بعد تولي الرئيس السادات الحكم عام 1970 طرح شعاري سيادة القانون ودولة المؤسسات، وكانت بداية مبشرة بتحول ديمقراطي فوقي بدأ بصدور دستور 1971، والذي احتوى على بعض المواد المستنيرة في حرية الفكر والاعتقاد، مثل المادة 46 القائلة: “تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية”، والمادة 48 التي نصت على أن: “حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة والرقابة على الصحف محظورة”، ومثل المادة 49 التي تقول: “تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والثقافي، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك”، وذلك رغم القيود القانونية في المادة 47القائلة: “حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو النشر أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير(في حدود القانون)”، على أن اكثر مادة مثيرة للجدل في دستور 1971هي المادة الثانية القائلة:”الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، رغم أن هذه المادة تؤكد على مبادئ الشريعة، وهي غير تفصيلات وأحكام الشريعة الإسلامية، فمبادئ الشريعة الإسلامية هو ما يُعرف لدى الفقهاء بمقاصد الشرع، وقال الفقهاء إنها حفظ النفس والعرض والمال…الخ، أي أنها كليات أساسية في التشريع، ومبادئ الشريعة أو مقاصدها لا تختلف عن هدف أي قانون دولي أو محلي، وهو تحقيق العدل والموازنة بين العدل الاجتماعي والحرية وتحقيق السعادة للمواطنين… الخ، وهذا يتعارض مع وجود عشرات المواد التي جعلت الرئيس متحكمًا في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ورئيسًا أعلى للقضاء والشرطة وقائدًا أعلى للقوات المسلحة، يملك ويحكم وليس مسؤولًا أمام أي جهة، في نفس الوقت الذي يملك فيه إقالة الحكومة أو إقالة مجلس الشعب، ومن المؤكد أن هذه المادة قد جيء بها كعربون للصداقة بين السادات والتيار الوهابي وعقيدتة في(الحاكمية) أي الحاكم المتأله وسلطته المستمدة من الله، ولكي تؤسس وتمهد لدولة دينية قادمة تقوم على أسس الكهنوت الديني السياسي الذي يتناقض مع الإسلام بقدر مع يتطابق مع الخلافة العباسية أو الأموية أو الفاطمية أو العباسية، حين كان يملك الخليفة الأرض ومن عليها، ومن هنا كان جزع المناهضين للسادات بقدر ما كان فرح الطامعين في وراثته من الظلاميين المتحالفين معه العاملين لدولة دينية قادمة، والذين أُتيح لهم أن يتغلغلوا في أجهزة الدولة بدلًا ممن اتهمهم السادات بإنكار الشرائع السماوية.وفي عام 1975 صدرت (اللائحة التنفيذية) لقانون الأزهر رقم 103 لسنة 1961، وذلك بقرار جمهوري رقم 250 لسنة 1975، بشكل يتمشى مع ما أعطاه السادات للأزهر والتيار السلفي، وبنفس القدر يخالف القانون الأصلي التي جاءت اللائحة لتفسيره وليس للتناقض معه، ففي المادة 15 من القانون الأصلي 103 لسنة 1961 تجعل مهمة مجمع البحوث الإسلامية تجلية وتنقية الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي وتجليتها في جوهرها الأصيل، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وكل بيئة، وبيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان مفترضًا أن تأتي اللائحة لتوضح كيفية قيام مجمع البحوث بهذه المهمة العلمية البحثية في مصر والعالم الإسلامي، إلا أن اللائحة تجاهلت ذلك كله وحولت المجمع إلى جهة تصادر الكتب وتقف لحرية الفكر بالمرصاد، فالمادة (17) من اللائحة تجعل من واجبات المجمع تتبع ما يُنشر عن الإسلام والتراث الإسلامي من بحوث ودراسات في الداخل والخارج، والانتفاع بما فيها من رأي صحيح أو مواجهتها بالتصحيح والرد، وإذا كان الفكر الديني مبنيًا على الخلاف في الرأي فإنهم لن يجدوا في الرأي الآخر إلا خطأً محضًا، وبالتالي فإن السلطة التي في أيديهم ستحول هذا الخلاف إلى كفر، لأنه وقر في قلوبهم أن من يخالفهم قد خالف الإسلام، واللائحة المخالفة للقانون تعطيهم هذا الحق. وبينما جاءت المادة (25) من قانون الأزهر بأن يختص المجمع بالنشر والتأليف وفي نطاق الأزهر على أن لا يتعدى دوره التوجيه دون المصادرة، تأتي اللائحة في العصر الساداتي لتحول مجمع البحوث إلى إدارة للمصادرة خارج الأزهر، وهنا تحول مجمع البحوث إلى محكمة تفتيش لكل كتاب يتعرض للشأن الإسلامي ولو في بضعة أسطر، وبذلك يكون قانونًا من حق المجمع أن يسمح بتداوله ونشره وعرضه أو أن يمنع ذلك. ولذلك فإن عصر السادات زرع ألغامًا أمام العقل المصري، ووضع إطارًا دينيًا للتيار الوهابي الطامح للحكم كي يتهم خصومه السياسيين بالكفر بحجة إنكار تطبيق الشريعة، وقُدر لهذه الألغام أن تنفجر في وجه السادات نفسه حين اتهمه التيار السلفي بالكفر، وتوالى انفجار الألغام حتى يومنا هذا.
استمر السادات في طريق التبعية الشاملة والموضوعية لدول مركز الرأسمالية العالمية،وتُوجت تلك التبعية بإنشاء ميثاق ما عرف باسم (نادي السفاري) في عام 1976 أثناء فترة الحرب الباردة،وكان أعضاؤه الرسميون هم:فرنسا،وإيران تحت حكم الشاه، ومصر، والسعودية الوهابية، والمغرب.وهو لوبي استخباراتي إقليميي يعمل بالوكالةتتزعمه فرنسا آنذاك،وهو امتداد لأنشطة استخباراتية غربية سابقة سعت للتنسيق بين جهود أجهزة الاستخبارات الغربية وعملائهم المهمين في دول العالم الثالث، وكانت هذه الجهود قد اتخذتصورًا متعددة هدفت جميعها لمناهضة المد الشيوعي واجهاض الثورات والانتفاضات الشعبية حول العالم، وكذلك التصفيات السياسية، ودعم الانقلابات العسكرية، وكان من ضمن هذه الأنشطة دعم الطائفية والمذهبية والصراعات الإثنية والجنسية في دول العالم الثالث وخاصة في الشرق الأوسط، وكذا خلق ومساندة التنظيمات الوهابية الإرهابية التي تم إدماج قادتها ضمن تلك المنظمات الاستخباراتيةواستغلالها بشكل موسع في هذا الشأن، وهذ بالطبعيوضح جذور وطبيعة العلاقة الموضوعية بين السادات والتيار الوهابي منذ اللحظة الأولى لمجيئه المشؤوم إلى السلطة. واتخدت هذه المنظمات الاستخباراتية العاليمةأشكالا متعددة منها شبكة (لو سيركل) التي أُنشئت عام 1969والتي ضمت اسم الأمير تركي الفيصلمع زعماء ورؤساء أجهزة استخبارات دول مركز الرأسمالية العالمية،وكانت بداية كشف هذه المعومات عن (لو سيركل) عام 1975عندما سُربت نحو 1500 من الصفحات الداخلية من (المعهد البريطاني لدراسة الصراع المباشر) لمجلة تايم أوت، وكذلك المجوعة الاستخباراتية(1001) التي قامت بنفس الأنشطة، وجميعها منظمات مخابراتية لها علاقات خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية. وكان (نادي السفاري) الذي أشرنا إليه إحدى الحلقات الهامة في هذا المسعى،وتولى إدارة مهام النادي تحالف يضم رؤساء أجهزة استخبارات الدول الخمسة، وقام ألكساندر مارانش مدير مصلحة المخابرات الخارجية الفرنسية بمراسلة أربع دول أخرى وجميعهن رفضن الاشتراك،ومن بين الدول التي تمت مراسلتها الجزائر لكن الرئيس هواري بومدين لم يستجب للمحاولة ورفضها.قام هذا التجمع بمحاربة النفوذ السوفيتي بالقارة الإفريقية والشرق الأوسط لصالح السياسة الغربيةوالأمريكية فيما يُعرف بـ (شرطيأمريكا) بالمنطقة،وكان ذراع السادات اليمنى في تلك المنظمة هو أشرف مروان، وبالتأكيد لن ننسى ما قاله السادات عن أشرف مروان: “يقوم بأعمال كرامتي لا تسمح لي بعملها”.وتبعًا للأدوار التي أُنيط بهاالسادات ضمن نطاق هذه المنظمات أن قام السادات بمخاصمة دول كانت صديقة لمصر مثل إثيوبيا بقيادة منجستو مما أضر بملف الأمن المائيلمصر نهاية السبعينات والتهديد بإقامة سدود والتهديد المتبادل بضربها. وقد جاء في مقدمة نص الاتفاق الذي وُجدت نسخة منه في أرشيف منظمة الاستخبارات والأمن الوطنية الإيرانية مايلي: “لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في أنغولا وفي الأجزاء الأخرى من إفريقيا، أن القارة ستكون مسرحًا للحروب الثورية التي يحرض عليها ويديرها الاتحاد السوفيتي، الذي يقوم باستغلال الأفراد والتنظيمات التي تتحكم فيها الإيديولوجية الماركسية أو يتعاطفون معها.”، وتحدثت الاتفاقية بعد ذلك في أساليب وطرق وقف التهديد السوفيتي، والخطر الشيوعي، مؤكدة أن مشروع التصدي لابد أن يكون عالميًا في مفهومه، يتبعه مركز للعمليات مؤهل لتقييم مجريات الأمور في إفريقيا، والتعرف على مناطق الخطر، والتوجيه بطرق وأساليب التعامل معها. ويضم المركز ثلاثة أقسام هي: قسم للسكرتاريا لمتابعة الشؤون الجارية وقسم للتخطيط وقسم للعمليات. واُختيرت القاهرة مقرًا للمركز، وتم تحديد موعد بناء المركز في 1 سبتمبر 1976. بينما تكفلت فرنسا بتزويد المركز بالمعدات الفنية للاتصالات والأمن. وقد أُعد للنادي مركز للاتصالات بباريس، ضم قاعة اجتماعات سرية ومركز اتصال دولي أسفل مطعم فاخر من مطاعم الدرجة الأولى، لكي يكون ستارًا لدخول وخروج الشخصيات المهمة بحرية وأمان. وعقد التحالف عدة اجتماعات في السعودية الوهابية وباريس وكذلك في مقر المركز بالقاهرة. وقد أُنفقت مبالغ طائلة للحصول على مبنى المركز وملحقات له وفي إقامة شركات واجهة (للتمويه)، وفي تركيب الخطوط الساخنة والأجهزة الحساسة الأخرى وغير ذلك من وسائل التقنية. واحتاج نادي السفاري إلى شبكة بنوك لتمويل عمليات الاستخبارات، وبمباركة رسمية من جورج هربرت بوش كرئيس لوكالة الاستخبارات الأمريكية قام رئيس الاستخبارات العامةالسعودية(كمال أدهم) بتحويل بنك تجاري باكستاني صغير هو بنك الاعتماد والتجارة الدولي إلى مكينة تبييض أموال بشراء بنوك حول العالم لخلق أكبر شبكة أموال سرية في التاريخ،أيضًا خدم بنك الاعتماد والتجارة الدولي بعمليات جمع المعلومات الاستخبارية بحكم اتصالاته المكثفة مع التنظيمات السرية في جميع أنحاء العالم.وفي هذا الصدد يقول محمد حسنين هيكل: “أنه بعد الاجتماع الأول الذي تم في المملكة العربية السعودية ظهر إلى الوجود ما أُطلق عليه (نادي السفاري)، وقد اُختير هذا الاسم لأنه بدا للمشاركين في الاجتماع أن له نكهة خاصة تتلاءم مع روح إفريقيا وعالم المغامرات.وكانتهذه التسمية فكرة ألكسندر دي مارنش”. وباشر النادي عملياته في زائير (الكونغو)، ففي عام 1977 عندما تعرض نظام الرئيس (موبوتوسيسيسيكو) الموالي للغرب لانتفاضة مسلحة،ناشد النادي أن يمدهم بالعون، ولم يذهب طلبه سدى، فقد أُرسلت إلى الكونغو قوات مصرية ومغربية محمولة بسلاح الجو الفرنسي مع عدم التصريح بالهوية الحقيقية لهذه القوات، إذ تم تسريب خبر مضلل لوسائل الإعلام يدعي أنها قوات فرنسية- بلجيكية، واستطاع نادي السفاري إنقاذ نظام (موبوتو) من السقوط حينئذ. وفي النزاع الصومالي-الإثيوبي حول إقليم (أوغادين) الواقع غرب الصومال، انتهز (نادي السفاري) هذه المشكلة، وأخبر أعضاؤه الرئيس الصومالي عندئذ (سياد بري) أنه لو تخلص من حلفائه السوفييت وخبرائهم العسكريين، فإنهم سيزودونه فورًا بالأسلحة والمعدات التي يحتاجها. وباعت مصر للصومال الأسلحة السوفيتية التي لم تعد بحاجة إليها، بما يعادل خمسة وسبعين مليون دولارًا، دفعتها السعودية الوهابية. وبالفعل قام سياد بري في حينه بطرد السوفييت وتخلى عن الشعارات الماركسية التي كانت تكتسي بها حكومته ومؤسسات النظام الصومالي، واستمر في مساعدته لحركة (تحرير أوغادين)، وتحول هذا الإقليم إلى مستنقع أو فخ محكم لسياد بري، الذي اكتشف لاحقًا أنه كان مخدوعًا من أصدقائه الجدد في نادي السفاري، وفي مقدمتهم شاه إيران، الذي استدعى السفير الصومالي ثلاث مرات خلال شهر واحد، وأخبره أنه ينبغي على سياد بري أن ينسحب من أوغادين. وقال: “لقد وصلتني ثلاث رسائل من الرئيس كارتر، فأنتم معشر الصوماليين تهددون بقلب موازين القوى في العالم.إذا انسحبتم من أوغادين، فإننا سنتخذ كل الإجراءات لتزويدكم بكل العون الذي ترغبونه، لكنه سيكون اقتصاديًا وليس عسكريًا. فلتنسوا كل شيء عن أوغادين”.وفي تعليقه على واقعة ونتائج استنجاد سياد بري بأعضاء نادي السفاري، يقول محمد حسنين هيكل:”إن ماحدث في الصومال قد أثبت لأعضاء النادي الحدود التي يمكنهم التحرك داخل نطاقها. فالشرطي الذي يقوم بواجبه له سلطة معينة داخل المنطقة التي يعمل فيها، لكن تحت إشراف مفتشي ومديري البوليس الذين يتمتعون بسلطات أكبر، وباستطاعتهم إصدار الأوامر إليه، وماعليه إلا أن يطيع… ومن الجوانب المدهشة لهذا النادي أن كل أعضائه كانوا يتظاهرون بإخفاء نشاطهم عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلا أنهم كلهم في واقع الأمر كانوا يقدمون تقارير موجزة لها عمايحدث. والأدهى من ذلك أن الجنرال ناصري (رئيس جهاز السافاك الاستخباراتي الإيراني آنذاك)اعترف في مابعد أنه لم يكن يخبر الأمريكيين فحسب، بل كان يخبر الإسرائيليين أيضًا… وقد صرح رئيس جهاز المخابرات في دولة خليجية، في خطاب ألقاه في حفل استقبال في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002 بقوله:(إنه في عام1976 وبعد فضيحة ووترجيت، كان الكونغرس قيد حركة المخابرات المركزية الأمريكية بقيود لاتطاق، فصارت غير مطلقة اليدين في تحريك الجواسيس والعملاء حول العالم، وفي دفع النقود لعملائها، وإعداد الملفات السرية ومتطلباتها، وفي كل شيء تقريبًا، لهذا كونت الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا يجمع إمكانيات أجهزة مخابراتها، حتى تساعد المخابرات المركزية الأمريكية في الحرب ضد الشيوعية، فكونوا ما اسموه (نادي السفاري)، الذي شاركت فيه كل من فرنسا ومصر والسعودية والمغرب وإيران، وكان له دور رائع في الحرب الباردة وتحقق النصر الأمريكي فيها”. ويُنسب للناديالمساعي الأولىفي عملية السلام بين إسرائيل ومصر،عن طريق ممثل المخابرات المصرية أشرف مروان،والتي أسفرت عن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام 1979.وبحسب هيكل فإن السادات قد طلب منه عام 1971 الذهاب للولايات المتحدة الأمريكية والتقابل مع كيسنجر والتفاوض معه باسمه، لكنه رفض، فاختار أشرف مروان لهذا الأمر.. وكان كيسنجر داخل تنظيم “لو سيركل” الاستخباراتى السابق الإشارة إليهوالذي كان يخطط لمستقبل العالم ووصنع أحداثه ومنها بالطبع حرب 1973 وما تبعها من نتائج أهمها (لا فائز ولا مهزوم)، وإعطاء السادات القوة والشرعية بما يمكنه من التفاوض لاحقًا. وكانناديالسفاري طرفًا في جميع مفاوضاتالتسوية مع الصهاينة، وصولاً إلى معاهدة كامب ديفيد، وقد بدأت هذه العملية مع أحد أعضاء سفاري من المغرب، الذي نقل شخصيا رسالة من إسحق رابين إلى السادات.
اتسمت السياسات العامة لنظام السادات في هذه الفترة بالعشوائية والتخبط الكاملين، حيث لم تكن الأهداف المرجوه من تلك السياسات المصلحة العليا للبلاد أو الأمن القومي المصري والعربي والإقليمي، أو الحفاظ على الثقافة والهُوية المصرية ضد الغزو الفكري الوهابي التكفيري والظلامي الذي أصبح يهدد المجتمع المصري بل وفكرة الدولة ذلتها، وإنما كان الهدف هو حماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الطفيلية الوليدة، التي تكونت منذ بداية حكم السادات وتغولت بعد تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي غير المدروس وتحالفت مع أذناب الوهابية، وأيضًا من أجل الاحتفاظ بالسلطة مدى الحياة وبكل الوسائل، ومنها بالطبع إرضاء الحلفاء الرجعيين والظلاميين والوجه الاستعماريين للغرب، والسعي لتحقيق مصالحهم في مصر والوطن العربي والإقليم. ففي ليلة 19-20 يوليو 1977 تم الإغارة على الاراضي الليبية وقصف قاعدة جمال عبد الناصر الجوية الليبية (قاعدة العظم سابقًا والتى تغير اسمها لقاعدة جمال عبد الناصر بعد رحيله)، وكانت الصورة مأساوية في بعض جوانبها فالهجوم على القاعدةأحدث خسائر واصابات كبيرة، حيث جرى نقلهم بسرعة إلى مستشفى طبرق ومعظم أطبائة في ذلك الوقت مصريين بل كان مدير المستشفى طبيبًا مصريًا مشهورًا هو الدكتور مصطفى الشربيني، وقد وصل به الأسى أن بعث برقية إلى السادات يقول فيها أنه: كان يجرى العمليات للضباط والجنود الليبيين والمصريين وهو لا يكاد يرى مواقع جراحهم لأن الدموع كانت تملأ عينيه. وكانت خسائر الجيش المصريأربع طائرات ميج 21 وطائرتان SU20 واُستشهد وجُرح مئة مصريأما خسائر الجيش الليبي فكانتستين دبابة وعشرين طائرة Mirage 5 وأربعين ناقلة عساكر مدرعة واُستشهد وجُرح حواليأربعمائة ليبي. وتواصل مسلسل التخبط حيث تم الدفع بالقوات الخاصة المصرية بمطار لارنكا في 18 فبراير 1978 بعد قرار خاطئ للسادات بارسال نخبة من القوات الخاصة المصرية تنقلهم طائرات سي 130 عسكرية بدون إذن مسبق من السلطات القبرصية لمحاولة فك رهائن طائرة مصرية بمطار لارنكا بعد اغتيال وزير الثقافة المصري يوسف السباعي، مما أدى إلى فتح إطلاق النار عليها من قبل قوات الحرس الوطني القبرصي التي كانت تحمي الرئيس القبرصي الموجود ببرج مراقبة المطار يحاول حل ازمة رهائن الطائرة بنفسة، مما أدى إلى مقتل خمسة عشر شهيدًا من القوات المصرية وإصابة ستينآخرين واعتقال الباقي وتدمير طائرتين سي 130 واحدة تدمير كامل واصابة الثانية.ووسط هذا التخبط والغوغائية من قبل نظام السادات كان التيار الوهابي الراديكالي يواصل اجتياحه للمجتمع المصري، فقد وصل الأمر عام 1977 إلى حد فوز كوادر الجماعة الإسلامية في ثماني جامعات مصرية، بإجمالي عضوية الاتحادات الطلابية من أصل اثنتي عشرة جامعة، كما يوضح المهندس أبو العلا ماضي، مضيفًا:”أن الجماعة فازت في الجامعات الأربعة الأخرى بنصف المقاعد… كانت مرحلة الاتحادات الطلابية أهم مرحلة من مراحل نمو الجماعة الإسلامية الوهابية، حيث حدث فيها انتشار واسع جدًا، وبدأت الجماعة تستخدم أسلوبًا جديدًا في العمل مع الطلبة كتوزيع الحاسبات الآلية بأسعار رمزية وشراء وسائل المواصلات الرخيصة مثل الدراجات والضغط على الجامعات لإحضار وسائل لنقل الطلاب من خارج الجامعة وتقديم وجبات بسعر رمزي للطلبة…ووصل الأمرإلى التدخل لإنصاف طالب ظُلم في نتيجة امتحان بأن تتم إعادة التصحيح وتخرج النتيجة لصالحه. كل هذا ساعد في التفاف الطلاب حول الجماعة الإسلامية. هذا التنظيم الذي ساعدته ظروف كثيرة في النمو، ليست كلها من تدبير وصناعة السادات، فقد استطاعت هذه الجماعات وبذكاء أن يتوحدوا في بعض القضايا القومية مع وجدان الناس في الشارع”. بعدها أسس شكري مصطفى تنظيمه (جماعة المسلمين) الذي اشتهر باسم (التكفير والهجرة) ودخل به في صدام متكرر مع السلطة ولكن مغامرته الكبرى كانت في خطف وقتل الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري السابق في 7 يوليو 1977، ليتم دهم أوكار الجماعة والزج بكوادرهم في السجون لينتهي الأمر بإعدام خمسة من قياداتهم على رأسهم شكري مصطفى. وكان التكفير هو العـنصر الأساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة، فهم يكفرون عامة الناس لأنهم غير موحدين على المذهب الوهابي التيمي الحنبلي، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله!!، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضًا، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد ودمه حلال ومستباح، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين، وكل من أخذ بأقوال الأئمة أو بالإجماع – حتى ولو كان إجماع الصحابة – أو بالقياس أو بالمصلحة المرسلة أو بالاستحسان ونحوها فهو في نظرهم مشرك كافر.
باكرًا، في 12 مارس 1971م،أعلنت (جولدا مائير) في جريدة التايمز البريطانية، ما سمته مشروع إسرائيل للسلام، حيث جاء بالمشروعأن إسرائيل لن توافق ابدًا على السلام إلا على الأسس التالية: عدم عودة قطاع غزة للإشراف المصري وستعتنيإسرائيل بشؤون اللاجئين،من الممكن أن تخرج سيناء من إدارتنا وتبقى القدس جزءً من إسرائيل،تحتفظ إسرائيل بمرتفعات الجولان، يجب إجراء مفاوضات حول الحدود في الضفة الغربية على ألا تعبرأي قوات عربية إلى الضفة الغربية لنهر الأردن،ينبغيألا تكون الحدود النهائية بين إسرائيل والضفة الغربية سببًا للفصل بل يجب ألا تكون عاملًا للربط بين العرب وإسرائيل، يجب ضمان حق الطرفين في الوصول إلى الأماكن المقدسة في أراضي الطرف الآخر، استمرار إسرائيل في الاحتفاظ بشرم الشيخ لأن مضايق تيران حيوية بالنسبة لميناء إيلات، معارضةإسرائيل لأي دولة فلسطينية في الضفة الغربية.وبالتدقيق في هذا المشروع نجد أنه في جوهره هو نفسه اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها السادات بعد ذلك بسنوات.وبعد نصر أكتوبر في ديسمبر 1973جمع مؤتمر سلام في جنيف برئاسة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إسرائيليين وعربًا للمرة الأولى من دون السوريين والفلسطينيين لإجراء مفاوضات مباشرة.وفي 9 نوفمبر 1977 أعلن السادات نيته الذهاب إلى إسرائيل، ما أثار صدمة الجميع عندما قال في مجلس الشعب المصري: “إنني على استعداد أن أذهب إلى آخر العالم إذا كان ذلك سيمنع إراقة دم جندي واحد من أبنائي.. وستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم، إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم”، وبعد ستة أيام، وجه مناحيم بيغن دعوة رسمية إلى السادات. وفي 19 نوفمبر وصل السادات إلى القدسوكل الدول العربية تقاطعه، في زيارة استمرت يومين، وصافح أعداءه اللدودين!!، ثم أجرى محادثات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، واقترح في الكنيست عقد سلام (عادل ودائم) في كل المنطقة. كانت الزيارة تاريخية، لأن كل الاتصالات المصرية-الإسرائيلية كانت سرية،ولكن الأمر تطلب عشرة أشهر من الجهود الدبلوماسية الشاقة حتى تبدأ المحادثات فعليًا.وفي أغسطس 1978، دعا الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، نظيره المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن إلى محادثات (للبحث عن إطار للسلام في الشرق الأوسط).وبدأت القمة في 5 سبتمبر بكامب ديفيد مقر الرؤساء الأمريكيين في عطلة نهاية الأسبوع، ورافق القادة الثلاث مستشاروهم الدبلوماسيون والعسكريون خلال المحادثات التي استغرقت ثلاثة عشر يومًا.وفي 17 سبتمبر أثار العناق الحار بين العدوين اللدودين!!، بعد توقيع وثائق السلام، ذهول العالم، ليتم توقيع أول اتفاقية سلام عربية إسرائيلية منوثيقتينحملا عنواني (إطار للسلام في الشرق الأوسط) و(إطار لإبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل”. وتنص المعاهدة في مقدمتها على أن:”القاعدة المتفق عليها للتسوية السلمية للنزاع بين إسرائيل وجيرانها، هي قرار مجلس الأمن (الدولي) رقم 242 بكل أجزائه”، وأُرفقت الوثيقتان برسائل (توضيح) تم تبادلها خلال القمة، تؤكد الخلاف الكامل بين مصر وإسرائيل بشأن القدس، والخلافات حول الضفة الغربية وقطاع غزة. ورأت الدول العربية في المعاهدة (سلامًا منفردًا) ونوعًا من (الخيانة)، وخصوصًا حيال الفلسطينيين، وقد قطع العرب علاقاتهم مع مصر، التي عُلقت عضويتها في جامعة الدول العربية.وفي نوفمبر مُنحت جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي (مناصفة) لأنهما كسرا جدار العزلة بين شعبيهما!!. وفي 26 مارس 1979 وقع السادات وبيغن أول معاهدة سلام عربية-إسرائيلية، استعادت مصر بموجبها شبه جزيرة سيناء في 1982. وقد قسمت معاهدة كامب ديفيد سيناء إلى مناطق (أ – ب – ج ) كما حُرمت مصر من ممارسة سيادتها على جزء من أرضها في سيناء فلاتملك ان تحرك قواتها فيسيناء إلا بما أقرته وحددته المعاهدة التي جاء في ملحق (1) البرتوكول الخاص بالانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن – المادة الثانية حيث حددت حجم القوات المصرية المتواجدة في المنطقة (أ) بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية وتحصينات ميدانية، العناصر الرئيسية للفرقة تتكون من ثلاثة ألوية مشاة ميكانيكية ولواء مدرع واحد وسبع كتائب مدفعية ميدانية تحتوي على مايصل إلى مئة وست وعشرينقطعة مدفعية وعدد مائتين وثلاثيندبابة وأربعمائة مركبة أفراد مدرعة وعدد اثنين وعشرين ألف فرد. أما المنطقة (ب) لايسمح فيها إلا بوحدات مصرية من أربع كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة ومركبات عجل وتتكون العناصر الرئيسية للأربع كتائب من إجمالى أربعة آلاف فرد وتحصيناتها الميدانية ومنشآتها العسكرية، وتعاون الشرطة المدنية في المحافظة على النظام في المنطقة. أما المنطقة (ج) لايسمح فيها إلا بالشرطة المدنية المصرية فقط وتُسلح بأسلحة خفيفة وتتمركز فيها قوات الأمم المتحدة. وهكذا أصبح الوجود المصري في سيناء كمًا وكيفًا مرتبطًا ومحددًا ومنظمًا بمعاهدة. وقد لوحظ وجود الكثير من المعلومات والتأكيدات على سوء إدارة السادات للمرحلة التفاوضية ويكفي استقالة ثلاثة وزراء خارجية احتجاجًا على سياسة السادات وإبرام الاتفاقية بدون منصب وزير للخارجية.كانت النتيجة المباشرة لاعتراف مصر بالسيادة الإسرئيلية على الأراضي المغتصبة بفلسطين والاعتراف بدولة إسرئيل كثير من النتائج الكارثية على مصر والعرب،حيث عزلت كامب ديفيد مصر عربيًا عندما اعترفت للعدو الصهيوني واعترفت بحقة في الارض المغتصبة،كما خسرت مصر علاقاتها الدولية وما كونتة من رصيد دوليأنجزتة فترة الحقبة الثورية،ففى إفريقيا مثلًا وبعد حرب يونيو 1967 كثفت السياسة الخارجية لمصر نشاطها بقيادة ثعلب الدبلوماسية المصرية محمود رياض حملاتها ضد إسرئيل في إفريقيا واستغلال رصيد مصر الريادي بالقارة ودعمها حركات التحرر بها، فقامت تقريبًا جميع الدول الإفريقية بقطع العلاقات مع إسرئيل عدا حكومة واحدة هي حكومة جنوب إفريقيا العنصرية، ويُحمد لرئيس غينيا أحمد سيكتوري في هذة الفترة دوره ضد إسرئيل ومناصرة القضية العربية،وظلت العلاقات الإفريقية الإسرئيلية مقطوعة إلى أن عقدت مصر اتفاقية كامب ديفيد، حينها وجدت الدول الإفريقية أن مصر نفسها أعادت العلاقات مع إسرئيل لتفتح أبواب القارة الإفريقية للصهيونية مما أدى إلى انحسار الدور المصري في إفريقيا.وتوالت خطى التطبيع من رأس السلطة مع الكيان الصهيوني على كافة المستويات، فها هو الحرس الجمهوري المصرييستقبل الممثلة اليهودية اليزابيث تايلور في حادثة غريبة في تاريخ الحرس الجمهوري المصري حيث أمر السادات باستقبالها بطابور شرف من الحرس الجمهوري في زيارتها لمصر ضمن الترويج للسلام مع إسرئيل وحين التقت السادات مباشرة حاولت أن تقدم له شكرها فكان رده بطريقتة المسرحية:”أحيانًا ياصاحبة الجلالة . الست ملكة مصر . هكذا استقبلناك”، إليزابيث تايلور لعبت دورًا مهما مع فيلمها الشهير (كليوباترا) الذي قدم اليهود على أنهم بناة الأهرام ووقعوا تحت ظلم المصريين الذين عاملوهم كعبيد، وقد مُنع الفيلم من العرض في مصر لمدة طويلة،كما دعاها السادات برفقة فرانك سيناترا اليهودي المناصر للكيان للصهيوني وأقام لهما حفلًا تحت سفح الأهرام حضره رجال الأعمال واُختير للحفل مساء يوم 28 سبتمبر ذكرى وفاةعبد الناصر. وكان ذلك قبل قدوم مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل للقاهرة والتقاطه للعديد من الصور أمام الأهرامات وقوله بأن أجداده هم من بنوا تلك الأهرامات. ولكسب ود الصهاينة وإسرائيل قابل الرئيس السادات العديد من فناني العالم الذين ساندوا الكيان الصهيوني في حربه ضد العرب مثل كيرك دوجلاس ويول برينر وأنريكو ماسيس وخليوا أجليسيس.وقد أنتجت معاهدة كامب ديفيد قبول مصر التطبيع الكامل في الجانب الدبلوماسي والسياسي وبعض المجالات الاقتصادية، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى تطبيع ثقافي أو شعبي.
بعد الفشل الزريع لسياسات السادات الاقتصادية العشوائية والتابعة، وقراراته السياسية الغوغائية، فقد ماتبقى من رصيده السياسي في الشارع المصري باتفاقية السلام المنفردةوالمهينة والمذلةمع إسرائيل،والتي افقدته شرعيته هو ونظامة بتفريطه في الأمن القومي المصري والسيادة المصرية الكاملة على أراضيها في سيناء، فانفجرت حركات المعارضة الشعبية والرفض العارم في الشارع المصري لزيارة السادات للقدس رغم التضليل الإعلامي الهائل الذي مارسه النظام. هنا تمرد عليه ربيبه السرطاني متمثلًا في الإسلام الوهابي بكل فصائله، بعد أن تأكد أن السادات أصبح (كارت محروق) لدى حلفائهما وأصدقائهما الرجعيين والاستعماريين، فقاموابرفض اتفاقيات كامب ديفيد، ولكن من منظور ديني فقط وليس من منظور سياسي وتاريخي وحضاري واستعماري، وذلك للتعتيم على الطبعية الاستعمارية للكيان الصهيوني والدوافع الحقيقية لخلق هذا الكيان في تلك المنطقة والمهام الحقيقية الموكلة إلى هذا الكيان الاستعماري، باعتبار الكيان الصهيوني رأس حربة للوجه الاستعماري للرأسمالية العالمية.وذلك خوفا من لفت الأنظار إلى الدور المنطوط بالتيار الوهابي وهو دور موازي ومكمل للدور الذي يقوم به الكيان الصهيوني، وهو إعاقة ومحاربة القوى المدنية الليبرالية والتقدمية والمستنيرة، وإعاقة إنجاز قضيتي التنوير والثورة الثقافية باعتبارها مهمة تاريخية ملحة للشعوب النامية لاستكمال نهوضها واللحاق بحضارة العصر الحديث.وجميعها ممارسات تتطابق مع الأهداف الحقيقية للوجه الاسعماري للغرب المتمثلة في تطويع دول المنطقة وإخضاعهالهيمنة دول مركز الرأسمالية العالمية، وذلك لضمان السيطرة على الأسواق والاستيلاء على المواد الخام وخاصة البترول بأسعار زهيدة للغاية.ولكن الوهابيون عززوارفضهم لاتفاقيات كامب ديفيد من منطلقات دينية إسلامية فقط جعلت من هذا الإتفاق حرامًا ومحرمًا وشرحت الأحاديث النبوية والآيات القرآنية وكل الروايات عن مواقف الصحابة والتابعين،لقد تم التحريم لدرجة أن الوقوف في مساحة الاتفاقات التي أبرمها السادات يكون محرمًا وكفرًا وتحت طائلة إقامة الحد على السادات نفسه. في حين اتخذ عمر التلمساني المرشد العام الثالث للجماعة موقفًا مراوغًا فيما يتعلق بالموقف من سياسات السادات تجاه القضية الفلسطينية من الصلح مع إسرائيل، فقد قام موقف المرشد العام للجماعة على أساس تأييد مبدأ التفاوض إذا كان معناه:”رد الحقوق إلى أصحابها، وعودة فلسطين”، في الوقت الذي تعارض فيه الجماعة بشكل كامل اتفاقيات كامب ديفيد، وميز التلمساني في نفس الوقت ما بين مبدأ التفاوض والنتائج المترتبة عليه، فرفض أي اعتراف بوجود إسرائيل، حتى ولو أدت إليه المفاوضات جنبًا إلى جنب مع عودة فلسطين، كما اتخذ موقفًا واضحًا برفض التطبيع مع إسرائيل، وحذر من مخاطره، على اعتبار أنه يمكن أن:”يهود المنطقة كلها!”. إن الإقرار الشرعي بمبدأ التفاوض مع إسرائيل، ورفض ما ينتج عنه، بل رفض وجود إسرائيل ذاتها، وصولًا إلى الدعوة للجهاد ضدها، هو من أبرز التناقضات التي ميزت الخطاب الإخواني تجاه القضية الفلسطينية، فحاولت الجماعة في هذا الموقف المتناقض وشبه المزدوج أن تحافظ على سياسة وضع القدم الأولى في السلطة ووضع الثانية في المعارضة تحت دعوى اتباع (أسلوب النصح). ومن هنا جاء امتناع المرشد العام عمر التلمساني عن تأييد (الائتلاف الوطني) المعارض لسياسات كامب ديفيد في عامي 1980-1981، واعتراضه على قرار المقاطعة العربية لمصر، ومطالبته قادة الدول العربية بتقديم بديل عن سياسات السادات السلمية بدلًا من مقاطعته في الوقت الذي انضم فيه أحمد سيف الإسلام البنا نجل مؤسس الجماعة إلى الائتلاف المعارض للاتفاقية، فيما كانت مقالات (مجلة الدعوة) التي تهاجم الاتفاقية تتوالى، مما تسبب في حرج وضيق شديدين للسادات خاصة أن الاتفاق بينه وبين التلمساني لم يكن ينص على معارضة سياسات السادات علنًا.
شهدت مرحلة التعدد الحزبي في عهد السادات عدة تحولات سياسية هامة أدت إلى تعثر التجربة الحزبية في مراحلها الأولى ومنها اندلاع انتفاضة يناير 1977، وزيارة السادات إلى القدس وما أدى إليه ذلك من تصعيد المواجهة مع المعارضة، وبدأ النظام الحاكم في التضييق من قنوات المشاركة السياسية عن طريق إصدار مجموعة من القوانين التي تضيق على المعارضة، ومنها قانون العيب، وقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، ومحاصرة النشاط السياسي لأحزاب المعارضة، وتعقب الآراء المخالفة وقيام المدعي العام الاشتراكي بالتحقيق مع بعض المفكرين حول أفكارهم فيما سمي بالتحقيق السياسي، أو المساءلة السياسية، وهي ما أُطلق عليها (ديمقراطية المفرمة). وبينما كان عبد الناصر صريحًا في إيمانه بالتنظيم الواحد شكلًا وموضوعًا، وآمن بمفهوم الديمقراطية الاجتماعية قولًا وفعلًا، وحقق قدرًا كبيرًا من العدالة الاجتماعية، علاوة علىالتنمية الشاملة في كافة المجالات، إضافة إلى استكمال مسيرة التحرر الوطني، وتحقيق الاستقلال الوطني في أرقى صوره، وذلك رغم غياب الحريات السياسية والمهنية والنقابية، وهو ما اعتبرناه أحد أهم أسباب ضياع وتبخر كافة إنجازات ثورة 23يوليو 1952. إلا أن السادات كان مؤمنًا بالتنظيم الواحد موضوعًا، وبالتعددية الحزبية شكلًا، فما أن أُطلقت تجربة المنابر، ثم الأحزاب حتى انهال النظام بالطعنات على أي حزب يحتمل أن يكون منافسًا أو جادًا في معارضته، ففي البداية تصور السادات أن الحزب الند لحزبه هو “حزب التجمع” اليساري، فاشتعلت الحملات الصحفية ضده على الفور، وصُودرت جريدة “الأهالي” أغلب الأوقات، وأُعتقل كوادره المؤثرة، كما أغلق السادات مجلة “الطليعة” الشهرية التي كانت تصدر من “الأهرام” كمنبر يساري مستقل، ومنع الكتاب اليساريين من الكتابة في الأهرام. وفي جلسة مجلس الشعب التي عقدت في 26 يونيو 1978، تم إسقاط عضوية نائب كرموز بالإسكندرية والقيادي بحزب التجمع(أبو العز الحريري)، بأغلبية 287 صوتًا ضد 16 صوتًا من المعارضة.وبعد عودة حزب الوفد الجديد في فبراير 1978 إلى الساحة السياسية لينضم إلى أحزاب (مصر والأحرار والتجمع) تحت القبة، لم يستمر حزب الوفد سوى بضعة أشهر، وقام بحل نفسه احتجاجًا على القرارات والقوانين(التي تحد من الحريات السياسية للأحزاب) على حد تعبير القيادي الوفدي التاريخي فؤاد سراج الدين. ويبدو أن هذا الموقف، الذي اتخذه حزب الوفد الجديد قد أثار السادات وأغضبه، فقرر اتخاذ خطوة مضادة له، فبعد خمسة أيام من حل حزب الوفد وتجميد نشاطه، وبالتحديد في ظهر 26 يونيو 1978، عقد مجلس الشعب جلسة ساخنة تم فيها إسقاط عضوية نائب رئيس حزب الوفد الجديد (عبد الفتاح حسن)بحجة أنه من الذين أفسدوا الحياة السياسية قبل ثورة 23 يوليو 1952 باشتراكه في تقلد المناصب الوزارية في حكومة حزب الوفد القديم!!. وأسقط مجلس الشعب عضويته بموجب قانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي الذي أصدره المجلس في عام 1978،وأُسقطت عضويته بأغلبية 273 صوتًا ضد 36 صوتًا من المعارضة ورفض عضو واحد من الأغلبية، وذلكفي نفس الجلسة التي شهدت إسقاط العضوية عن أبو العز الحريري، وكانت سابقة برلمانية لم تحدث من قبل أن يتم إسقاط العضوية عن نائبين في يوم واحد، وهما عبد الفتاح حسن وأبو العز الحريرى، ثم أُسقطت عضوية الشيخ عاشور محمد محمد نصر بنفس الطريقة. وقد شارك التيار الوهابي بشراسة في الحملة على كافة القوى السياسية المدنية، والتي وصلت إلى حد الاتهام بالتكفير،وذلك بتحريض وتشجيع السلطة السياسية وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية،وكان ذلك ضمن حملات ممنهجة لتصفية الكيانات السياسية المؤثرة وصاحبة التاريخ النضالي والوطني ناصع البياض، وكذا التصفية المعنوية للزعماء والكوادر السياسية المدنية.
أطاح السادات بكبار الصحفيين من رئاسة المؤسسات الصحفية القومية، ليأتي بصف ثان أكثر خضوعًا، كما أطاح بوزير الإعلام (جمال العطيفي) لأنه سمح بتنظيم ندوات سياسية في تليفزيون الدولة بين مختلف التيارات السياسية، وجاء برجليه يوسف السباعي وعبد المنعم الصاوي على التوالي لإعادة التليفزيون إلى الحظيرة، ثم صدر قانون حماية الجبهة الداخلية رقم 33 لسنة 78 والذي حظرت مادته الأولى أي دعوة مناهضة لمبادئ ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 15 مايو 1971والنظام الاشتراكي الديمقراطي، أي حظر أي معارضة بالقول والرأي، وفي المادة الثانية منع خصومه المحالين للمدعي الاشتراكي من تولي الوظائف العليا والتوجيه والقيادة والتأثير على الرأي العام، ووصفهم القانون بإنكار الشرائع السماوية، ثم أصدر السادات قرارات بحل مجلس الشعب مرتين لمجرد التخلص من بضعة أعضاء كانوا مستقلين نسبيًا، منهم الدكتور محمود القاضي والمستشار ممتاز نصار، وإلى جانب ذلك واصل السادات أسلوب استخدام أغلبيته الآلية في مجلس الشعب لإسقاط عضوية كل نائب يجرؤ على انتقاده، علاوة على التلاعب بقوانين الانتخابات والتزوير المستمر،وتمادى السادات إلى أبعد من ذلك بالقضاء على القواعد الشعبية التي يحتمل أن تنتج أحزابًا أو تنظيمات مستقلة، مثل القطاع العام الذي عمل على إفشاله بشتى الطرق.وواصل الساداتالتشهير بحقبه الستينات معتمدًا على عدد من الصحفيين أهمهم بالطبع موسى صبري كاتبه الأبرز وكذلك الصحفي مصطفى أمينبعد الإفراج الصحي عنه بدون إسقاط تهمة التجسس عنه حيث أدانته المحكمة،وبعد الإفراج عن مصطفى أمين هاجم بضراوة الحقبه الناصريه وعمل على تشويه ناصر ضمن حملة السادات في تحطيم أسطورة عبد الناصر (مذكرات هنري كيسنجر) ولكنه عندما كتب مقالًا ينتقد فيه مستغربًا انضمام وهرولة أعضاء مجلس الشعب إلى الحزب الوطني بمجرد أن أعلن السادات عن تأسيسه دون إعلان برنامج الحزب، منعه السادات من الكتابة نهائيًا بل وكتب موسى صبرى قول السادات: “اذا كان الأمر كذلك فإني سأكشف القديم والجديد بالنسبة لمصطفى امين”، ويقول موسى صبري ورجوته ألا يفعل ولم يقل موسى ما هو القديم وما هو الجديد الذي سيكشفه السادات عن مصطفى امين.كما تعرض عشرات الكتاب والصحفيين للمنع بل حدثت مذبحة للصحفيين بعهده وتعرضت صحف بأكملها للإغلاق، فتمإغلاق المجلات الأدبيه التي كانت تصدرها وزارة الثقافة وأغلق يوسف السباعي وزير الثقافة مجله(الكاتب)بل وأُلغيت صفحه الرأي لأنه لم يكن هناك غير رأي السادات كما مُنع من الكتابه لطفي الخولي،ومحمد سيد أحمد،ولويس عوض،ويوسف إدريس،وأحمد بهاءالدين وغيرهم.كما شن الساداتهجومًا على روزاليوسف وكتابها بعد موقف الجريدة من أحداث 18و19 يناير،وأُبعد عبد الرحمن الشرقاوي من المؤسسه كما مُنع صلاح عيسى وحسنين هيكل. وصدر قرار آخر بنقل مئة وأربعة من الصحفيين إلى هيئه الاستعلامات أيإبعادهم عن مهنتهم الأساسيه ومنعهم من الكتابة. وكان مجلس النقابه قد اتخذ قرارًا بالإجماع نصه عدم إقامةأي علاقات نقابية مع الصحفيين والإعلاميين الإسرائيليين إلا بعد اتمام الحل الشامل للقضية الفلسطينية وأعد أيضًا مجلس النقابة مذكرة حول قانون العيب،ولم يكن السادات راضيًا عن موقف نقابة الصحفيين فبدأ حملة سافرة على الصحافة المصرية فقرر في 29 مايو 1978 أن يقوم المدعي العام الاشتراكي بالتحقيق مع محمد حسنين هيكل وأحمد حمروش ومحمد سيد أحمد وصلاح عيسى وأحمد فؤاد نجم في مقالات نشروها خارج مصر. وفي 22 يونيو 1979 أعلن صوفي ابو طالب رئيس مجلس الشعب أن حق قيد الصحفيين وتأديبهم سيتولاه المجلس الأعلى للصحافة المزمع إنشاءه وأن نقابة الصحفيين سوف تتحول إلى نادي اجتماعي مهمته الرحلات والخدمات المعاونة.وفي إحصائيه نشرتها جريدة الأهالي 9 يونيو 1982 فإنه قد مُنع وجُمد عن العمل الصحفي حواليمائتي صحفي وهاجر عدد آخر وصل عدد الإجمالي ثلاثمائة وخمسين صحفي للعمل خارج مصر لأسباب اقتصاديةأو بسبب الاضطهاد والتجميد المهني.وقد تزامنت هذهالهمجية لنظام السادات مع الحملة الدعائية الشرسةوالمضللة والكاذبة للتيار الوهابي على العقل المصري، وعلى القوى الناعمة المصرية من المثقفين والمفكرين والأدباء والشعراء والفنانين والكتاب التنويريين والتقدميين، واتهامهم بالكفر والزندقة، والذي تفوق تأثيرة بكثير على ما قام به النظام نفسه، وذلك لتمتع التيار الوهابي في هذه المرحلة بحالة من الهالة والقداسة الدينية المخادعة، مما مهد الطريقللتجريف الحضاري الشامل للمجتع المصري.
وفي بداية العام الدراسي 1978م كانت هناك خطة من الجماعة الوهابية الراديكالية (الجماعة الإسلامية) للتنكيل بكوادر وأعضاء الأندية السياسية بالجامعات والمعروفين بانتمائهم الناصري واليساري الأمر الذي رفضه (أسامة عبد الحميد) مسئول الجماعة ولما رفض كرم زهدي وأسامة حافظ وحمدي عبد الرحمن تحمل المسئولية، اجتمع التنظيم مع أسامة عبد الحميد وقرروا عزله وتولية ناجح إبراهيم(الذي انضم للجماعة في نفس العام) بدلًا منه،واستطاع بما أُعطيّ من صلاحيات أن يخرج بدعوة الجماعة الإسلامية خارج نطاق الجامعة فبدأ يعقد الحلقات في مساجد مدينة أسيوط ومنها إلى مراكز أسيوط واستطاع أن يرسل قوافل للدعوة في محافظات الصعيد حتى عمت الندوات والمؤتمرات معظم المراكز وانضم للجماعة فئات كثيرة من المجتمع ولم تعد الجماعة مقصورة على طلبة الجامعة فقط بل أصبح فيها العامل والفلاح والمهندس والطبيب والمدرس والمحامي وغيرهم. وفينفس العام 1978 استطاعت الجماعة أن تخوض انتخابات اتحاد الطلبة وقد حصلت الجماعة على جميع المقاعد بالجامعة. كانت الجماعة تشبه في سلوكها إلى حد كبير جماعة (الأمر بالمعروف) السعودية الوهابية سيئة الصيت، فقد اشتهرت باستعمال القوة في تغيير ما اعتبرته من المنكرات المخالفة لتعاليم الإسلام الوهابي في المجتمع، مثل منع اختلاط النساء بالرجال وحفلات الموسيقى والأفراح والمسرحيات أو عروض الأفلام ونحو ذلك، كما مارست نوع من السيطرة في المدن والريف كلما سنحت لها الفرصة بفضل الدعم الحكومي والتغاضي عن هذه الأنشطة حتى أنهم أعلنوا سيطرتهم على بعض الأحياء والمدن، وتعرض العديد من المسيحيين لمضايقاتهم الأمر الذي استدعى تنبيه السادات عام 1979م لخطورة هذه الأحداث وقوله أن هذه الجماعة تعمل ضد النظام!!!.