ألقينا الضوء سابقًا في مقالتين متصلتين بعنوان (الأمة المصرية والوهابية.. الجذور الفكرية)، على أهم القواعد الأساسية لحرية الفكر والعقيدة كما ورد في القرآن الكريم. وتطرقنا إلى الأسانيد الفقهية والاجتهادات الفكرية الأولى التي استمد منها
تيار التكفير مشروعيته، وبينا كيف أخرج لنا التراث الإسلامي منذ البداية مدرستين كلاهما انتاج بشري، وهما المدرسة الظاهرية، والمدرسة العقلية، وكيف كان الخوارج أول جماعة متآلفة تستخدم التكفير ضد المختلفين في الرأي. وقد اتبع الأمويون والعباسيون التوظيف المنهجي لمرتزقة تلفيق وسبك الأحاديث لأسباب سياسية، ليرث الحنابلة هذه الأحاديث وتلك الأحكام ويشهرونها ضد خصومهم المذهبيين والفكريين، فأُزهقت في ذلك أرواح كثيرة. وأوضحنا كيف أدى تكفير عامة المسلمين عند الحنابلة إلى تبنيهم لنزعة سياسية استبدادية وإقصائية. وأجرينا مقاربة خلال الفترة الزمنية التي احتوت كلا الرجلين ابن حنبل وابن تيمية، بين أوضاع الأمة المصرية الحضارية ونظيرتها العراقية والشامية، وكيف حالت مرحلة النهضة الشاملة التي عاصرتها مصر في تلك الفترة ممثلة في نهضة عصر الدول المستقلة الخمسة كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل، وهي الدولة الطولونية والدولة الإخشيدية والدولة الفاطمية والدولة الأيوبية والدولة المملوكية، والتي سادت خلالها الوسطية الدينية، وروح التسامح والتعايش وحب الحياة، واحترام العلم والتعلم، والتحضر ومواكبة روح العصر (باستثناء حقبة الدولة الأيوبية التي خرجت فيها مصر عن مسار التعايش الديني والمذهبي الفريد). مما كان له الأثر الأكبر في غلق النوافذ والأبواب أمام تغلغل الأفكار والفتاوى الحنبلية التكفيرية والطائفية طيلة هذا العصر. ثم تطرقنا إلى الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والفقهية لنشأة شيخ التكفير ابن تيمية. وكيف كانت نظيريتة في التوحيد البوابة الكبرى لتكفير عامة المسلمين بما أدى إلى الاعتراف بالأمر الواقع والابتعاد نهائيا عن نظرية الشورى وإقرار نظرية القهر والغلبة، وشرعنة الاستبداد السياسي. وبينا بعض فتاواه التكفيرية والطائفية والعنصرية. حيث كانت أحكام الرجل بين التكفير والقتل والردة والزندقة والاستتابة وإباحة الدماء. وتزامن ذلك مع سيوف المغول لتكتمل النكبة الشاملة على الشام في هذه الحقبة. وأوضحنا كيف كان جل علماء عصره على تجهيله وتناقضه والحكم عليه بالبدعة، وقد خلفه تلامذته بإحياء فتاراه الإجرامية الكارثية وكان أكثرهم شهرة وتأثيرًا ابن القيم الجوزية في القرن الرابع عشر الميلادي، الذي أكمل مسيرة بن تيمية بفتاواه التكفيرية، مستندًا على التراث الحنبلي الهائل الذي أصله ومنهجه وأضاف إليه بن تيمية، ولكن أفكاره ظلت كانت تنظيرية وتوجيهية كسلفه ولم تخرج عن هذا الإطار لصعوبة تحويلها إلى حركة اجتماعية سياسية في المدن الشامية رغم انتشار روح التعصب والمذهبية، وذلك لشدة تخلف ورجعية أفكار ابن حنبل وابن تيمية، وإن ظلت مدرسة فقهية لأقليات مضطربة وعدوانية وعنصرية وتكفيرية وانعزالية. ليكون هذا التراث التكفيري الهائل في انتظار حنبلي جديد بعد خمسة قرون من وفاة بن تيمية، وهو محمد بن عبدالوهاب، الذي ترجم أفكار وفتاوى التيار الحنبلي وخاصة نظرية التوحيد لابن تيمية إلى حركة اجتماعية ساسية، تلائمت وتطابقت مع بيئة صحراوية بدوية متحجرة ومستعلية، لم تكن تجاوزت العصور البدائية بعد. ويعزي البعض سبب نجاح دعوة ابن عبد الوهاب إلى اعتمادها على هذا العنصر الغالب في البنية الاجتماعية بالمنطقة، ألا وهو عنصر البدو، الذي لا يعرف إلا إخلاصًا واحدًا وهو الطاعة المطلقة حيث إعلانها، أو المعاداة التامة والكلية إذا تعذر الاتفاق، فهم بطبيعتهم ليس لهم تحليل جزئي، بل منهجهم هو أخذ الشيء بالكلية سواء اشتمل على عناصر جيدة وأكثرها سيء أو العكس، وأيضاً تركه كليًا وإن أشتمل على خير كثير بالنسبة لما يعتريه من أضرار، ولقد كان محمد بن عبد الوهاب مصيبًا في اعتماده على أهل البدو لنصرة دعوته زيادة على ما لقيه من تعنت الحضر وضعفه عن مجابهتهم، فهو على عكس أستاذه ابن تيمية الذي لجأ إلى أهل المدن، فكان الرد عليه قويًا وكانت نتائج دعوته على أرض الواقع محدودة الأثر ولم يتيسر له من الانتصار مثلما حصل لحركة محمد بن عبد الوهاب. والتي واتتها الفرصة لاحقًا بالاستقواء بموارد بترولية هائلة، لتحقق انتشارًا استثنائيًا كان له آثارًا مدمرة لأجيال بأكملها، بل وكانت سببًا رئيسيًا من أساب تخلف المجتمعات العربية والإسلامة وإجهاض قضايا التنوير والثورات الثقافية في أغلب تلك المجتمعات، وإعاقة تقدمها وتطورها.
بعد انتهاء ما عُرف بعهد الخلفاء الراشدين وانتقال الخلافه إلى الشام بعد الفتنة الكبرى بين علي بن أبي طالب (رض) ومعاوية بن أبي سفيان الذي قُتل فيها من قُتل دون أي خلاف على الدين ولكن كان جل الخلاف على الدنيا (الخلافة والإمارة) بين البيتين الهاشمى والأموي. كان من الطبيعي إنهاء دور الجزيرة العربية لصالح بني أمية في الشام، وإن ظل الأمويون في الشام يحرصون على الاستعلاء العربي بتأكيد أنهم امتدادًا للقرشية العربية في فرعها الأموي. وانتقل الحكم الوراثي للدولة الأموية إلى الدولة العباسية في بغداد التي قامت على أكتاف (الموالي) من الفرس أساسًا تحت خليفة عباسي من آل البيت. فقد استغنت عن العنصر العربي في جيوشها بالعنصر الفارسي والتركماني. ولم تمض خمسون عامًا حتى هيمن الموالي من الفرس والتركمان على أمور الخلافة، وجاء خلفاء ضعاف ليس لهم إلا الشكل وجمع الجزية والدعاء لهم على المنابر والتسري بالإماء. فقد استول الموالي على شئون الخلافة، وبهذا خرج العنصر العربي نهائيًا من التاريخ الإنساني. بينما كان العالم إبتداءً من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر الميلادي يمر بأهم وأخطر مراحله التاريخية، وهي مرحلة نشأة وتطور الرأسمالية الغربية، وما واكبها من تغييرات حضارية هائلة كان أهمها نشأة وتطور الدولة القومية الحديثة، فقد ترسخ وجود الدولة القومية وسيادتها في أوروبا بعد (معاهدة ويستفاليا) عام 1648م، التي رسخت أول اعتراف رسمي بالدولة القومية الحديثة أو “الدولة الأمة”، واعترفت بحدود الدول القومية وأقرت وشرعنت الاحترام المتبادل لسيادة هذه الدول على أراضيها ومواطنيها، وأنهت الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا (30 عامًا – 100 عامًا). وكانت “الدولة الأمة” تعني أن يتخذ كل مجموعة من الأعراق وأصحاب التاريخ الواحد واللهجات المتشابهة أرضًا ويعينوا لها حدودًا وتصبح بذلك دولتهم التي لا يُغير عليها أحد ولا يشاركهم فيها أحد. كما أنها قننت أسس التعامل بين الدول الأوروبية التي كانت تتكون منها الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فضلًا عن كونها أرست معالم نظام دولي جديد قوامه “الدولة القومية”. وهكذا، فقد ظهرت “الدولة القومية الحديثة” في بعض دول أوروبا كمحصلة لمسيرة التطور الاجتماعي، والاقتصادي، والأحداث السياسية، ومن ثم انتشر هذا النمط من أنماط التنظيم السياسي إلى بقية أرجاء القارة. وفي واقع الأمر، لم يأت ظهور الدولة القومية من فراغ، بل إنه كان مصاحبًا لعملية تحولات عميقة عُدت بمثابة انتقال من عصر إلى آخر، من المجتمع الزراعي التقليدي (الإقطاعي)، إلى المجتمع الصناعي الحديث (الرأسمالي) وهو مجتمع أطلق تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية ديناميكية. فلقد استطاعت الأمم والشعوب التي تطور فيها أسلوب الإنتاج الرأسمالي أن تسبق غيرها من الشعوب والأمم في بناء دولتها الحديثة، بعد أن استكملت وحدتها القومية، وإقامة المؤسسات التمثيلية والتنفيذية والبيروقراطية التي شكلت دعائم وأسس هذه الدولة. ومن ثم فإن حياتها السياسية قد تطورت بالتوازي مع اتساع الدائرة المدنية، وانفصل لديها ما هو سياسي عن ما هو ديني، من خلال إضعاف السطوة الشمولية للكنيسة، وتحقيق نوع من الاستقلال النسبي للأصعدة المتراكمة السياسية، والثقافية، والاقتصادية. في حين اعترف المجتمع المدني الذي تشكل كنقيض للدولة الإقطاعية وعلى أنقاضها، بهذا الكيان وخضع له، على أنه نتاج طبيعي وممثل عضوي لأهدافه. وبذلك فإن الدولة الحديثة جاءت نتيجة مسار اقتصادي واجتماعي وفكري وسياسي متعدد المشارب والتجارب، فمن الصراعات التي قامت بين العديد من المَلَكيات وبين السلطة البابوية في العصور الوسطى، إلى الإصلاح الديني البروتستانتي إلى الثورات الأوروبية الحديثة، تشكلت ملامح الدولة وتغلغلت فكرتها داخل الفكر كما في الممارسة. وبهذا المعنى، فإن الدولة القومية الحديثة انبثقت من صميم إرادة الجماهير وخرجت من صلب المجتمعات التي تشكلت فيها. ومن ثم فإن ولادتها جاءت متسقة مع ثقافة تلك المجتمعات ومستوى تطورها السياسي ولم تكن مفروضة عليها من الخارج.
في تلك الأثناء فجرت الأزمة العثمانية عدة إشكالات عن كيفية التعاطي مع تلك الفجوة الحضارية. وهنا تظهر قوى اجتماعية سياسية داخل مركز الإمبراطورية العثمانية تسعى للخروج من مستنقعات العصور الوسطى واللحاق بالعصر الحديث، سواء كان هذا اللحاق مادي أو حضاري وثقافي.. كما برزت قوميات متعددة تسعى للانفصال عن الإمبراطورية العثمانية وتمكنت بنسب متفاوته من تحقيق ذلك، ولم تكن مصر ضمن تلك الدول التي سعت للإنفصال عن الإمبراطورية العثمانية إلا في حالات نادرة وفريدة، وأهمها الحركة الانفصالية التي قام بها الأمير المملوكي علي بك الكبير عام 1768م حتى عام 1773م، وقد نجح علي بك الكبير في إخضاع الحجاز واليمن والشام لحكم مصر، وانتهت حركته بخيانة قائد جيشه محمد بك أبوالذهب، الذي أصبح والي مصر الجديد بعد مقتل علي بك الكبير في الصراع المسلح الذي دار بينهما، وذلك مكافأة له على خيانتة لعلي بك الكبير، ورغم قصر مدة التجربة إلا أنها أحدثت حراكًا اجتماعيًا استثنائيًا صعدت على إثره الطبقة الوسطى المصرية الناشئة، وقدمت لنا صورة عن طموح مصر خارج عباءة الدولة العثمانية، وذلك بانفتاح مصر على العالم الخارجي، وتغلغل المصريين في دواليب الحكم سواء في الإدارة المدنية أو الحياة العسكرية، وتوق مصر للتحضر والتقدم والتطور، وكذلك عودة روح التسامح الديني والمذهبي بسرعة فائقة وكأن الزمان لم يترك آثارًا كبيرة على هُوية الأمة المصرية المتسامحة والمتحضرة والراقية والعاشقة للحياة والمازجة للحضارات والمحبة للعلوم والآداب والرائدة في التعايش العرقي والديني والمذهبي. وكأن تجربة علي بك كانت بمثابة بشائر لما هو قادم ولكن في أوانه، وهو ما تحقق في تجربة محمد علي، وذلك بعد الصدمة الحضارية الهائلة للشعب المصري مما رآه وعايشه أثناء الحملة الفرنسية على مصر وإبان فترة تواجد الفرنسيين على الأراضي المصرية، فكانت البعثات إلي فرنسا، وما واكبها من بناء المدارس والجامعات، وبناء أول جيش مصري من المصريين منذ الاحتلال الروماني لمصر، وكانت خطوة في الاتجاه الصحيح، وأثمرت عن فتح نافذة لمصر علي أوروبا والفكر الأوربي وبداية ما يعرف بعصر النهضة المصرية (سنأتي إليه لاحقًا).. كما ظهرت قوى ثالثة في نطاق الإمبراطورية العثمانية الأكثر بعدًا وتأثرًا بالمراكز الحضارية الغربية، لتطرح بديل العودة إلى الماضي للهروب من مواجهة تلك التحديات العظام، أو لعدم إدراكهم واستيعابهم لجوهر مجرياتها وأحداثها، وذلك كما حدث في شرق شبه الجزيرة العربية بظهور الحركة الوهابية الأكثر رجعية وظلامية واستبدادًا عما هو قائم في المنظومة الاستعمارية العثمانية، لتطرح بديل خاص بمجتمعاتها الغارقة في أقصى درجات التخلف والبؤس والشقاء، والعيش في عصور ما قبل العصور الوسطى، مما جعل خيار الاستغراق في الماضي فكريًا وسياسيًا أمرًا واردًا لهم للتمرد على ما هو قائم.
نتيجة لاستمرار تخلف الأوضاع الاقتصادية، وجمود الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية في شرق البحر المتوسط، سادت المدرسة الظاهرية النصية أغلب المدارس الفقهية، وتراجعت المدرسة العقلية بشكل كبير، حتى تلك المدارس التي أطلقت العقل كمصدر من مصادر الكشف عن التشريع صراحة مثل مذهب الإمامية الاثنى عشرية، وكذلك ما ينسب إلى بعض المعتزلة والفقهاء. فمن الناحية التاريخية نجد أن مؤسس المذهب الاعتزالي واصل بن عطاء هو أول من حدد المصادر العامة لطريقة الانتاج المعرفي لكل من علم الكلام والفقه معاً. إذ يقول الجاحظ في حقه “وكل أصل نجده في ايدي العلماء في الكلام وفي الأحكام فإنما هو منه”. فيقول الجاحظ عنه “هو أول من قال: الحق يعرف من وجوه أربعة؛ كتاب ناطق، وخبر مجمع عليه، وحجة عقل، وإجماع من الأمة”. وقد تصور الاستاذ علي سامي النشار أن الوجوه الأربعة التي أدلى بها واصل، تساوي حتمًا أصول الفقه الأربعة: القرآن والسنة والقياس والاجماع. ولكن من حيث التحقيق يلاحظ أن حجة العقل لا تساوي القياس الفقهي. فمن جهة أن تلك الحجة أعم من اعتبار الجانب العقلي أو الإجتهادي للقياس الفقهي. كما من جهة أخرى ان القياس يحمل دلالة الارتباط بالنص خلافاً لما هو الحال في حجة العقل الذي له دلالة الاستقلال، فأحدهما لا يعني الآخر. ومنه نفهم لماذا لم يرادف العلماء بينهما، حيث وضعوا العقل كمصدر أساس للعقيدة والكلام ولم يضعوا القياس، ووضعوا القياس كمصدر للفقه ولم يضعوا العقل. وبعضهم ميز، وهو ينص على سبر اصول الأدلة، بين القياس والعقل، كما هو الحال مع الباقلاني الذي عدد اصول الأدلة وحصرها بخمسة، وكان منها أصل العقل، وكذا أصل القياس والاجتهاد، فضلًا عن الكتاب والسنة والإجماع. ومع هذا لا يُنكر أن المعتزلة أقروا مبدأ تشريع العقل في القضايا الرئيسة لأجل تصحيح العقيدة ضمن علم الكلام، كوجوب النظر والشك وشكر المنعم ودفع الضرر عن النفس وما إليها. علاوة على ما نُسب إلى بعضهم من إقرار التعويل على العقل في الأحكام بدلًا عن الأخذ بأخبار الآحاد، لأنها لا تفيد علمًا ولا توجب عملًا، كالذي نقله ابن السمعاني، معتبرًا أن بعض الفقهاء قد تلقف هذا القول من القدرية والمعتزلة الذين أنكروا أخبار الآحاد، وعولوا على القرآن والحديث المتواتر ودليل العقل. وسبق للشافعي في كتابه (الأم) ورسالة (جماع العلم) أن حكى مقالة جماعة من المعتزلة ينكرون الأخذ بأخبار الآحاد باعتبارها لا تفيد علمًا أو يقينًا، مما جعله يرد عليهم.. أما من ناحية إسناد العقل عند الاتجاه السني، فإن رجاله يحصرون التشريع في النصوص دون العقل. وعلى رأيهم أن هذا الأخير لا يمكنه إدراك أدلة الأحكام بذاته. فهذا هو الموقف العام لأهل السنة، حيث لا نجد من يعترف بدور العقل المستقل في التشريع إلا من شذ منهم، كالعز بن عبد السلام قاضي قضاة مصر (المتوفى سنة 1263م) الذي رأى بأن مصالح الدنيا كلها تُعرف بالعقل من خلال الضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرة، وذلك على خلاف مصالح الآخرة التي لا ُتدرك الا بالشرع، فعلى حد قوله “من أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله، بتقدير ان الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته”. ويتسق الرأي السابق مع اعتبار الأحكام الشرعية الدنيوية لم تصدر عن الشرع بعنوان التأسيس كما هو الحال في التعبديات، وانما صدرت عنه بعنوان الإمضاء والتبعي. كما نقل الشاطبي ما ذهب اليه جماعة اعتقدوا باكتفاء ما يرد في النفس من إطمئنان يخص جملة من الأحكام، ونقد ذلك من حيث إن التعويل عليه لا يستقيم مع الأخذ بما أمر به الله من العمل بالكتاب والسنة. وعلى رأيه أن أحكامه تعالى لم ترد بما استحسنته النفوس واستقبحته، اتساقًا مع ما ذهب اليه الأشاعرة من نفي الدلالة العقلية للحسن والقبح. كذلك نقل عن جماعة أنهم عولوا على إدراك مصالح العباد طبقًا لمقاصد الشرع الكلية المستخلصة بالاستقراء، حيث جردوا المعاني وطرحوا خصوصيات الألفاظ، بل وردوا كل خاص يخالف العام المستخلص بالاستقراء، وقد عُرفوا بأصحاب الرأي. إلا أن ذلك ليس له علاقة بالعقل، إذ الاستقراء المحكي عنه إنما هو الخاص بالشرع لا غير. نعم جعل الغزالي عنوان العقل ضمن أصول الأدلة الفقهية، وهي عنده عبارة عن الكتاب والسنة والإجماع، مضافًا اليها دليل العقل والاستصحاب الدالين على براءة الذمة في الأفعال قبل ورود السمع. ولكن كما هو واضح أنه يعد هذا الدليل مقيدًا بالحال قبل ورود الشريعة، وهو ما يطلق عليه (البراءة الأصلية)، أما مع وجودها وورودها فليس للعقل شأن يمكن أن يستكشف به الحكم مستقلًا. لهذا فمن الناحية المبدئية أن الإتجاه السني لا يعترف بدور العقل في استكشاف موارد التشريع والأحكام، وهو أمر يتسق مع نظرية الحسن والقبح الشرعيين التي يميل اليها أغلب أهل السنة، مثلما هو حال التفكير الأشعري، سواء لدى المتقدمين منهم أو المتأخرين. واذا كنا نعتقد بأن قسطًا كبيرًا من المسؤولية يقع على عاتق الأشاعرة في إبطالهم لدور العقل في التشريع أو الكشف عن الأحكام، بسبب التنظير الذي آلوا إليه في قاعدة الحسن والقبح الشرعيين، فإن القسط الآخر من المسؤلية يتحمله الشافعي، باعتباره المنظر الأول لأصول الفقه. فبحسب المعطيات المتوفرة لدينا اليوم هو أن تنظير الأدلة الشرعية وتقعيدها لم ينشغل بهما فقيه مسلم قبل هذا الإمام، أو على الأقل أنه لم يصلنا شيء واضح ومقطوع به قبله. والعديد من العلماء يعتقدون أنه أول من صنف في ذلك العلم، كالذي نص عليه ابن خلدون وابن تيمية والزركشي ومن قبلهم الإمام الجويني. وكان أحمد بن حنبل يقول: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي. مع ذلك فإن هذا الإمام الذي مارس التنظير والتقعيد لم يعط أي دور مميز للعقل في التشريع والاستكشاف. فغياب العقل هو الظاهرة البارزة في مشروعه. ذلك أنه يلتزم بالبيان التام لنص الخطاب فلا يدع مجالًا لمشاركة غيره في التشريع، باستثناء القياس للضرورة والاضطرار، كما نص على ذلك مرات عديدة، مثل قوله “ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها”. وقوله ايضًا “ليس لأحد ابدًا أن يقول في شيء: حلّ ولا حرُم إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس”. وكذا قوله “العلم طبقات شتى.. ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى”. وهكذا نرى غياب العقل من مشروع الشافعي، مثلما نشهد موته لدى الأشاعرة.. ويلاحظ أنه حتى لو أوّلْنا مبادئ الاجتهاد التي تقول بها بعض المذاهب الإسلامية واعتبرناها مبادئ عقلية تتباين في الاستقلالية من حيث علاقتها بالنص، كالقياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو الاستصحاب أو البراءة الأصلية أو غيرها، فانها مع ذلك تظل مهملة غير فاعلة إلا عند غياب النص، بل غالبًا ما يكون العمل بها على نحو الاضطرار أو تبعًا لضغط الحاجات الزمنية. فعلى الأقل أن رؤساء المذاهب الإسلامية قد صوروا الأمر على هذا النحو من الاضطرار، مثلما يعترف بذلك أصحاب المذاهب الأربعة، حتى من عُرف منهم بشدة العمل بالإجتهاد وسيما القياس منه كأبي حنيفة النعمان. فهم يرجحون العمل بالنص رغم كونه لا يرقى في الغالب إلى درجة أقوى من الظن، سواء من حيث الصدور أو الدلالة. على هذا يظل العمل بمبادئ الاجتهاد متأخرًا رتبة عن العمل بالنص. وهو أمر ينطبق حتى على من يعترف صراحة بمبدأ العقل في استكشاف الحكم الشرعي، إذ لا يرى له مرجعية تتقدم على مرجعية النص، رغم ما يعتري النص من مشكل عدم إفادته العلم واليقين في الغالب، خاصة الحديث منه، حيث يشهد مشاكل إضافية تتعلق بالسند والتقطيع واحتمالات الزيادة والنقصان، فضلًا عن مشاكل أخرى تلوح المتن ذاته.. كالذي يُلاحظ عند مذهب الإمامية الإثنى عشرية التي تعد العقل مصدرًا أخيرًا لمصادرها التشريعية الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع والعقل)، بدءً من بداية عصر التنظير الشيعي، كما ينص عليه الشريف المرتضى، ومن ثم جاء الآخرون يؤكدون مقالته في حجية العقل بعد النص والاجماع. والإمامية وإن اختلف علماؤها حول ما يريدونه من المعنى الخاص بالعقل كمصدر استكشاف وتشريع، إلا أن ما استقر عليه المتأخرون هو أنه ينحصر مستقلًا في دائرة التحسين والتقبيح العقليين. من هنا يتضح أن مكانة العقل أو (الرأي والإجتهاد تسامحًا) في علم الفقه تختلف عما هي عليه في علم الكلام، فكثيرًا ما يُحتج به في القضايا العقائدية قبال ظواهر النصوص للكتاب والسنة، فينتهي الأمر بهذه النصوص إلى التأويل والتوجيه، أو الترك والإبطال. مما يعني أن اعتبار العقل في علم الكلام هو اعتبار تأسيسي، أو أن له جعلًا على نحو التأسيس لا التبعية، سواء كان التأسيس خارجيًا لإثبات الخطاب الديني من حيث الأصل، أو داخليًا يراد منه توجيه معاني نصوص الخطاب بما يتفق ومداليله الخاصة. لهذا كان متهمًا من قبل النزعات البيانية بأنه يقوم بدور مناهض لنصوص الخطاب وبيانها، مثلما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم ومن بعدهما محمد ابن عبدالوهاب وغيرهما ممن ابتعدوا عن الطريقة العقلية الكلامية.. أما في الفقه فالأمر يختلف تمامًا، ذلك أن هذا العلم لا يحتاج إلى العقل للتأسيس من الخارج، فتأسيس الخطاب الديني بالعقل هو في حد ذاته يصحح عمل البناء الفقهي. والأهم من هذا هو أن علم الفقه لم يجعل العقل موضعًا للتعارض مع النص كما فعله علم الكلام، إنما الاعتماد على بيانية النصوص هي الحالة الراكزة والمستقرة، رغم المفارقة في الامر! إذ كان العقل الكلامي يمارس حالة التوجيه والتأويل بتأسيس الخطاب من الداخل في النصوص القطعية الصدور (الآيات القرآنية)، في حين أُهمل العقل في الفقه ولم يُسمح له بممارسة حالة التأويل والتوجيه للنصوص، بما فيها نصوص الحديث رغم أنها ظنية الصدور والدلالة. ولو انا طبقنا عليها منطق الاحتمالات لكانت الأحكام المنتزعة منها في غاية الضعف لما ينتابها من مشاكل متنوعة على صعيد السند والمتن، كالذي التفت اليه أصحاب دليل الانسداد في الإتجاه الشيعي. هذا هو حال الفقه ليس له زاد ولا معين يطمأن اليه وهو في صورته التقليدية تلك. الأمر الذي يحتاج إلى نوع من التعويض المسدد، وذلك بالتعويل على الاعتبارات الموثوقة لتشييد الأحكام واستكشافها، كاستخدام مبدأ العقل ومبدأ الواقع ونظام الخلقة، وكذا مقاصد الشرع وكلياته العامة. إن إهمال العقل في الفقه جعل الممارسة الاجتهادية تصطدم أحيانًا بالنتائج العقلية القطعية دون أن تشعر، أو أنها تجاهلت ذلك طبقًا لمسلكها الاستصحابي في إبعاد العقل عن الاستكشاف والنفي والإثبات. وهنا بيت القصيد! فحتى الإتجاه الشيعي رغم اعترافه بمرجعية العقل للكشف عن التشريع ورغم ما صرح به بعضهم كالشيخ النائيني من أنه “لو عزل العقل عن الحكم لهدم أساس الشريعة”، الا أنه من الناحية العملية ظل هذا الإتجاه يتعامل مع العقل تعاملًا سلبيًا.. ويقول الحافظ تاج الدين السبكي في كتابه (معيد النعم ومبيد النقم) عن علاقة أكثر المذاهب الفقهية بالمدرسة الأشعرية “وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة، ولله الحمد في العقائد يد واحدة، كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيًا إلا أشعري عقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعرية هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة.
في الوقت الذي خرجت فيه الجزيرة العربية من التاريخ الإنسانى، ظلت الأماكن المقدسة في الحجاز مزارًا سنويًا للحج يعيش على نفقات الحجاج. أما منطقة نجد شرقي الحجاز بقبائلها التي لا تعرف الزراعة وتحولت عنها قوافل التجارة إلي الحواضر الإسلامية الكبرى، فقد عادت سيرتها الأولى في السلب والنهب والتقاتل من أجل آبار الماء ومراعي الكلأ.. واستمر هذا الحال أكثر من ألف عام حتى جاء منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وظهر في (العيينة) إحدى قرى نجد، محمد بن عبد الوهاب بن سليمان ابن مشرف التميمى (1703 – 1791م)، مدرس ابتدائي وكان والده قاضيًا في قرية العيينة، وأخذ محمد بن عبدالوهاب كل أسس وأصول فكره عن المذهب الحنبلي التكفيري الذي أسسه أحمد بن حنبل المتوفى سنة 855م، حيث قام بن تيمية بتجميع وترتيب وعقلنة هذا التراث الحنبلي المتناقض باحترافية وفي قوالب جاهزة خاصة من خلال كتابيه “منهاج السنة النبوية” و”العقيدة الواسطية”، ثم أضاف إليه نظريته في “التوحيد”، التي استتبعها بالضرورة تكفير عامة المسلمين، علاوة عن العنصرية ضد أصحاب الديانات الأخرى، وذلك كما أوضحنا سابقًا. وفي تلك الأثناء رأى بن عبدالوهاب الخلافة الإسلامية في تركيا آخذة في التلاشي فيما سمي بأزمة الدولة العثمانية. ولأن نجد والمنطقة الشرقية لم تكن ذي فائدة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية للعثمانيين، فلم تكن القبضة العثمانية قوية عليها، فكانت تتمتع بشبه حرية في ترتيب شؤونهم البسيطة بطبيعتها، مع التبعية الغير مباشرة لوالي العراق العثماني، ورأي بن عبدالوهاب تدني مكانة الدولة العثمانية الحضارية مقارنة بدول أوروبا الغربية الصاعدة. وفي هذا الوقت تحديدًا رأى المسلمون لأول مره في الأقطار العربية مدى التقدم الذي حازه الغرب في العسكرية والانضباط والتسليح والتقدم العلمي. وظل السؤال عن الفجوة الحضارية مطروحًا على الجانب الآخر من البحر الاحمر في صحراء نجد بالجزيرة العربية. وبخلفياتهم التاريخية والثقافية التي لم تتخطى مرحلة البداوة تم تناول تفوق الغرب، وطُرحت الأسئلة التي تعبر عن المرحلة التاريخية التي تحويهم، مثل الاستفسار عن كيفية انتصار الغرب الكافر على الدول الإسلامية وما إذا كان ذلك خطأً في الناموس الإلهى. وكيف ينتصر الكافر على المسلم، وظل البحث جاريًا على تفسير الظاهرة حتى تم تأصيل الرد البدوي على يد محمد بن عبد الوهاب باعلانه أنه لا خطأ في الناموس. ولا خطأ في قوانين الكون، فالكفار لم يهزموا المؤمنين، بل هزموا كفارًا عادوا للشرك فخسروا الدين والدنيا (كتاب محمد جلال كشك – السعوديين والحل الإسلامى – مصدر الشرعية للنظام السعودي – ص 94) وكانت تلك نقطة انطلاق الوهابية.. وتبعًا للفكر البدائي لصحراء الجزيرة العربية، فقد آمن أهل نجد ببدائيتهم وجمودهم وقصورهم الفكري كغيرهم من البدو العرب لفترة طويلة بنظرية (السحر التشاكلي)، أي أن الشبيه ينتج الشبيه، فقد كانت تلك النظرية البدائية هى منطلق محمد بن بن عبدالوهاب. فعلى المسلمين إن أرادوا إعادة الإمبراطورية الإسلامية (العربية) التي وضع أساسها النبي محمد بن عبد الله (ص) والتي امتدت فيما بعد من الصين غربًا إلي الأندلس شرقًا، أن يحاكوا السلف في العهد الإسلامي الأول في كل شيء مأكلًا وملبسًا وحكمًا، ولم يتوقفوا عند حدود هذه النظرية البدائية، ولكنهم ساروا إلي أبعد من ذلك برفض كل ما أنتجه العلم الحديث خلال أكثر من ألف سنة ظلوا بها مثل أهل الكهف، وذلك لأن كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار!!. وقد ذكر الكاتب البريطاني لويمر في موسوعتة (دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية) الذي تناول في القسم التاريخي منها تاريخ منطقة الخليج بشكل عام منذ سنة 1507 حتى عام 1915م، وظلت الوثيقة سرية حتى عام 1970م، ذكر فيها أن نسبة الشيعة في الهفوف كانت تساوي ثلاثة أسباع 3/7 السكان، وفي القطيف يشكلون الأكثرية الساحقة، ويعزي تكاثر الشيعة في هذه المناطق خصوصاً وانحسار نسبتهم في مناطق أخرى عدى اليمن إلى قرب اتصال السكان بإخوانهم في المذهب والمتمركزين في كل من البحرين والعراق وإيران، البلدان المجاورة للإحساء والمجامع الأساسية لأصحاب المذاهب الشيعية. ورغم أن الإسلام استوعب عبر تاريخه الطويل طائفتي السنة والشيعة بصراعاتهم المذهبية، واستوعب لكل طائفة منهم مذاهبها، ولكن بن عبد الوهاب رفض أن يكون صاحب مذهب، ولكنه أصر على أن جماعته “أهل السنة والجماعة” وإن كان الاسم آخاذ دينيا، إلا أنه على المستوي النقدي يحمل كل أبعاد العنصرية الدينية. فمعناها أن من ليس منهم فهو ليس من أهل السنة ولا أهل الجماعة. وفي تفسير أنهم أهل جماعة رغم أنهم أقلية قال بن عبدالوهاب “إن ابن حنبل في محنته المعروفة بمحنة خلق القرآن ورغم أنه كان وحيدًا إلا من بعض الأتباع : إلا أنه كان “جماعة وحده” لأنه كان “علي الحق وحده”..!! وهذا بلا شك منطق نبى وليس مجرد مجدد!!. كما كانت حركة بن عبدالوهاب تقوم على الاستعلاء الديني النابع من الاستعلاء البدوي على جميع المذاهب، فهو وجماعته (المركز) وكل من يتبع حركتهم فقد تدين بالدين الإسلامى الحقيقي. معتبرين كل ماعداهم أنجاس.. ومع الزعم بامتلاك الحقيقة المطلقة نلمس هذا الاستعلاء أو الزهو الحركي في قول بن عبدالوهاب “فمن زعم من علماء (العارض) أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معني الإسلام قبل هذا الوقت أو زعم عن مشايخه أن أحد عرف ذلك، فقد كذب، وافترى، ولبس علي الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه (محمد جلال كشك نفس المصدر – ص 99)، وهنا تتجلى طفولية الحركة بجانب الاستعلاء، وهي ظاهرة معروفة في كل الثورات العقائدية، في رفضه مثلا قوله كاتب الرسالة له “لا أراك الله مكروها” فإعلم أن هذه الكلمة تضاد التوحيد لأن التوحيد لا يعرفه إلا من عرف الجاهلية، والجاهلية هي المكروه فمن لم يعلم المكروه لا يعلم الحق، فمعناها لا علمت خيرًا. فهي كلمة عامية جاهلة ولايجوز لأهل العلم أن يقتدوا بالجهال” من رسالته إلى ابن عباد (نفس المصدر لكشك ص 100). وكأي حركة إيدلوجية، فإن الحركة الوهابية تولد فيها كل العنف الفكري، الذي هو في الحقيقة تعبير عن الرفض الشامل للواقعين الاجتماعي والسياسي. بناء على تصور يقسم العالم بشكل حاد إلى عالم كافر مشرك، وعالم مؤمن مسلم. وعقيدة “الولاء والبراء” هي من المرتكزات الأساسية فيها، فكل ما في هذه المنظومة تفوح منه رائحة العنف والقتل والكراهية والمقاطعة والتبروء والإلغاء والتكفير والهدم والتحطيم، أي هي تنضح بكل القيم السلبية التي جهدت البشرية على مر العصور والدهور على نقدها ورفضها ونبذها والدعوة إلى نقائضها، لما فيه خير الإنسان وسعادة المجتمع الإنساني واستمراره، فكيف يمكن أن تُجمع كل هذه المفاهيم المدمرة في دعوة واحدة، ثم يدعي أصحابها أن هدفهم الأمثل هو حماية العقيدة، وصون الدين، وبناء الإنسان وإصلاح المجتمعات؟.
لم يأت ابن عبدالوهاب بجديد ولم يكن سوى تلميذ حنبلي تكفيري متعصب، التزم التزام عقائدي بمذهب أحمد بن حنبل، وهو بالتالي التزام بما ينص عليه ظاهرًا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، دون أي نظر أو اجتهاد أو تجديد، وحول هذا الموضوع يقول بن عبد الوهاب في كتابه الهدية السنية ص 99 “وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة في الفروع ولا ندعي الاجتهاد وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملنا بها ولا نقدم عليها قول أحد كائنًا من كان”، ورغم أن ابن عبدالوهاب اقتدى بنظرية التوحيد لابن تيمية شكلًا وموضوعًا، إلا أننا نراه يعلن الثورة العقائدية ويذهو باكتشافه للحقيقة، وتأكيد أنه هو وحده يطرح التفسير الوحيد الصحيح لهذه الحقيقة، وأنه وحده وحركته يمتلكان المعرفة والصواب، وهذا ما يفسر إصراره رفض أن يكون له مذهب محدد أو خاص به كما اعتاد المسلمون قبله. ويفسر لنا لماذا كان بن عبدالوهاب مستعليًا على المذاهب الأخرى، ويعتبر نفسه مالكًا للحقيقة المطلقة. ففي المذاهب الأربعة المعروفة اعتراف متبادل بأن كل منهم على الحق دون أن يدعى أحدهم أنه يعلم الحقيقة وحده.. إلا بن عبد الوهاب، فهو المسلم الأول في عصره لأنه علم الحقيقة وحده، وكل من اتبعه وتدين بدينه فهو المسلم الحقيقي والفقيه الحقيقي. ولأنه بهذا يكون خارجًا عن الجماعة فقد قال “إن الحق هو الأغلبية والجماعة”. والحق من وجة نظره هي الحقيقة التي اكتشفها “فإن كان كل الناس على باطل إلا واحد، فهم الشاذون.. وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة”. وقد كان ادعاء ابن عبدالوهاب لامتلاك الحقيقة سببًا أساسيًا للحدة والعنف التي اتسم بها بن عبدالوهاب وتلاميذه وحركته. ولذلك قال عن نفسه “أنا في بعض الحدة”.
أعاد محمد بن عبدالوهاب إحياء نظرية التوحيد لابن تيمية فكرًا ونصًا وروحًا في كتابه (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) دون زيادة أو نقصان، وبدون أن ينسبها لصاحبها، أو يذكر بالتحديد أنه شارحها وليس القائل بها كما فعل شيوخ التكفير قبله مثل ابن القيم الجوزية وغيره من شيوخ التكفير الحنابلة، فكان بذلك سارقًا عن مارق. ورغم إلقائنا الضوء في مقالتنا السابقة على نظرية التوحيد لابن تيمية، وتقديمنا لأهم آراء الفقهاء والمفكرين قديمًا وحديثًا، والتي فندتها بشيء من التفصيل، إلا أنه لزم علينا عرض شرح ابن عبدالوهاب لتلك النظرية حسب رؤيته وتصوره البدوي الخاص. فتشرح الرؤية الوهابية للتوحيد أن المقصود بكلمة (الإله): المعبود، وليس الخالق، وبالتالي فإنه لا يكفي للمرء أن يعترف بعدم وجود شريك للخالق لكي يصبح موحدًا، وإنما يجب عليه أن يمارس العبادة لله وحده، وإذا ما مارس أي نوع من العبادة لغير الله فقد أصبح مشركًا. ثم تقدم الرؤية الوهابية تفسرًا لمعنى العبادة، خلافًا لما كان يعرفه المسلمون من أنها تعني أداء نوع من الطقوس الخاصة كالصلاة كما في الآية الكريمة “إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري” 14 طه، أو أنها تعني الطاعة والاتباع كما في الآية الكريمة “أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين واعبدوني” 61 يس. فتقول الرؤية الوهابية إن العبادة تعني ممارسة كل ما يختص بالله تعالى من الدعاء والنذر والقسم والاستغاثة والخوف والرجاء وطلب الشفاعة وما إلى ذلك بالنسبة إلى شخص آخر غير الله، وبناءً على ذلك تعتبر النظرة الوهابية دعاء الصالحين والأئمة والأنبياء والنذر لهم وطلب الشفاء منهم، نوعًا من العبادة التي ترقى إلى مستوى الشرك الأكبر بالله تعالى مما يخرج مرتكبها من ملة الإسلام ويعيده إلى الجاهلية الأولى. لقد كان المفهوم الإسلامي السابق عن الشرك قبل نظرية التوحيد لابن تيمية والتي أعاد إحيائها ابن عبدالوهاب، هو الاعتقاد بوجود شريك لله تعالى وليس مجرد طاعة غير الله كطاعة الشيطان مثلًا والتي وردت بصيغة العبادة، فإن طاعة الشيطان ذنب إذا لم تكن تعني عبادته من دون الله تعالى، وبالتالي فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إلا الشرك به، كما تقول الآيات الكريمات التاليات “ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما” 48 النساء، “ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدًا” 116 النساء، “إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة” 72 المائدة، ” ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير” 31 الحج. مما يدل على وجود مفهومين للشرك أصغر وأكبر، كوجود مفاهيم مختلفة ودرجات متفاوتة عن الإيمان والإسلام والنفاق والعبادة وما إلى ذلك.. ولكن بن عبد الوهاب، تبعًا لابن تيمية كان يعتبر بعض الممارسات المختلف حولها بين المسلمين مثل دعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم، شركًا، وشركًا أكبر مخرجًا عن الملة والدين. فيقول في نفس المرجع السابق “إن معنى كلمة (الله): المألوه المقصود المعتمد عليه، والمدعو والمرجو. ويعرف (الإله) بأنه: الذي فيه السر. ويقول “إن المعبود عند العرب، هو الإله الذي يسمونه عوامنا (السيد) و(الشيخ) و(الذي فيه السر) والعرب الأولون يسمون الألوهية ما يسميها عوامنا (السر) لأن السر عندهم هو القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح ان يُدعى ويُرجى ويُخاف منه ويُتوكل عليه”. ولذلك فقد أطلق كلمة (التوحيد) على توحيد الألوهية (وهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد كالدعاء والنذر والنحر والرجاء والخوف والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة)، وليس توحيد الربوبية الذي يعني (الإيمان بالخالق الواحد). وقال “إن الكفار على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور الا الله وحده، ولكنهم لم يكونوا يقومون بتوحيد الألوهية، وإن هذا التوحيد هو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه”. وذكر في نفس المرجع السابق “إن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، وإن (ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا) هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن اعبدوها، ولا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر عبادة الأصنام”. واعتبر أن من الشرك الأكبر: الاستغاثة بغير الله، وكذلك طلب الشفاعة من النبي أو الأولياء والصالحين.. وقال “إن من نخا نبيًا أو ملكًا أو ندبه أو استغاث به، فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليه المشركين … وأن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم كفرًا من الذين قاتلهم رسول الله (ص) 11. وقال “إن من طلب الشفاعة من محمد (ص) كان كمن طلبها من الأصنام سواء بسواء”. و”إن هذا هو الشرك الأكبر”. وإن هذا ما يفعله الكفار عند عبادتهم للأصنام، إذ إنهم لا يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها”. وقال “لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة، بل هو عبادة الأصنام، من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله (ص) .. وإن دين الكفار الذي كفرهم به هو (الاعتقاد في الصالحين) الذين كانوا يقولون: انما اعتقدنا فيهم ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعون لنا. وقال “إن هذا الذي يسميه “المشركون” في زماننا هذا “الاعتقاد” هو الشرك الذي أنزل الله في القرآن وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه.. ولما كانت زيارة قبور الأنبياء والأولياء والصالحين منتشرة في جميع البلاد الإسلامية، فقد اعتبر محمد بن عبد الوهاب عامة المسلمين كفارًا ومشركين ومرتدين كأهل الجاهلية الأولى، أو أضل منها، وقال “إن أكثر الخلق قد لعب بهم الشيطان وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم”. وقال “إن المشركين في زماننا أضل من الكفار الذين في زمان رسول الله .. فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر: عبادة الأصنام”، وذلك لأنهم “يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يريدون شفاعتهم عند الله، لظنهم أن الله يحب ذلك وأن الصالحين يحبونه… وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يُقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر إن من فعل ما استحسنوا فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. وهذه هي المسألة التي تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الله الجهاد كما قال تعالى “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله”. واستنتج محمد بن عبدالوهاب، من خلال الربط بين أفعال مشركي الأمم السابقة وبين ما يفعله المسلمون المعاصرون له من زيارة القبور والدعاء عندها وطلب الشفاعة منها أو الاستغاثة بها، ارتداد الأمة الإسلامية وعودتها إلى شرك الجاهلية الأولى وعبادة الأوثان والأصنام (أي القبور). وقال “اتبع هؤلاء سنن من قبلهم وسلكوا سبيلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس لغلبة الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الاعلام واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”. واعتبر محمد بن عبد الوهاب، أيضًا، عامة البدو في زمانه، كفارًا، وقال “إن كفرهم أعظم من كفر اليهود. واستنكر إطلاق صفة المسلمين عليهم لمجرد أنهم يقولون (لا إله إلا الله) مع أنهم حسب قوله لا يعلمون من الإسلام شيئًا. وقال “ما أحسن ما قال واحد من البوادي، لما قدم علينا وسمع شيئًا من الإسلام، قال “أشهد أننا كفار (أي البدو) واشهد أن المطوع الذي يسمينا أهل الإسلام أنه كافر!”. وقال “من المعلوم عند الخاص والعام ما عليه البوادي أو أكثرهم.. فإن كان للوضوء ثمانية نواقض، ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض”. وبالاضافة إلى التكفير بسبب زيارة قبور الاولياء والصالحين، والاستغاثة بهم وطلب الشفاعة منهم، وهو ما كان يشترك فيه السنة والشيعة بصورة عامة، فقد كانت لدى محمد بن عبد الوهاب عوامل أخرى اضافية لتكفير الشيعة الذين سماهم “الرافضة”. ولم تكن لتلك العوامل علاقة مباشرة بنظرية التوحيد، وانما كانت تدخل بصورة غير مباشرة في نواقض الإيمان وذلك حسب تفسيره، وتلك العوامل أو النقاط هي: القول بالعصمة والنص والوصية في الإمامة وانحصارها في أهل البيت، وإنكار شرعية خلافة الخلفاء، وسب الصحابة والقول بارتدادهم، وادعاء نقص القرآن”… وذلك حسب زعمه. ولكنه ظل يكرر “إني لا اعتقد كفر من كان عند الله مسلمًا، ولا إسلام من كان عنده كافرًا، بل أعتقد من كان عنده كافرًا كافرًا، وما صح عن العلماء من أنه لا يكفر أهل القبلة فمحمول على من لم يكن بدعته مكفرة، لأنهم اتفقت كلمتهم على تكفير من كانت بدعته مكفرة، ولا شك أن تكذيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما ثبت عنه قطعًا كفر، والجهل في مثل ذلك ليس بعذر”. وقد اعتبر “الرافضة” مشركين، بناء على حديث رواه بحقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) يقول فيه “يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة، قاتلوهم فإنهم مشركون”.. واشترط ابن عبدالوهاب، شروطا ثمانية للإيمان، وكان منها الولاء والبراء، ولذلك لم يكتف من المؤمنين بنظريته المذعومه، مجرد الامتناع عن الاستغاثة بالأولياء والصالحين أو زيارة قبورهم وطلب الشفاعة منهم، وإنما طالبهم بترجمة إيمانهم إلى موقف عملي بالانضمام إلى صفوفه. واعتبر من يتردد في ذلك او يتخذ موقفًا مؤيدًا “للمشركين” كافرًا أيضًا. وقد قال في رسالته إلى شريف مكة إنه يكفر حتى من يعرف (التوحيد) الذي أظهره للناس، ويقر بأن الاعتقاد في الحجر والشجر والبشر شرك بالله، إذا لم يلتفت إلى (التوحيد) ولم يتعلمه ولم يدخل فيه ولم يترك (الشرك). وكذلك من لم يهاجر إليه وفضل البقاء مع أهل بلده والقتال معهم. وعرف الكافر “بأنه الشخص الذي عرف (دين الرسول) وظل واقفًا ضده، ويمنع الآخرين من اعتناقه ويظهر العداء لمن يتبع دينه”.. وبذلك أطلق محمد بن عبدالوهاب وأتباعه تهمة التكفير على سائر الأمة، لاعتقادهم أنهم وحدهم أهل التوحيد، وأن من عداهم قد وقع إما في براثن المتكلمين، فصار ينفي الجهة ويعطل الصفات والقول بخلق القرآن، أو وقع في براثن الصوفية فصار يتوسل ويتبرك، وكل ذلك عندهم كفر وضلالة. وهي مما وضع أسسه المتأخرون كابن تيمية، وطبقها من بعده محمد بن عبد الوهاب ومدرسته، وهي جميعا مسائل عملية فقهية أعطاها ابن عبدالوهاب بعدًا عقديًا لإرضاء شهوتة العدوانية. فقال “فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك زماننا”. والتي على أساسها شمل تكفيرهم كل المدارس العقدية من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة بالإضافة للصوفية والإمامية والزيدية والإباضية، فكل هؤلاء جميعًا ينزهون الله عن الجهة والمكان والتركيب والأعضاء ونحوها.
على خطى ابن حنبل وتلميذه ابن تيمية، استساغ محمد بن عبد الوهاب عملية تكفير عامة المسلمين واتهامهم بالشرك، اعتمادًا على بعض الأحاديث التي تشير إلى غربة الإسلام في آخر الزمان، وسير الأمة الإسلامية سيرًا انحداريًا أبديًا، فقال في كتابه (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) “ومما يدل على غربة الإسلام ما أخبر به النبي من وقوع الشرك في هذه الأمة (حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) و( تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم تسعين عامًا)، فلما طال الأمد بعدهم، صارت كتبهم في أيدي أناس جهلة فرجعوا إلى ما كان عليه من قبلهم ممن مضى من المبتدعة وكثر الشرك في القرى والأمصار، وصاروا لا يعرفون من التوحيد إلا ما تدعيه الأشاعرة.. حتى نُسي العلم وعم الشرك والبدع إلى منتصف القرن الثاني عشر، فإنه لا يعرف إذ ذاك عالم أنكر شركًا أو بدعة مما صار في آخر هذه الأمة”. وقد اعتمد أيضا على حديث لابن مسعود يقول فيه “ليس عام إلا والذي بعده أشر منه، لا تقول عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير، لكن ذهب علماؤكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيُهدم الإسلام وينثلم”. وقال في رسالة له إلى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف “إن رسول الله وأصحابه.. أخبروا أنه لا يصبر على الدين إلا الواحد بعد الواحد، وأن الإسلام يصير غريبًا كما بدأ.. فإذا كان الإسلام يعود كما بدأ، فما أجهل من استدل بكثرة الناس وإطباقهم” وقوله “فلتكن قصة إسلام سلمان الفارسي منكم على بال، ففيها: أنه لم يكن على دين الرسل إلا الواحد بعد الواحد، حتى أن آخرهم قال عند موته: لا أعلم على وجه الأرض أحدًا على ما نحن عليه، ولكن قد أطل زمان نبي. وأذكر مع هذا قول الله تعالى “فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم”. وقال في رسالة له إلى أهل حريملا “في الصحيحين: أن بعث النار من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة، وفي الجنة واحد من كل ألف.. بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ”. وأضاف بن عبدالوهاب إلى ذلك حديث افتراق الأمة إلى أكثر من سبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، ليشطب على جماعة الأمة، ويهون من خطب تكفير عامة المسلمين وحصر الحق في طائفته فقط. إذ فسر مفهوم الجماعة بمعنى آخر وهو “أهل الحق وإن قلوا”، والتأكيد على أقلية الغرباء في كل العصور، فقال لأحد أصحابه القلقين “لعلك تنجو من الهوة الكبيرة التي هلك فيها أكثر الناس وهي الاقتداء بالاكثر وبالسواد، والنفرة من الأقل… فإن كان الناس كلهم على باطل إلا واحدًا، فهم الشاذون. ومن هنا فقد أطلق محمد بن عبد الوهاب في جميع كتبه ورسائله، كلمة “المشركين” على عامة المسلمين، وطلب منهم التوبة والرجوع إلى (التوحيد). وسمى أتباعه فقط “الموحدين” و”المسلمين”.