر، وكان الشيخ شلتوت من أعضاء دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعمل على القضاء على الخلافات بين المذاهب الإسلامية بإدخال دراسة المذاهب في الأزهر، وأشتهر بفتوى جواز التعبد بمذهب الشيعة الاثني عشرية، وهذا نص الفتوي التي أصدرها، قيل لفضيلته: إن بعض الناس يرى أنه يجب علي المسلم لکي تقع عباداته ومعاملاته علي وجه صحيح ان يقلد أحد المذاهب الاربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتکم علي هذا الرأي علي إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلاً، فأجاب فضيلته: إن الإسلام لا يوجب علي أحد من اتباعه أتباع مذهب معين بل نقول: إن لکل مسلم الحق في أن يقلد باديء ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلًا صحيحًا والمدونة أحکامها في کتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبًا من هذه المذاهب أن ينتقل الي غيره، أي مذهب کان، ولا حرج عليه في شيء من ذلك، وثانيًا إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعًا کسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما کان دين الله وما کانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة علي مذهب، فالکل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس اهلًا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات، وفي كتابه “من توجيهات الإسلام” في أواسط القرن العشرين، ينتهي فضيلته إلى عدد من المبادئ الأساسية في الحكم منها أن الحاكم وكيل للأمة وليس له عليها سيادة بل هى سيدته وهو خادمها الأمين، فيقول “من حق الأمة أن تختار حكامها، تعينهم وتعزلهم، وتراقبهم في كل تصرفاتهم الشخصية والعامة، فالحاكم يجب أن يكون حميد السيرة، فإذا ساءت سيرته فللأمة عزله، و يجب أن يكون عادلًا، فإذا ظلم فللأمة عزله، ويتفق الفقهاء على أن الحاكم هو مجرد وكيل عن الأمة يخضع لسلطات موكله في جميع الأمور، و هو مثل أي وكيل لفرد من الأمة في البيع والشراء يخضع لما يخضع له الوكيل الشخصي، وأن الشورى أساس الحكم، وأن الرقابة الشعبية حق للأمة، فمن حقها أن تراقب حكامها وتحاسبهم وترسم لهم خطوط تدبير مصالحها، وتشرف على التنفيذ، و تعدله حسب مصلحتها، وللأمة عزله إذا جار وظلم وظهر غشمه ولم يرع لناصح أو زاجر فان رفض العزل عزلته بالقوة”، وصدر قبل وفاته قانون إصلاح الأزهر سنة 1961م، ودخلت في عهده العلوم الحديثة إلى الأزهر، وأنشئت عدة كليات فيه، وأرتفعت مكانة شيخ الأزهر حتى لاقى من الجميع كل الإجلال.
ويعتبر الشيخ عبدالمتعال الصعيدي (1894-1966) من أهم العلماء المتميزين في مدرسة محمد عبده، والإمتداد الأبرز والأهم لأفكار ورؤى الإمام محمد عبده في قضية الحرية، فقد كانت جهوده تمثل مرحلة إبداع ذاتي ورؤية رحبة وتأصيل فكري جديد لقضية الحرية الفكرية والحرية الدينية في الإسلام، وحول قضية حرية الفكر والاعتقاد ذهب الشيخ الصعيدي إلى حق الإنسان في الإيمان بالله وفي حقه في النقوص عن هذا الإيمان، دون أدنى مسئولية جنائية ولا اجتماعية تلحقه نتيجة ذلك، فكان جريئًا في مناقشة قضية الردة التي انتهى فيها لرأي واضح، وهي أن الجزاء فيها ديني فقط، أمره لله (سبحانه وتعالى) وأن ما جاء في القرآن عن الردة لا يستوجب القتل، وفند الآراء المخالفة، وانتهى إلى أن جزاء المرتد يكون أخروي فقط، أما في الدنيا فيدعى للإسلام غير المسلم وفقط، كما أكد على أن الحرية والمساواة حق لجميع أبناء الوطن بغض النظر عن دينه أو اعتقاده، وأكد على أن الإسلام جاء ليؤكد على الحرية، التي حولها بعض الحكام لاستبداد، وذهب علماء السوء لتبرير هذا الاستبداد، الذي يتناقض صراحة مع جوهر الإسلام، الذي جاء لتحرير الإنسان من القيود التي تعوق مسيرته وحريته، كمخلوق حر له حريته الكاملة في التعبير عن رأيه وفكره، وفي حريته في اختيار دينه، كما له حريته في اختيار حاكمه وفي نقده ومعارضته متى ثبت له خطأ الحاكم أو من يمثله، دون قيد أو شرط يهدد حياة الإنسان.
يفرق الصعيدي بين حرية الفكر والحرية الدينية، وذلك أن حرية الفكر أوسع من الحرية الدينية لأن حرية الفكر تشمل ثلاثة أنواع من الحريات، وكل نوع من هذه الحريات له مجاله الخاص الذي لا يشاركه فيها نوع آخر، أولًا الحرية العلمية، وهي عبارة عن إطلاق سلطان العلم فوق كل سلطان، لأنه يعتمد في سلطانه علي العقل، وقد خلق الله العقل ليميزنا به علي جميع مخلوقاته، فإذا أهملنا الاعتماد عليه لم يكن هناك معني لخلقه فينا، وفعل الله سبحانه يتنـزه عن العبث، فكل ما خلقه له حكمته التي لابد من استعماله فيها، تحقيقًا لمعني هذه الحكمة، وتنـزيهًا لفعله تعالى عن العبث، وبناءً عليه، فإنه لابد من المواءمة بين العلم والدين، ليعيش كل منهما بجانب الآخر مطلق الحرية موفور السلطان، ويتعاونا على سعادة الإنسان في دنياه وأخراه بدلًا من أن يتعارضا، فيقف كل منهما في سبيل الآخر، فيشقى الإنسان باختلافهما وتضطرب حياته بينهما، ومن الطبيعي أن يدعو الإسلام، الذي تقوم دعوته فى الأساس على التفكر والنظر العقلي، إلى العلم، وذلك لأن التفكر نتيجة طبيعية للعلم والمعرفة، والغرض الذي من اجله يدعو الإسلام إلى العلم هو نفس الغرض الذي يدعو للتفكر، كما أن الغاية واحدة من الاثنين، فالعلم يُطلب لأنه يوصل إلى الإيمان بالله تعالى، والعلماء هم الذين يصلون به للإيمان وليس الجهلاء، وبناءً عليه فالعلم كالتفكر مطلوب لذاته، سواء أوصل الإنسان إلى الإيمان بالله أم لا، والإيمان عن طريقه يتم بحرية واختيار، وهما شرط فى صحة الإيمان، والحرية والاختيار لا يتحققا إلا إذا أخذ العلم طريقًا مطلقًا، وسار فيه الإنسان على هدى العلم ومنهجه فقط، فإذا وصل الإنسان من خلاله إلى الإيمان بالله فبتوفيق الله، وإذا لم يصل فيه إلى شيء فإنه أدى المطلوب منه، ولا يصح إكراهه على شيء لأن الإكراه عكس الحرية والاختيار كشروط أساسية فى العلم، كما أن الإسلام لا يقيد العلم بطريق معين ولا نتيجة معينة، لأن طلب العلم هدف فى حد ذاته سواء وصل إلى الإيمان أم لا، كما أن الإسلام لم يقيد العلم بأنه ديني أم لا، ولكن جعله مطلقًا دينيًا أو دنيويًا، لأن كل منهما يكمل الآخر حسب الرؤية الإسلامية، والعلوم الدنيوية لا سلطان للإسلام فيها، وإنما السلطان للعقل فقط، حتى لا يكون هناك وسيلة لرجال الدين للوقوف فى سبيلها باسم الإسلام، فيعوقها عن التقدم والنهوض، أو يفرض نفسه على رجالها بغير حق، لأنه لا شأن له بهم، فله مجاله ولهم مجالهم، ويستدل على ذلك بقصة تأبير النخل لما نهى عنه الرسول (ص) ثم عاد ووافق عليه بقوله “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، ويستلزم من هذا أن تكون دعوة الإسلام إلى العلم والتفكر والحرية العلمية مطلقة بلا قيود، حتى لا يكون هناك سلطان لغير العقل والعلم، ولا يخشى بأس حاكم أو رجل دين لأنه مجتهد مطلق السراح حتى ينهض بأمته في أى فروع العلم شاء دينيًا كان أو دنيويًا، ويكون قادرًا على الإبداع والتجديد، ومن هنا فلا يصح أن يخشى الإسلام التفكر وهو يدعو إليه، ولا أن يخشى العلم وهو يدعو إليه أيضًا، إذ ليس فيه شيء يناقض العقل حتى يخشى التفكر، ولا شيء يناقض العلم حتى يخشى العلم، وإنما هو دين العلم والعقل، فليكن للعقل فيه سلطانه المطلق، وليكن للعلم فيه سلطانه المطلق أيضًا، وليعلن خضوعه لسلطانهما من غير خوف منهما، ليتفق الثلاثة على إسعاد المجتمع الانسانى فى دنياه وأخراه، ولا يناوئ واحد منهما الآخر فى ذلك، لأن هذا مما لا يصح المناوأة فيه، ومتى اتفقت غاية الثلاثة فيه أمكن الجمع بينهما في كل ما يشبه فيه الأمر بينها، أو يكون فى ظاهره خلاف يوهم تنافيها، وما أسهل الجمع في ذلك عند خلوص النية، وعند المرونة الدينية والعلمية، كما أكد الصعيدي أن الإسلام فتح باب الاجتهاد في الدين، فأعطى لدليل العقل سلطانه على دليل النقل، وذلك عند قيام الدليل العقلي القاطع علي عدم إرادة ظاهر النص، وإذا لم يوجد الدليل العقلي القاطع لم يذهب إلى التأويل، ويبقي علي ظاهر النص، لأنه الأولى في هذه الحالة، وذلك أن الظن العقلي لا يغني من العلم شيئًا، وجملة القول أن إخضاع دليل النقل لدليل العقل، فيه من الحرية العلمية كل ما تسعه هذه الكلمة من معني، وما يعطي العلماء سلطة واسعة أمام الجامدين من رجال الدين، فلا يكون لأولئك الجامدين سلطان عليهم أصلًا، ولا يكون لهم أن يسلكوا سبيل التعسف معهم، وإنما هو قرع الدليل بالدليل، وما اضعف دليل الجمود أمام دليل التجديد، وأمام هذه الحرية العلمية لا يمكن الخوف علي الدين الحنيف التي أطلق لها العنان، كما لا يُخشى علي الدين من تغير المسائل العلمية، فالربط بينهما لا ينزع قداسة الدين كما يتوهم بعض المجددين، لأن الربط بين المسائل الدينية والمسائل العلمية، لا يكون إلا في المسائل العلمية قطعية الثبوت واليقين، والتي لا تتغير بتغير الزمن، بخلاف المسائل العلمية المبنية علي الظن، ولا يوافق الصعيدي علي رأي متأخري الأشاعرة الذي يصفهم بالجامدين في قولهم “إن التأويل إذا كان أعلم فان تركه أسلم” لأن التأويل إذا كان أعلم فهو أسلم، لأن السلامة مع العلم دائمًا.. وثانيًا الحرية السياسية، وقد تناول الصعيدي قضية الحرية السياسية، كركن أصيل من أركان الحرية الفكرية، وحاول الربط بين الإسلام وقضايا الفكر السياسي والقانوني المعاصر، مثل أن الأمة مصدر السلطات، وحق الفرد في الاعتراض علي الحكم، وحق الأقلية في المعارضة، وفي حديثة عن الحرية السياسية يتسائل الصعيدي، هل الأمة مصدر السلطات في الإسلام؟، ويؤكد أن الجواب علي هذا السؤال يتوقف عليه نصيب الأمة ونصيب كل فرد من أفرادها في الحرية السياسية، ويرد بثقة وثبات بأن الأمة هي مصدر السلطات في الإسلام، ولها حق الاشتراك في تنصيب الحاكم الذي تريده، كما لها اختيار شكل الحكم الذي تريده جمهوريًا كان أو ملكيًا، وحق الأمة في هذا الحق لجميع أفرادها، ويترتب علي هذا أنه إذا كانت الأمة هي مصدر السلطات كان حاكمها تحت سلطانها، ولم تكن هي تحت سلطانه، وتكون لها حريتها السياسية بأكمل معانيها، لأن هذا الحق في هذه الحرية كفله لها الإسلام، ولم تأخذه منحة من الحاكم لأنه لو منحة من الحاكم لم يكن حقًا صحيحًا حيث من حقه استرداد هذه الحرية إذا كان له حق منحها، ومن أجل هذا أراد الإسلام أن يجعل حق الأمة في حريتها السياسية حقًا طبيعيًّا لا تستمده من حاكم إنما تستمده من كونها مصدر السلطات في الحكم وبهذا يصبح الحاكم تحت سلطتها وليس العكس، وعلى هذا الأساس قام الحكم الإسلامي في عهد النبي (ص) وفى عهد الخلفاء الراشدين من بعده، حيث تمثل تلك الفترة الحكم الصحيح في القرون القديمة للإسلام قبل استيلاء بنى أمية على الحكم ومن تلاهم من بني العباس وغيرهم فإنها لم تكن حكمًا إسلاميًا صحيحًا ولم تكن الأمة فيها مصدر السلطات، وإنما كان الحاكم المستبد هو كل شىء فى الدولة وبيده وحده سلطاته كلها، ولم يكن للأمة معه حق في حريتها السياسية، ومما يؤكد أن الأمة مصدر السلطات فى الإسلام القاعدة المجمع عليها عند أهل السنة على أنه يجب خلع الإمام متى جرحت عدالته بفسق، أو عجزه بعلة ولا يرجى صلاحها، لأنه يستحيل استمرار مقاصد الإمامة، ويستشهد على كون الأمة مصدر السلطات، فى فترة الحكم الرشيد التى شملت عهد النبوة والخلفاء الراشدين من بعده، بمشاورة الرسول لأصحابه فى الغزوات وفى كافة شئون الحياة السياسية، واستمر الأمر على ذلك المنوال فى عهد الخلفاء الراشدين، فقام نظام الحكم على المشورة حتى عهد علي وخروج معاوية ومن معه من أهل الشام عليه، فيما لا يطعن فى إمامته لأنهم كانوا قلة وكان مؤيدًا بموافقة الأغلبية عليه، وجاء مقتل علي بيد أحد الخوارج وهو يصلى الفجر، فأخلى لأولئك الخوارج الجو لمعاوية بجهلهم حتى أخذ الحكم بالسيف، بعد أن كان يؤخذ باختيار الأمة، ويقوم على أساس أنها مصدر السلطات كلها، وقد سن هذه السنة لمن أتى بعده من ملوك المسلمين، ويترتب على هذا الحق باعتبار أن الأمة مصدر السلطات، حق الفرد في الاعتراض، ويترتب على أن الأمة هى مصدر السلطات، أن كل فرد من أفرادها له الحق فى هذه السلطة، فيؤخذ رأيه فى تنصيب الحاكم، ويكون له حق الإعتراض على ما يرى الاعتراض عليه من نظام الحكم بحرية تامة، سواء كان مصيبًا فى اعتراضه أو مخطئًا، لأنه غير معصوم من الخطأ، فإن أصاب فهو مأجور، وإن أخطأ فهو معذور، استنادًا إلى حديث الرسول “إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”، وكان حق الفرد فى الإعتراض على الحاكم قائمًا حتى فى عهد النبوة، رغم اتصاله بالوحي السماوي، وكون أغلب الأحكام منتقاة عنها، لدرجة أن الاعتراض على النبي فى بعض أحكامه كان يتجاوز أحيانًا حق الإعتراض المقبول، ويجاوزه إلى الاتهام والطعن فى الذمة، فلا يكون رد فعل النبي (ص) إلا إظهار ألمه من هذا الطعن فى ذمته، ولا يتجاوز إلى أخذ الطاعن بعقوبة دنيوية ترهب غيره أن يقع فى مثله، وذلك لأن أخذ الناس بالإرهاب يزرع فى نفوسهم الجبن، ولا يجرئهم على نقد الحكام، ومن ثم يستنيمون لظلم حاكمهم، فيحصل ما يحصل من الفساد فى الحكم، ومن النماذج العملية على هذا الحق فى عهد النبي اعتراض بعض الصحابة على توزيعه كما حدث فى أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، فقسمها النبي بين أربعة نفر وهم عيينا بن بدر، وأقرع بن حارس، وزيد الخيل، وعامر بن الطفيل، وقال رجل من أصحابه: “كنا نحن أحق من هذا من هؤلاء”، فلما سمع النبي ذلك قال “ألا تؤمنوننى وأنا أمين من فى السماء، يأتنى خبر السماء صباحًا ومساءً”، فقام رجلا وقال يا رسول الله “أتقى الله، فقال (ص) له: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقى الله؟ ثم ولى الرجل، فقال خالد ابن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال له: لا، لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فقال له: إنى لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم، فهذا رجل قد تجاوز حقه السياسى فى الإعتراض المقبول، إلى إتهام النبي بالخيانة، ومحاباة أولئك الأربعة من صناديد العرب، وكانوا حديثوا عهد بالإسلام، وكان عطائه لهم تأليفًا لقلوبهم، وتقوية لإيمانهم، لما كان لهم من طمع قديم فى المال، وهذا من حسن السياسة فى الدنيا، ليكون شوكة للإسلام لا شوك عليه، وقد جاز الإعتراض على النبي كحاكم من قبل الإفراد رغم إتصال الوحى به لأن النبى كان مجتهدًا فى بعض الأمور الذى لم ينـزل عليه فيها وحى، وهذا الحق بالإجتهاد يشمل أمور دينية ودنيوية معًا، وأنه وهو المعصوم يجوز عليه الخطأ فيما يجتهد فيه، فيجوز من الأفراد الاعتراض على بعض أحكامه، اعتمادًا على أنه يجوز أن يكون من اجتهاده لا من طريق الوحى، وعلى أنه يجوز أن يكون أخطأ فيه، فيكون لهم حق تنبيهه إليه، ويكون لهم فى هذا الحق من الحرية، ما يكونون فيه قدوة حسنة لمن بعدهم من المسلمين، لتكون أمة حرية لا عبودية، وتسن سنة حسنة فى وجه الطغيان والإستبداد حيثما كان، لأن الإسلام جاء رحمة للعالمين، وقد أكد أسلافنا على ضرورة حماية الحرية الفقهية، وعدم التدخل فى حرية الاجتهاد فعلى هذا درج السلف الصالح، كما أن اختلافهم فى المباحثة عن أدلة الشرع منة من الله ونعمة، وفى ذلك تنشيط للحياة الثقافية والدينية، وتدريب لملكات العقل على التأمل والاستنباط، كما فيه احترام للعلماء وإغراء لهم على بذل أقصى ما فى وسعهم لممارسة الحرية الدينية، وتطوير الفكر وتجديده، كما يترتب على حق الفرد فى الاعتراض على الحاكم باعتبار أن الأمة هى مصدر السلطات، حق الأقلية فى معارضة الأكثرية، ويكون للأقلية الحرية التامة فى حق الاعتراض على الأكثرية المناصرة للحكم القائم، وهذا الحق مثل حق الفرد فى الاعتراض على الحاكم سواء بسواء، فالفرد اكتسب هذا الحق باعتبار أن الأمة مصدر السلطات فى الإسلام، فله نصيب من ذلك مما لها فى ذلك لإنه فرد منها، وكذلك الأقلية أفراد من الأمة فيجب أن يكون لهم نصيب فى ذلك أيضًا، وقد وجدت هذه الأقلية الممثلة للمعارضة فى الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول، فجماعة عبد الله بن أبى سلول من الأوس والخزرج، الذين كانوا مخلصين له وتظاهروا بالدخول فى الإسلام على أن يمثلوا دور المعارضة، كلما سنحت الفرصة لذلك، لعلهم يستطيعون التأثير فى الأغلبية فيرجعون لوضعهم القديم، وعرفت تلك المجموعة بالمنافقين، حيث كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وكانت تبدو منهم معارضة سافرة للحكم، وحينما تفشل نتيجة كياسة النبى وإخلاص أصحابه يتبرأ هؤلاء المنافقون من أفعالهم، فيقبل النبى منهم ذلك، ولا يؤاخذهم على شىء من معارضتهم، لإيمانه بحق المعارضة فى الحكم، حتى لو لم يكن مخلصًا، لأن ذلك أفضل من أخذ الناس بالكبت والقهر، وذلك لأن الحرية السياسية حق من الحقوق التى يجب الإيمان بها، وهى تفيد الحكم ولا تضره، وتربي الناس تربية حرة كريمة، وتقطع الطريق أمام من تسول نفسه له أن يسلك سبيل الطغيان فى الحكم، فيستبد بالناس فى حكمه، ولا يجعل لهم حقًا فى استعمال الحرية السياسية معه، وحينما طلب عمر بقتل بن أبى سلول رفض النبى قائلًا “كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ؟”، هذه هى الحرية الحقة أن يغض النبي كحاكم عن تآمرهم، وأن يبقي على اسم الصحبة لهم ليمضوا فى ظلها أحرارًا يعارضون ولا يضيق صدره بمعارضتهم، ولم يقف فى سبيل حريتهم، ويتركهم ينفسون بحرية عما فى صدورهم، لأن الضغط يولد الانفجار، ويزيد فى العداوة والبغضاء، وقد استمر هذا الحال فى عهد الصحابة، وقد قبل علي بن ابي طالب معارضوه فى قبول التحكيم مع معاوية، رغم أن معارضتهم كانت خارجة عن حدود المقبول كمعارضة إلى حد الثورة المسلحة، فلم ينكر معارضتهم ولا إصرارهم عليها، وقال فى بعض خطبه “إن لكم عندنا ثلاث ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا”، ومن ثم أطلق لهم الحرية فى معارضة حكمه، ولم يمنعهم من الإصرار على معارضتهم فيما أنكروه عليه، لأن هذه المعارضة حق من حقوقهم، ولهم حريتهم أن يعارضوا فى حدود المعارضة المقبولة، فلا تمنعهم من حقوقهم فى الدولة شيئًا، ولا تحرمهم أن يعيشوا فيها إخوانًا لمن يعارضونهم من الكثرة المناصرة للحكم، وهذا هو منتهى الحرية فى الدول، وهى حرية لم تكن معروفة فى ذلك الوقت، وإنما كان ملوكه يحكمون فيه على أنهم آلهة أو أشباه آلهة، فلا حق لأحد فى معارضتهم، ولا حرية لرعايتهم لأنهم عبيد لهم.. وثالثًا الحرية الدينية، وهي عبارة عن حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، فلا سلطان لأحد من الناس عليه فيما يعتقده، فهو حر في أن يعتقد ما يشاء أو لا يعتقد في شيء أصلًا، كما أن له الحرية في إذا اعتقد في شيء أن يرجع عن اعتقاده، و له أن يدعو من يشاء إلى اعتقاد ما يعتقده في حدود ما تبيحه حرية الاعتقاد من الدعوة إلى ما يعتقده بالتي هي أحسن، فليس لأحد الحق في استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا حق استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا إرتد عنها، وإنما هي الدعوة بالتي هي أحسن في كل الحالات، وإذا لم يكن لأحد حق استعمال القوة معه، فليس له أيضًا حق استعمال القوة مع غيره، حتى يتكافأ الناس في هذا الحق، ولا يمتاز فيه واحد بشيء دون الآخر، وإنما هي حرية مطلقة لكل الأشخاص، وحرية مطلقة لكل الأديان، وحرية مطلقة في جميع الحالات على السواء، والحرية الفكرية في مأمن من العقاب الدنيوي، مالم يصل إلى شيء من التعسف والإعنات، وذلك أن الجزاء الدنيوي الطبيعي الذي سنته الشرائع السماوية والقوانين الوضعية شرعت العقاب الدنيوي لردع الجرائم التي تفسد المجتمع كالقتل والسرقة لتطهير المجتمع منها، وتقليل الشرور بفرض عقوبات دنيوية رادعة، وتبدو سعة أفق الصعيدي وانفتاحه على جميع المذاهب والمدارس الإسلامية، دون موقف مسبق، حينما يستشهد برأي الجاحظ والعنبري من المعتزلة، بأنه لا إثم على المجتهد مطلقًا، وإنما الإثم على المعاند الذي يعرف الحق ولا يؤمن به استكبارًا، فالمجتهد المخطئ غير آثم عند هذا الفريق من المعتزلة حتى لو أداه اجتهاده إلى الكفر الصريح، وذلك لأن تكليفه بنقيض اجتهاده يعد تكليفًا بما لا يطاق، وهو ممتنع عقلًا وشرعًا، وهو أقرب إلى روح الشرع من موقف الجمهور الذي يرى إمكانية التكليف بما لا يطاق عقلًا وشرعًا، فموقف هذا الفريق من المعتزلة منسجم مع قوله تعالى في سورة البقرة آية 286 “لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ”، فالتكليف بما لا يطاق ممتنع عقلًا وشرعًا بنص الآية، ومذهب هذا الفريق من المعتزلة ظاهر في نفى الإثم مطلقًا عن المجتهد المخطئ بمقتضى دليلهم السابق، ولكن بعض المتكلفين حاول ربط هذا الرأي وتقييده، بالمسائل الخلافية بين الفرق الإسلامية، مثل نفي رؤية الباري تعالى، ومثل القول بخلق القرآن، فلا يدخل فيه ما هو من الكفر الصريح، ولكن هذا خلاف مذهب هذا الفريق كما هو ظاهر، وقد استدل الجمهور لمذهبهم بإجماع المسلمين قبل ظهور هذا الفريق من المعتزلة، على وجوب قتل الكفار مطلقًا، وعلى أنهم من أهل النار مطلقًا، وهذا دون تفرقة بين المعاند وغير المعاند، ولو كانوا غير آثمين لما جاز قتالهم، ولما كانوا من أهل النار، ودليل الجمهور مبنى على شقين، الشق الأول مبني على مذهبهم في وجوب قتال الكفار على كفرهم، وهذا المذهب باطل لقوله تعالى في سورة البقرة آية 256 “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”، وكل آيات القتال في القرآن ظاهر في أن قتالنا للكفار مسبوق بقتالهم لنا، فنحن ندافع عن أنفسنا فنقاتلهم على قتالهم لنا، ولا نقاتلهم على كفرهم، أما الشق الثاني من دليل الجمهور فيه مصادرة على المطلوب، لان اصل النزاع بين هذا الجمهور وهذا الفريق من المعتزلة، في كون الكفار غير المعاندين آثمين ومن أهل النار، أو غير آثمين ولا من أهل النار، ودعوى الإجماع في هذا لا قيمة لها، لأنه لا يستند على دليل، والدليل قائم عند هذا الفريق من المعتزلة، على أن الكفار غير المعاندين غير آثمين، ويعد مثل هذا الرأي مهمًا في قضية حوار الحضارات والتقريب بين الشعوب على اختلاف أديانها، ويجعل الخلاف في أصول الأديان كالخلاف في فروعها، إذ يعذر فيه من لا يعاند في الفروع، فينجو كل منهم من عذاب الآخرة لعذره في خلافه، وبهذا تتغير نظرة أهل كل دين إلى غيرهم تغيرًا تامًا، وذلك حيث ينظر كل منهم للآخر، كما ينظر أهل كل دين إلى أنفسهم عند اختلافهم في الفروع، وهذا يدعم نظرية الحوار والتقريب بين الشعوب على اختلاف أديانها، ويذلل اكبر عقبة تعترض السلام بين الشعوب، وتقف حجرة في تناسى أحقادهم، وتبادل الود والمحبة فيما بينهم، وهذا الاجتهاد الديني الأصيل، يعد أساسًا إسلاميًا لتقارب ديني عام، وسلام عالمي بين الشعوب والأديان، وبذلك نجد أن الشيخ الصعيدى اهتم بقضية الحرية بجميع جوانبها على اعتبار أنها حق إلهى للإنسان لا يحق لأحد أن يصادر حريته فى الفكر والتعبيير، ولا أن يكرهه على اعتقاد أو رأى، ولا أن يصادر حقه فى الاعتراض والنقد.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك