أوضحنا سابقًا كيف أن منحنى التطور والتقدم والنهوض والاستنارة في الأمة المصرية أخذ في الصعود من حيث الرقي والازدهار إبان العصور الوسطى المبكرة، على عكس التدهور والانهيار والظلامية الذي ساد في أوروبا وأودى بها إلى عصور الانحطاط الحضاري. حيث كانت مصر في حالة ندية متقدمة مع الغرب وغيرهم من الأمم الأخرى، وتفوقت عنهم في العديد من النواحي الحضارية، وامتلكت مكونات الدولة التي افتقدتها كل إمارات أوروبا آنذاك. بينما اعتُبرت العصور الوسطى العليا (1000- 3000م)، فترة ازدهار المجتمع الأوروبي في العصور الوسطىكلها، وذلك بفضل النهضة الفكرية في القرن الثاني عشر،وإنشاء الجامعات.وأدىالخلاف بين النبلاء الإنجليز، إلى نشأة ميثاق (ماغنا كارتا)الذي أكد حقوق وامتيازات الرجال الأحرار في إنجلترا. وبحلول عام 1150 تقريبًا، اندمج الشمال المسيحي في الممالك الخمس الرئيسة في ليون، وقشتالة، ومملكة أرغون، ومملكة نبرة، والبرتغال.وشهد ذلك العصر أيضًا نهوضًا للنزعة العرقية، التي تحولت في وقت لاحق إلى قوميات مدنية حديثة في معظم أنحاء أوروبا. فكانت العصور الوسطى العليا هي الفترة التكوينية في تاريخ الدولة الغربية الحديثة.ولكن استمر صراع البابوية مع بعض الحكومات العلمانية إبان تلك الفترة.
ولكن ظلت مقاطعة أيبيريا الجنوبية تحت سيطرة الدول الإسلامية(الدولة الأموية – ثمملوك الطوائف – ثم الخلافة الموحدية). وفقد الأتراك السيطرة على القدس لصالح الفاطميين في مصر.وفي عام 1095 أعلن البابا أوربانوس الثاني(البابا 1088-99) عن الحملة الإفرنجية الأولى (سُميت خطأً بالصليبية لاحقًا) واستولت على القدسفي عام 1099. وتلا ذلك مزيد من الحملات الإفرنجية على الشرق، مثل الحملة الإفرنجية الثالثة، التي دعت لمحاولة استعادة القدس والتي تم الاستيلاء عليها من صلاح الدين في عام 1187.
مكنت التحسينات الزراعية والتكنولوجية من زيادة غلة المحاصيل. وأدى نهوض المدن ذوي الحكم الذاتي إلى تحفيز النمو الاقتصادي وخلق بيئة لأنواع جديدة من الرابطات التجارية في جميع أنحاء البحر المتوسط.وجلبت التجارة المتزايدة أساليب جديدة للتعامل مع المال، وتم سك النقود الذهبية مرة أخرى في أوروبا.وظهرت أشكال جديدة من العقود التجارية، مما يسمح بمشاركة المخاطر بين التجار.وتحسنت أساليب المحاسبة جزئيًا من خلال استخدام مسك الدفاتر المزدوجة القيد.وظهرت خطابات الاعتماد أيضًا مما يتيح سهولة نقل الأموال.
ازداد عدد سكان أوروبا من 35 إلى 80 مليون نسمة بين 1000 و1347م، وذلك نتيجة تحسن التقنيات الزراعية، وانخفاض العبيد، والمناخ الأكثر ملائمة، ونقص الغزو. وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، توسعت أعداد المدن مع نمو المدن القائمة، ولكن في جميع العصور الوسطى لم يتجاوز عدد سكان المدن 10٪ من إجمالي السكان، وظل ما يقرب من 90% من السكان الأوروبيين من الفلاحين الريفيين في مجتمعات صغيرة عُرفت عادة باسم العزب أو القرى. وكان هؤلاء الفلاحون في كثير من الأحيان خاضعين لسيطرةأباطرة نبلاء وكانوا يدينون لهم بالإيجارات والخدمات الأخرى.وسمحت سيطرة النبلاء على القلاع بتحدي الملوك أو غيرهم من سادة الحكم. وكانت النساء الفلاحات تابعات لبعض الذكور،وفي العادة مسؤولات عن رعاية الأسرة ورعاية الأطفال، فضلًا عن البستنة وتربية الحيوانات بالقرب من المنزل. وكان الدور الوحيد المُتاح أمام النساء في الكنيسة هو دور الراهبات، حيث لم يكن بإمكانهن أن يصبحن من الكهنة.
ازدادت الابتكارات في طرق الإنتاج في أوروبا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وشملت التطورات التكنولوجية الرئيسة اختراع الطاحونة الهوائية، والساعات الميكانيكية الأولى، وتصنيع المشروبات الروحية المُقطرة، واستخدام الأسطرلاب،واختراع نظارات مقعرة في عام 1286،وظهور المحراث الثقيل،وانتشار طوق الحصان مما أدى إلى استخدام خيول بدلًا من الثيران.وتم بناء الكاتدرائيات والقلاع باستخدام تكنولوجيا البناء المتقدمة. وتحسن صنع وسرعة القوارب والسفن الشراعية.وكان البارود معروفًا في أوروبا بحلول منتصف القرن الثالث عشر على الرغم من أنه كان يُستَخدم فقط كمتفجر وليس كسلاح.
شهدت العصور الوسطى العليا فترة من الحركات الدينية الهائلة. حيث سعى الناس إلى المشاركة في أشكال جديدة من الحياة الدينية. وتم تقسيم رجال الدين إلى نوعين: رجال الدين العلمانيين والذين عاشوا أنحاء مختلفة من العالم، ورجال الدين المنتظمين والذين عاشوا تحت حكم ديني وكانوا عادة من رهبان ولم تزد نسبتهم عن 1% من السكان.وقد تأسست الرهبانية الجديدة لتلبي احتياجات الذين أرادوا دخول الحياة الدينية والعودة إلى الرهبنة الراعية الأبسط للمسيحية المبكرة، أو العيش حياة رسولية،ولكنهم أُدانوا على أنها هرطقية من البابوية. وانضم آخرون إلى الكاثار، وهي حركة إصلاحية أخرى أدانتها البابوية في عام 1209.
ولمواجهة المجموعة الكبيرة من الحركات الشعبية التي انتشرت في اوروبا، وخاصة الكاثاريةوالوالدنسية في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا،نشأت(محاكم التفتيش)،وهي سلسلة من محاكم التحقيق التابعة للكنيسة الكاثوليكية كانت مسئولة عن قمع ما أُطلق عليه(البدع) أو (الردة) من حوالي عام 1184، لتشمل محاكم التفتيش الأسقفية (1184- 1230م) حتى محاكم التفتيش البابوية المتأخرة (1230م). وانتشرت محاكم التفتيش في كافة أنحاء أوروبا بدرجات متفاوتة من حيث درجة الانتشار وقسوة الإجراءاتوالعقوبات، وإن كان الحرق، أو النفي، أو الرجم حتى الموت أشهر تلك العقوبات. وساند الكثير من ملوك أوروبا تلك الممارسات خوفًا من تجذر التمرد وامتداده لظلمهم واستبدادهم الفج. وكثيرًا ما زايد الغوغاء على رجال الدين والملوك وقاموا بأنفسهم بمهمة حرق أو رجم المارقين. وأدت تلك المحاكم إلى ازهاق أرواح ملايين من البشر لمجرد التفكير المخالف أو الاعتراض على ممارسات رجال الدين. ولقد سن كتاب العهد القديم قانونًا بسيطًا لمعاملة المارقين من الدين، يقضى بأن يُفحص عنهم فحصًا دقيقًا، فإذا شهد ثلاثة شهود عدول بأنهم: “ذهبوا وراء آلهة أخرى” أُخرج المارقون من المدينة و “رُجموا بالحجارة حتى يموتوا” (تثينة التشريع 13: 10).
وانتشر ما سمي (صك الغفران)، وهو وثيقة كانت تمنح من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مقابل مبلغ مادي يدفعه الشخص للكنيسة يختلف قيمته باختلاف ذنوبه، بغرض الإعفاء الكامل أو الجزئي من العقاب على الخطايا والتي تم العفو عنها. ويتم ضمان صكوك الغفران من الكنيسة بعد أن يعترف الشخص الآثم و بعد أن يتلقى الإبراء. وظهر مصطلح صكوك الغفران كعلاج لعذاب المطهر في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215 م وقرر فيه أن: “الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء”.
أدت التطورات في الفلسفة واللاهوت إلى زيادة النشاط الفكري خلال القرن الحادي عشر. حيث كان هناك جدلحول مفهوم (الكون).وتم تحفيز الخطاب الفلسفي من خلال إعادة اكتشاف (أرسطو) وتركيزه على التجريبية والعقلانية. وقدم علماء مثل بيار أبيلار، وبيتر لومبارد المنطق الأرسطي في اللاهوت. وتحول التعلم من الأديرة إلى الكاتدرائيات والبلدات. وحاولت هذه الحركة استخدام نهج نظامي للحقيقة والعقل وبلغت ذروتها في فكر توما الأكويني (ت 1274) الذي كتب الخلاصة اللاهوتية.كما أدى اكتشاف أعمال أرسطو في بادئ الأمر عبر الفلسفة اليهودية والإسلامية في القرون الوسطى، وبطريقة غير مباشرة، إلى قيام كل من موسى بن ميمون، وابن سينا، وابن رشد، وتوما الأكويني، ومفكرين آخرين في تلك الفترة بتوسيع نطاق الفكر السكولاستي (المدرسي أو المكتبي)، وهو مزيج من الإيديولوجيات اليهودية والإسلامية والكاثوليكية والفلسفة القديمة وخاصة فلسفة أرسطو.وتم التعبير عن ثقافة المروءة والمحبة باللغات العامية بدلًا من اللاتينية، وتشكلت القصائد والقصص والأساطير والأغاني الشعبية التي انتشرت عن طريق المتجولين.
في العصور الوسطى العليا تم عمل التواريخ العلمانية والدينية.وتقدم القانون العلماني، أو القانون الروماني بشكل كبير باكتشاف قانون جستنيان في القرن الحادي عشر. وكان استبدال الأرقام الرومانية بنظام الأرقام العشرية، واختراع الجبر من بين نتائج التأثير الإغريقي والإسلامي على هذه الفترة في التاريخ الأوروبي، مما سمح بالرياضيات المتقدمة. كما تقدم علم الفلك بعد ترجمة بطليموس للمجسطي من اليونانية إلى اللاتينية في أواخر القرن الثاني عشر. وتمت دراسة الطب خاصة في جنوب إيطاليا، حيث أثر الطب الإسلامي على المدرسة الطبية الساليرنية.
أدى بناء الكنائس والأديرة إلى تطوير العمارة الحجرية التي وضَعت أشكالًا رومانية عامية في القرن العاشر، والتي اشتق منها مصطلح (الرومانسك). ووفقًا لمؤرخ الفن دودويل:”جميع الكنائس تقريبًا في الغرب كانت مزينة بلوحات جدارية”.كما ازدهرت العمارة القوطية في غربي أوروبا في الفترة الممتدة بين منتصف القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر الميلاديين،حيث أراد الفنانون إحياء العمارة الكلاسيكة لقدماء الإغريق والرومان في أوروبا،حيثتمكن نظام المعماريين القوط من تصميم كنائس بجدران رقيقة ودعامات أخف من تلك التي كانت في كنائس الرومانسك.ونحت المثالون أشكال القديسين وأبطال المسيحية على أعمدة مداخل الكنيسة.
واكبت نهضة العصور الوسطى العليا الأوروبية، العصر الذهبي للأمة المصرية في عصورها الوسطى، إبان حقبة الدولة الفاطمية المستقلة. وكانت اللحظة التاريخية التي ملأها الفاطميون الشيعة (969 – 1171) من أهم اللحظات في عمر التاريخ الحضاري المصري، حيث إن القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين هما القرنان الذهبيان للأمة المصرية علميًا وحضاريًا إبان العصور الوسطى المصرية، وهي فترةتشابهت مع العصور الوسطى العليا الأوروبية في الكثير من الجوانب وإن تفوقت عنها بعض الشيء. وقد اتسمت علاقات مصر بالندية الكاملة مع القوة العظمى السائدة شمال البحر المتوسط آنذاك، وهي الإمبراطورية البيزنطية، حيث دخلت العلاقات البيزنطية – الفاطمية مرحلة التأزم منذ أن استولى الفاطميون على جزيرة صقلية، وتمكنوا من دحر الروم وبسط سيطرتهم على البحر المتوسط، فانزوى الروم في موقف دفاعي ضد الفاطميين. ولكن تزامن اضمحلال وضعف الدولة الفاطمية مع الحملة الإفرنجية الأولى التي بلغت المشرق، وفتح الملوك والأمراء الإفرنج المدن والقلاع الشامية الواحدة تلو الأُخرى، بعد أن كان الفاطميين قد تمكنوا من استردادها من السلاجقة لفترة وجيزة.
كانت حملات الإفرنج التحدي الأساسي الذي واجه الدولة الأيوبية، والتي استحوذت على جل اهتمام صلاح الدين حتى وفاته. ودخل صلاح الدين القدس في 2 أكتوبر سنة 1187م، وبهذا سقطت مملكة بيت المقدس بيده. ولم يتبق بأيدي الإفرنج في بلاد الشام سوى صور وأنطاكية وطرابلس. ولكن تدفقت جيوش الإفرنج على مصر فيما عرف باسم (الحملة الإفرنجية الثالثة)، وتجددت الاشتباكات الطاحنة التي أبلى فيها صلاح الدين وقواته بلاءً حسنا،إلى أنتمت اتفاقية بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد سُميت بصلح الرملة، وبموجبها اتفق الطرفان على أن يكون للإفرنج المنطقة الساحلية من صور شمالًا إلى يافا جنوبًا بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف، وتكون عسقلان بأيدي الدولة الأيوبية على أن يجري تخريبها، ويتقاسم الأيوبيون والإفرنج اللد والرملة مناصفة، ويحق للمسيحيين زيارة بيت المقدس بحرية، ولمواطني الطرفين الحق في أن يجتاز كل فريق منهم بلاد الفريق الآخر، وكانت مدة المعاهدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. وبعد أن تم الصلح، مالبث أن مرض وتوفي صلاح الدين في 4 مارس 1193م.
كان نظام الحكم في ظل الخلافة الفاطميةوالأيوبية أكثر تطورًا من نظراءهم الأوروبيين، رغم أنه كان نظامًا مطلقًا وراثيًا يستأثر فيه الخليفة بجميع السلطات الروحية والزمنية. ولعل أهم ما يميز منصب الوزارة في العصر الفاطمي هو أن الكثير من وزراء الفاطميين كانوا من المسيحيين واليهود، مثل عيسى بن نسطورس، ويعقوب بن كلس، وعسلوج بن الحسن. وكان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقر من خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل الدولة. كما استحدث السلاطين الأيوبيون وظيفة (نيابة السلطنة) لأول مرة في الشرق. وقد أُطلق على جميع أصحاب الأقاليم لقب الملك أو السلطان دون تفريق بين إقليم وآخر. أما الجهاز الإداري فقد اعتمد على مجموعة من الدواوين على رأس كل منها موظف كبير يُسمى ناظرًا أو رئيسًا، مثل ديوان الجيش، وديوان المالية، وديوان الإنشاء وغيره، بالإضافة لعدد آخر من الوظائف الإدارية مثل والي القاهرة، ووالي الفسطاط.كما أرست الدولة الأيوبية قواعد الإقطاع في مصر وداخل نطاق الدولة الأيوبية.
منذ تولي الفاطميين حكم مصراعتنوا بالزراعة لأنها مورد مصر والشام الأول.ونشطت الحرف والصناعات بفضل رواج حركة التجارة بعيدة المدى. وأهم الصناعات الفاطمية كانت صناعة مواد البناء، وصناعة الحفر على العاج والخشب، وصناعة التماثيل من البرونز والنحاس، كما كانت المنسوجات صناعة فاطمية مشهورة، وقد كثرت فيها صور الحيوانات كالغزلان والأرانب والسباع، وكانت تُزخرف بالخط العربي. ويُلاحظ أن الفاطميين في هذا المجال خالفوا دول الخلافة السابقة عليهم، فقد أباحوا تصوير الكائنات والأشخاص على منتجاتهم وحرفياتهم على عكس أهل السنة. وكان التجار يتنقلون شرقًا بين مصر والشام والعراق وفارس وخراسان والهند والصين، وشمالًا بين مصر والمدن الأوروبية، وخاصةً جنوة والبندقية في إيطاليا.
امتلكت الدولة الأيوبية ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم، وورثت عنهم نظم الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية الأسرى.ومن الناحية التجارية نشطت التجارة وأصبحت مصر آنذاك همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد السلطان العادل معاهدة تجارية مع البندقية في سنة 1208م، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية في الموانئ المصرية، خاصة الإسكندرية، في مقابل أن يمنعوا الإفرنج من التقدم نحو مصر. كما اقتصرت الصناعة في العصر الأيوبي على إنتاج البلاد من المواد الخام، والتي كانت في أغلبها زراعية، أما عدا ذلك من المواد المصنعة فكانت قليلة كالمصنوعات الحديدية والحريرية التي كانت تعتمد على الحرير الشامي الخام، ومن الصناعات التي راجت في العصر الأيوبي صناعة النسيجوالورق، كما ازدهرت صناعة المعادن والفسيفساء.
ومن الناحية الاجتماعية، قسم المقريزي المجتمع الفاطمي اجتماعيًا إلى طبقة الأغنياء وتضم رجال الدولة وكبار التجار، وطبقة متوسطة وتضم متوسطي الحال من التجار وأصحاب المحال، وطبقة الفقراء وتشمل الأُجراء والمزارعين والحرفيين. وشهد العصر الفاطمي عددًا من مظاهر العظمة والأبهة في أوساط الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة، كأماكن الاستجمام التي كانوا ينتقلون إليها وقت الفيضان ومواكب الاحتفالات السنوية.ويدلل المؤرخون على الحياة الآمنة المرفهة التي عاشها المصريون إبان العهد الفاطمي، بثراء المطبخ المصري وتنوع المأكل والحلوى والشراب خاصة في شهر رمضان والأعياد والمناسبات.
بينمافرضت ظروف الحروب المتواصلة بين الأيوبيينوالإفرنج وغيرهم، وسائل معينة للتسلية في المجتمع الأيوبي مثل الخروج للصيد، إذ كان الأيوبيون يهتمون بصيد الحيوانات وفق ترتيب كأنه ترتيب الحرب، ومارسوا رياضة الرمي بالبناق التي انتقلت إليهم من العراق، كما مارسوا لعبة الكرة والصولجان التي مارسها السلطان صلاح الدين بشغف، وحظيت رياضة الفروسية باهتمام الملوك والسلاطين.
اشتهر أغلب الخلفاء الفاطميين بتسامحهم الشديد مع سائر المذاهب الإسلامية ومع غير المسلمين من المسيحيين، واليهود، واللاتين، والشوام من روم وسريان وموارنة. ورغم أن المذهب الشيعي كان مذهب الدولة الفاطمية الرسمي، إلا أن مذاهب أهل السنة والجماعة من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، كانت الأكثر انتشارًا على المستوى الشعبي. ومنذ دخل الفاطميون مصر، سلك جوهر الصقلي سلوكًا دبلوماسيًا هادئًا مع المصريين، فأعلن في خطبة الجمعة الأمان لأهل السنة وللمسيحيين واليهود، وجعل المعز لدين الله عيسى بن نسطورس وزيرًا له، وتزوج من امرأة مسيحية ملكانية، وهي أم ولده الحاكم وشقيقة اثنين من البطاركة. وكان يحتفل مع المسيحيين ويشاركهم أعيادهم.
بينماعمدت الدولة الأيوبية منذ إنشائها إلى القضاء على المذهب الشيعي، ومحو أثره وتدعيم ونشر المذهب السني في كافة أنحاء البلاد، واقتصر القضاء على مذهب الإمام الشافعي. كما قام صلاح الدين في بدايات حكمه لمصر بإلغاء العديد من احتفالات الشيعة مثل الاحتفال بيوم عاشوراء وغيره، وقد تجلت ظاهرة التصوف والإكثار من بناء منازل للصوفية عرفت باسم “الخوانق”. ولكن تحسنت ظروف أصحاب الديانات تدريجيًا بعد صراع الأيوبيين مع الإفرنج وما أظهرته من عداء شديد بين مسيحي الشرق والإفرنج وتلاحم مسيحي الشرق مع العرب والمسلمين في صراعهم مع الإفرنج.
نهج الفاطميون سياسة منظمة في إنشاء وتنظيم نشر العلم حتى وصلت بدولتهم إلى ذروة هرم الحضارة في القرن الحادي عشر الميلادي، فاذهرت الآداب والعلوم والفنون، فقد شُيدت دار الحكمة كجامعة كبيرة يقوم على التدريس فيها عدد كبير من العلماء والمتخصصين في علوم الفلك والجغرافيا والطب والرياضيات واللغة والتاريخ وغيرها من العلوم والفنون.
ولكن لأسباب متعددة تتعلق بطبيعة الأسرة الأيوبية ونشأتهم البدوية قل اهتمام الأيوبيين بالحياة العلمية، وتجلى هذا في إحراق صلاح الدين لمكتبة دار الحكمة والتي احتوت على قرابة مليون وستمائة ألف كتاب (حسب رواية ابن الأثير)، بما فيها من كنوز ونفائس علمية وفلسفية لا تقدر بثمن. كما قام صلاح الدين بتدمير الكثير من معالم مصر الحضارية والتاريخية العظيمة كأهرامات الجيزة حتى لم يتبقى منها سوى الأهرامات الكبرى الثلاث، باعتبارها أصنامًا، وهو الذي أصدر الأمر بقتل الفيلسوف الحلبي الحر السهروردي. وفى عهده تعرضت كل مراكز العلم الشيعية للقضاء عليها.
بدأ الفاطميون الاهتمام بالأسطول منذ بداية دولتهم، فأسسوا دار لصناعة السفن في المهدية للسيطرة على غرب حوض المتوسط. وبعد أن انتقلوا إلى مصر، ابتنوا دارين أخريين في القاهرة، وثالثة في دمياط ورابعة في الإسكندرية، وتولت تلك السفن حماية الثغور الفاطمية في البحرين المتوسط والأحمر. كما ترك الفاطميون آثارًا معمارية كبيرة في مصر، وظهرت العديد من الأنماط والأفكار المعمارية للمرة الأولى أثناء العصر الفاطمي، ومن أبرز الآثار المعمارية الباقية للفاطميين فيها الجامع الأزهر، وجامع الحاكم بأمر الله. كما مثل العصر الأيوبي اهتمامًا بالغًا بالعمران والبناء، ولم يقتصر هذا الاهتمام العمراني على القاهرة دون سواها، بل امتد إلى مدن الدلتاوالصعيد. وتطور بناء الأسوار والاستحكامات والقلاع بتأثير ما عرفه المسلمون عند الإفرنج. وكانت البيوت الأيوبية خالية من الزخارف، وغلب عليها طابع البساطة والتقشف من حيث الزخرفة بسبب حالة الحرب، ولكنها تميزت بالمتانة والقوة وإتقان التصميم والاعتماد على مادة الحجر، وإتقان نحته واستخدامه بمقاييس كبيرة، كذلك حدث تطور ملحوظ على العمارة العسكرية… ونستكمل.
المراجع:
1- العصور الوسطى الباكرة – تأليف نورمان كانتور – ترجمة د. قاسم عبده قاسم
دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية 1993م.
2- تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – مكتب عين الجامعة – تأليف موريشبيشوب – ترجمة علي السيد علي- المجلس الأعلى للثقافة 2016م.
3- تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – د. محمود سعيد عمران – دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع – صدر 2005م.
4- الكامل في التاريخ – ابن الأثير – هيئة الكتاب المصرية 1998م.
5- تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – تأليف سعيد عبد الفتاح عاشور 2015م
6- موسوعة الحضارات المختصرة – تأليف محمود قاسم 2012م
7- موسوعة تاريخ أوروبا – الجزء الأول – تأليف مفيد الزيدي 2003م
8- تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – تأليف د. إيناس محمد البهيجي 2017م
9- ابن إياس – بدائع الزهور في وقائع الدهور – تحقيق محمد مصطفى – جمعية المستشرقين الألمانية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1982م
10- ابن بطوطة – رحلة ابن بطوطة المسماة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” – دار الكتب العلمية – بيروت 1992م.
11- ابن تغري – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة – دار الكتب والوثائق القومية – مركز تحقيق التراث، القاهرة 2005م.
12- جاستونفييت – القاهرة مدينة الفن والتجارة – عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، القاهرة 2008م.
13- تاريخ مصر الإسلامية – تأليف د. جمال الدين الشيال – دار المعارف – القاهرة 1966م.
14- عواصم مصر – حسن الرزاز – دار الشعب – القاهرة 1995م.
15- السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزي – دار الكتب – القاهرة 1996م.
16- مماليك مصر والشام – د. شفيق مهدي – الدار العربية للموسوعات – بيروت 2008م.