أوضحنا سابقًا كيف حافظت مصر منذ قبل التاريخ، وطيلة العصور القديمة، على ريادتها للحضارة الإنسانية، وقدرتها على مواكبة العصور المتلاحقة بإبداعات علمية وأدبية، وقيم أخلاقية، ومثل عليا، وضعتها في مقدمة الأمم تقدمًا وتحضرًا وازدهارًا متواصلًا ومتجددًا. كما كانت مصر طيلة العصور الوسطى المصرية، التي شهدت مولد الدول الخمس المستقلة المتعاقبة (الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية، والأيوبية، والمملوكية) أكثر تقدمًا وتطورًا ورقيًا من نظيراتها الأوروبية، التي كانت ترزح تحت ويلات وظلامات مستنقعات العصور الوسطى الأوروبية. وتحققت لمصر إبان تلك الحقبة الندية الكاملة لنظيراتها حول العالم آنذاك (الآسيوي والأوروبي)، بل وتفوقت عليهم في كثير من النواحي الحضارية كما أوضحنا سابقًا بشيء من التفصيل. ورغم أن أغلب مؤسسي تلك الدول لم يكونوا من أصول مصرية إلا أنهم تمصروا بشكل كامل، ولم يكن لهم وطن آخر غير مصر، وتفانوا في خدمتها، ورفعة شأنها، وحماية أمنها، وصون استقلاليتها، حتى أن مصر أصبحت شبه إمبراطورية في عصورهم.
ولكن بنهاية عصر الدولة المملوكية، حدثت حالة من الاضمحلال للقوة المصرية، ورغم أنه لم يكن الاضمحلال الأول إلا أن القدر لم يمهل مصر الوقت الكافي للتعافي والنهوض مجددًا كما حدث كثيرًا من قبل. إذ انقضت قوة استعمارية جديدة على الأمة المصرية، ممثلة في الاحتلال العثماني البغيض، لتفقد مصر استقلالها، وتخضع لقوة ظلامية ورجعية وبربرية، تعزلها عن أهم وأخطر وأكبر تغيرات حضارية في تاريخ البشرية، وهي التغيرات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والسياسية والفكرية والفنية التي واكبت نشأة وتطور الرأسمالية الغربية، وأدت إلى خروج الغرب من ظلامات مستنقعات العصور الوسطى ودخول العصر الحديث، وولادة مفهوم (الدولة الوطنية الحديثة). ابتداءً من عصر(النهضة الأوروبية)،الذي فتح الأبواب لعصر التنوير، والثورة الصناعية، ومن ثم تشكل العصر الحديث،وحدث ذلك بالتحديد ابتداءً من القرن الرابع عشر حتى القرن الثامن عشر. بينما بقيت الإمبراطورية العثمانية غارقة في مستقعات العصور الوسطى بكل ظلاميتها واستبدادها وطغيانها واستنزافها لموارد وخيرات مستعمراتها ومنها مصر. لتحدث للمرة الأولى في تاريخ الأمة المصرية (الفجوة الحضارية) الهائلة بينها وبين القوى الحضارية الصاعدة وهي دول أوروبا الغربية، المتاخمة لحدودها الشمالية، مما أوجد التبعية الموضوعية لمصر وغيرها من الدول القابعة تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، لهيمنة وسيطرة دول مركز الرأسمالية العالمية.
يُعتبر (عصر النهضة الأوروبية) المرحلة المبكرة للعصر الحديث، ويُطلق على فترة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، خلال القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر الميلادية. وهي حركة ثقافية أو حركة إنسانية، بدأت في إيطاليا أواخر العصور الوسطى، وانتشرت لاحقا في باقي أنحاء أوروبا.واتسمت برفض قيم العصور الوسطى ومثلها المعنوية والاجتماعية والسياسية،وولادة الطبقة الوسطى في المدن وظهور المجتمع البرجوازي الأول، وتنوع المذاهب بين الاجتماعية والفلسفية حيث حدث في هذه الفترة إحياء التراث الفلسفي والثقافة الإنسانية اليونانية والرومانية، كما حدث اكتشاف العديد من الأمور العلمية المتتالية، وظهرت مناهج جديدة في التعليم والبحث، وتغير الفكر الاجتماعي والاقتصادي للأوروبيين.
كان جول ميشليه (1798 – 1874) أول من عرف عصر النهضة: “بالفترة في تاريخ الحضارة الأوروبية التي مثلت الفاصل بعد القرون الوسطى حيث خلقت فهمًا متطورًا للإنسانية ومكانتها في العالم. كما ظهرت فيه شخصيات عظيمة حققت إنجازات في المجالات الثقافية والفنية والسياسية والاقتصادية، ما زالت البشرية تستفيد من أعمالها إلى هذا اليوم. فقد بدأت النهضة الأوروبية في إيطاليا التي كانت رائدة في إنشاء المدن التجارية الأولى في أوروبا، ثم انتشرت إلى بقية أوروبا في القرن السادس عشر”.
وفي مؤلفه (حضارة عصر النهضة في إيطاليا)، شبه ياكوب بوركهارت (1818 – 1897م) التغيير بـأنه: “حجاب يُزال عن عيون الشخص، مما يسمح له أن يرى بوضوح. في العصور الوسطى، كلا جانبي الوعي البشري يحلمون نائمين أو نصف مستيقظين من وراء قناع مألوف. الحجاب منسوج من الغيبيات، والوهم، والتحيزات الصبيانية، والتي من خلالها كان يُنظر إلى العالم والتاريخ وهم مرتدين أشكال غريبة”.
ويفضل العديد من المؤرخين الآن استخدام مصطلح (الحداثة المبكرة) لهذه الفترة، وهي تسمية أكثر حيادًا حيث تسلط الضوء على هذه الفترة كفترة انتقالية بين العصور الوسطى والعصر الحديث.
وبالمجمل، يمكن أن ننظر إلى عصر النهضة على أنه محاولة من قبل المفكرين لدراسة وتطوير الجانب الدنيوي، من خلال إحياء للفلسفةوبعض الأفكار القديمة الكلاسيكية للحضارتين اليونانية والرومانية بالإضافة إلى إيجاد مناهج فكرية جديدة ومبتكرة، وهو ماسنأتي إليه لاحقًا بشيء من التفصيل.
تمتد جذور عصر النهضة الأولى إلى القرن الثاني عشر الميلادي في رحم النظام الإقطاعي إبان ما أُطلق عليه (النهضة الكارولنجية) كما أوضحنا سابقًا، حيث ظهر نشاط ملحوظ في الحياة العلمية، ولو أن هذا الاهتمام كان محصورًا بين جدران الكنائس والأديرة، والتي رغم ظلامية أفكارها طيلة العصور الوسطى، كان لها الفضل في حفظ التراث القديم وصيانته وتسليم هذا الثراث الضخم لعصر النهضة، ففي القرن الثاني عشر حدث اتصال بين حضارة الشرق والغرب في حقبة الترجمة، حيث تُرجمت علوم اليونان عن العرب، وتأثر المجتمع الغربي بالفلسفة اليونانية القديمة، ولكنهم في هذه الفترة كانوا يدرسون العلوم كما وردت دون إثباتها علميًا، وهذا هو الفرق بين العقليتين، عقلية العصور الوسطى وعقلية العصور الحديثة، فمعاصرو العصور الوسطى كانوا يأخذون العلوم على علاتها وشعارهم في ذلك: “اعتقد لأفهم”، أما عندما أشرفت العصور الوسطى على الانتهاء، وانبثق عصر النهضة، سادت الفكرة التي تقول: “لا يجوز الاعتقاد في شيء قبل فهمه”.
وعلى ذلك بدأت العقول تتحرر، واتجه الناس إلى نقد ما كان شائعًا في العصور الوسطى حتى في الدين نفسه، فقد وُجد من ينتقد الكنيسة، ونمت تلك الروح النقدية خلال عصر النهضة ونتج عنها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، كذلك كان من مميزات أواخر العصور الوسطى ظهور الجامعات وما تبع ذلك من انتشار العلم وتعميق الثقافة، وشجعها الباباوات الذين أصدروا قرارات بإنشائها ومدوها بالمال والتسهيلات، وأُنشئت كليات لدراسة العلوم الإلهية ومختلف الفنون والعلوم الإنسانية والقانونية، ولكن ظل الطابع الديني قويًا في هذه الدراسات. وظلت الاستمرارية بين العصرين مربوطة بروابط كثيرة ومتشابكة.
رغم بعض الانتكاسات والكبوات المتلاحقة، أدى تطور الاقتصاد الأوروبي بشكل كبير خلال عصر النهضة، خاصة في مجال التجارة، أدى لتزايد أعداد السكان وتحسين الخدمات المصرفية وتوسيع طرق التجارة وابتكار أنظمة تصنيع جديدة. واعتبر التجار في عصر النهضة أن الإبحار وسيلة أفضل للسفر بدلًا من البر، بسبب قلة الطرق البرية التجارية في أوروبا وانتشار قُطاع الطرق واللصوص في الطرق التجارية الجيدة، وقد زودت التجارة البحرية الأوروبيين بالتوابل من آسيا في الشرق، خاصة الفلفل وجوزة الطيب والقرفة، إضافة إلى الأحجار الكريمة والحرير الفاخر الذي اُستخدم في ملابس النساء، وكان المستثمرون في الغالب هم من يدفعون المال لقاء هذه الرحلات التجارية. وصدّرت التجارة العديد من الأفكار والسلع الجديدة إلى أوروبا، وأسهم ازدهار الاقتصاد في قيام المدن على تخوم الإقطاعيات، وولادةطبقات اجتماعية ثرية تدعم الفن والتعليم، وبدأ الناس في عصر النهضة باستخدام العملات لشراء البضائع، وظهرت الحاجة لوجود أشخاص متخصصين بالصرافة لصرف العملات المختلفة، كما ازدادت أهمية الحرفيين والتجار والمصرفيين في المجتمع، حيث كان الحرفيون يصنعون السلع التي تاجر بها التجار في جميع أنحاء أوروبا، بينما تولى المصرفيون مهمة صرف العملات وإقراض المال وتمويل الأعمال الخاصة.
كان لظهور المدن الأوروبية منذ أوائل القرن الحادي عشر الميلادي كما أوضحنا سابقًا، أثره في حياة المجتمع الأوروبي، وقد نشأت المدن كنتيجة لنمو التجارة والصناعة، بعد أن تخلص عدد كبير من الناس من سيطرة أمراء الإقطاع، وقد كان لظهور المدن أثره في إضعاف النظام الإقطاعي الزراعي، ففي إيطاليا فإن موقع المدن الإيطالية مثل فلورنساوالبندقية والمراكز التجارية الأخرى جعلها في مفترق طرق ثقافي، حيث جلب التجار معهم الأفكار من أصقاع العالم، وبالتحديد من المشرق العربي، وكانت فلورنسا عاصمة لصناعة النسيج، بينما كانت البندقيةبوابة أوروبا التجاريةومنتجة للزجاج الجيد، وكانت هذه الثروات المتدفقة إلى إيطاليا بسبب هذه الأعمال التجارية تعني أن بالإمكان تعميد المشاريع الفنية العامة أو الخاصة، وأيضًا أن بإمكان الأفراد تخصيص أوقات فراغ أكبر للدراسة، واستطاعت بعض المدن، ولا سيما المدن الإيطالية والألمانية، أن تنجح في تدعيم وجودها حتى تطورت وأصبحت جمهوريات حرة منفصلة عن المدن الإقطاعية، التي كانت جزءًا منها، وارتبط بهذا أفكار معادية للاستبداد.
كما لُوحظ أيضًا الأزدهار الملحوظ في الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها المدن الإيطالية، وعلى الرغم من أنها لم تكن تشبه الديمقراطيات الحديثة إلا بشكل طفيف، إلا أنها كانت ولايات متجاوبة وتحتوي على بعض مزايا الديمقراطية، مع أشكال من المشاركة في الحكم والإيمان بالحرية الفردية. كما حدت الأوضاع السياسية في إيطاليا في القرون الوسطى المتأخرة البعض إلى إطلاق نظرية مفادها: أن المناخ الاجتماعي غير العادي سمح بظهور حالات ثقافية نادرة. إيطاليا لم تكن موجودة ككيان سياسي في الفترة الحديثة المبكرة، بل كانت مقسمة إلى دويلات ومقاطعات صغيرة؛ مملكة نابولي تسيطر على الجنوب، وجمهورية فلورنسا والدولة البابوية في الوسط، وميلانو وجنوة إلى الشمال والغرب على التوالي، والبندقية إلى الشرق. كانت إيطاليا في القرن الخامس عشر واحدة من أكثر المناطق تحضرًا في أوروبا. وكانت العديد من مدنها تقع بين أنقاض المباني الرومانية القديمة، بل يبدو من المرجح أن ترتبط طبيعة الكلاسيكية في عصر النهضة بجذورها في قلب الإمبراطورية الرومانية.
كما استطاعت جمهوريات المدن الإيطالية تكريس مفاهيم الحرية في نفس الوقت الذي كانت تكبح فيه جماح الامبراطورية والكنيسة،وأفضت الحرية السياسية النسبية المتوفرة إلى تقدم أكاديمي وفني. وفي بعض مدن دول أخرى كفرنسا وإنجلترا ساعدت الطبقة الوسطى الملك على تقوية نفوذه ضد نبلاء الإقطاع، فقد رأى سكان تلك المدن أن من مصلحتهم تدعيم سلطان الملك، لأن قيام حكومة مركزية قوية على رأسها الملك ادعى إلى استتباب أمن الدولة واستقرارها، وأصلح لهم من التقسيم الإقطاعي الذي يقف حجر عثرة في سبيل حرية التجارة ويضعف مكاسبها.
وهكذا ساعدت المدن في بعض الدول الأوروبية على تدعيم سلطة الملكية المطلقة وعلى الأخص أوروبا الغربية، هذا إلى جانب أن المدن أصبحت مراكز للثقافة والإشعاع الفكري حيث تجمع المفكرون والمثقفون والفنانون في مكان واحد كبير.
ظهرت ثمارعصر النهضة جلية في القرن الرابع عشر في (فلورنسا) الإيطالية، ولطالما كان هناك جدال طويل عن سبب بدء تاريخ عصر النهضة في فلورنسا وليس في مكان آخر في إيطاليا. ويشير المؤرخ والفيلسوف السياسي كوينتن سكينر إلى أن الأسقف الألماني أوتو فون فرايسينج (حوالي 1114-1158) الذي زار شمال إيطاليا خلال القرن الثاني عشر لاحظ وجود شكل جديد ومنتشر من التنظيم السياسي والاجتماعي، مشيرًا إلى أن إيطاليا على ما يبدو تركت الإقطاعية وأصبحت مجتمعها مبنيًا على التجارة. وارتبط بهذا أفكار معادية للملكية، متمثلة في الرسمة الجصية الشهيرة في أوائل عصر النهضة حكاية الحكومة الجيدة والحكومة السيئة في سيينا التي رسمها أمبروجيولورنزيتي (رسمت في 1338-1340)، وكانت تحمل رسائل قوية حول فضائل العدل والعدالة والجمهورية والإدارة الجيدة. ويُعتقد بأن عصر النهضة تم إثارته من قبل فرانشيسكو بترارك (1304 – 1374) – عالم وشاعر إيطالي خلال عصر النهضة المبكر – الذي كان لديه شغف بإعادة اكتشاف المخطوطات القديمة المفقودة.
وقد لاحظ الباحثون العديد من المميزات الفريدة للحياة الثقافية في فلورنسا والتي تسببت في مثل هذه الحركة الثقافية، وشدد الكثيرون على الدور الذي لعبته عائلة ميديشي – عائلة مصرفية إيطالية وسلالة سياسية – في مساندة وتنشيط الفنون، حيث قام لورينزو دي ميديشي – حاكم فلورنسا وأقوى راعي لثقافة النهضة في إيطاليا – بدعم ورعاية الفنانين مثل ليوناردو دافينشي (1452 – 1519) وفيليبينو ليبي (1457 – 1504).ويروي سكينر أن هناك العديد من حماة الحرية الفردية مثل احتفال ماتيوبالميري (1406-1475) بعبقرية فلورنسا ليس فقط في النحت والفن والعمارة، ولكن أيضًا “بالازدهار الملحوظ في الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها فلورنسا في نفس الوقت. حتى المدن والدول خارج وسط إيطاليا، كانت مشهورة أيضًا بكونها جمهوريات تجار، وخاصة جمهورية البندقية”.
ظهر في عصر النهضة مصطلح خاص هو “الموسوعي”، يستخدم للإشارة إلى الشخص الذي تتعدد خبراته ومواهبه في الكثير من المجالات، مثل ليوناردو دا فينشي (1452 – 1519م) الذي كان رسامًا ونحاتًا وعالمًا ومخترعًا ومهندسًا وكاتبًا في نفس الوقت، وميكيلانجيلو بوناروتي (1475 – 1564م) الذي كان رسامًا ونحاتًا ومهندسًا معماريًا.
امتازت النهضة بأنها عصر الفضول وحب المغامرة، وتمكن كريستوفر كولومبوس (1451 – 1506م) في القرن الخامس عشر من الوصول إلى أمريكا، واستطاع فاسكو دا غاما (1469 – 1524م) الوصول إلى الهند. إلى جانب حب المغامرةكان حب الجمال من صفات عصر النهضة، وتنوعت معانيه بين جمال الثقافة والعالم المتحضر وجمال المرأة، وقد ظهر تأثير هذا خصوصًا في الأعمال الأدبية. كما شاعت الرغبة في نيل القوة وتحقيق الثروة في عصر النهضة، وتُعتبر مسرحية الدكتور فوستوس التي ألفها كريستوفر مارلو (1564 – 1593م) أفضل مثال على واقع الحال آنذاك، وتحكي قصة البطل الذي باع روحه للوسيفر (إبليس) من أجل الحصول مقابلها على الثروة والقوة.
شهدت متطلبات المجتمع خلال عصر النهضة تغييرًا جذريًا، وأصبحت مرهونة بالمال بدلًا من الولاءات، وقد واجهت الكنيسة صعوبة في التأقلم مع هذا الفكر الجديد مع نمو الطبقة التجارية في المجتمع، ووجد الكهنة والرهبان الذين كانوا يمثلون معلمين دينيين للفلاحين أنهم لا يعرفون الكثير عن احتياجات الناس في هذه الطبقة الجديدة. وتغيرت الحياة اليومية للفرد العادي في عصر النهضة، وبدأ الناس بالاستمتاع بالكماليات والملابس الجميلة وأصناف الطعام الفاخرة والفنون، وازداد عدد الحرفيين والتجار، لكن هذا لم يغير واقع أن الكثير من الناس استمروا في عيش حياة صعبة مليئة بروتين العمل والكد، ولم يحظَ المزارعون والفلاحون سوى بفرص ضئيلة لتحسين أوضاعهم.
كان للانخفاض السكاني بسبب الطاعون الذي أصاب أوروبا بين عامي (1348 – 1350م) بعض العواقب الاقتصادية، حيث فقدت إنجلترا في الطاعون الدبلي 1,4 مليون من أصل حوالي 4.2 مليون نسمة آنذاك.وانخفض عدد السكان في فلورنسا إلى النصف تقريباً في عام 1347. ونتيجة لهذا الانخفاض في عدد السكان، ازدادت قيمة الطبقة العاملة، وأيضًا جاء العامة ليحظوا بحرية أكبر. ولسد الحاجة المتزايدة إلى العمل، سافر العاملون بحثاً عن المكان الأفضل من الناحية الاقتصادية. وانخفضت أسعار المواد الغذائية، وانخفضت قيمة الأراضي بنسبة 30٪ إلى 40٪ في معظم أنحاء أوروبا بين 1350 و 1400م. كما واجه ملاك الأراضي خسارة كبيرة، ولكن بالنسبة للرجال والنساء العاديين، فقد كانت تلك عوامل إيجابية لصالحهم. لم يجد الناجون من الطاعون فقط أسعار الغذاء منخفضة، بل وجدوا أيضًا العديد من الأراضي المتاحة، والغالبية منهم كان قد ورثها من أقاربه الذين ماتوا. كان انتشار المرض أكثر بكثير في مناطق الفقراء. ودمرت الأوبئة المدن، وخاصة الأطفال، كما انتشر الطاعون بسهولة عن طريق القمل، ومياه الشرب غير الصحية، والجيوش، وقلة النظافة. وكان الأطفال أكبر المتضررين لأن أمراضًا مثل التيفوس والزهري كانت تهاجم جهاز المناعة لديهم، وتجعلهم غير قادرين على مقاومة الأمراض. الأطفال في مساكن المدينة تأثروا من انتشار المرض أكثر من الأطفال الأثرياء. تسبب الطاعون باضطرابات في البنية السياسية والاجتماعية لفلورنسا أكثر مما تسببته الأوبئة اللاحقة. على الرغم من العدد الكبير للضحايا الذين لاقوا حتفهم من الطبقة الحاكمة، إلا أن حكومة فلورانسا استمرت في العمل طيلة هذه المدة. عُلقت الاجتماعات الرسمية للممثلين المنتخبين في ذروة الوباء نظرًا لظروف الفوضى في المدينة، ولكن تم تعيين مجموعة صغيرة من المسؤولين لتسيير شؤون المدينة والتي تضمن استمرارية الحكومة.
تعددت عوامل قيام النهضة الأوروبية، وكان إحياء التراث القديم أبرز تلك العوامل، فقد كان من أبرز ما ظهر في عصر النهضة هو العودة نحو القديم، ويُعد التراث من أهم الأمور القديمة التي رجعت إليها النهضة في مظاهرها، فدرست التراث اليوناني، والتراث الروماني، وتعرفت على مزاياه. وتبع إحياء التراث ظهور الحركة الإنسانية التي هدفت إلى قيام الإنسان بدراسته لذاته وحقيقته بمعزل عن مختلف الأفكار والعقائد المحيطة به. كما ساعدت عملية الطباعة بعد اكتشافها في القرن الخامس عشر على نشر التراث القديم التي عمدت النهضة إلى إحيائه، بالإضافة إلى نشر الدراسات الجديدة والكتب، الأمر الذي جعل هذه الأمور في متناول الأيدي والفئات المختلفة من الناس بعد أن احتكرها الأثرياء وطبقة الحكام ورجال الدين في القدم، والجدير بالذكر أن اكتشاف الطباعة أخرج الناس من الركود الذي كانوا يعيشون فيه في العصور الوسطى. وكان لظهور اللغات القومية دور هام في قيام عصر النهضة، ومن أهم اللغات القومية التي ظهرت هي اللاتينية القديمة، فقد أصبح الناس يسعون إلى تقليد اللاتينية القديمة إعجابًا بها ولاحتوائها على معان نبيلة وأفكار تفيدهم في حياتهم، فاستخدموا أساليب التعبير الخاصة باللاتينية بالإضافة إلى الاستفادة من أفكارها ومضمونها. وبالرغم مما حققته الحركة الفنية التي ظهرت في بداية القرن الثاني عشر الميلادي من التقدم الكبير في العمارة وفن النحت، إلا أن النهضة الفنية في عصر النهضة أحدثت إحياءً للتراث الفني، وجسدت الإنسان من خلال النحت والرسم، وبذلك خرج الفن من زاوية الاستنساخ إلى زاوية التعبير الحر، فأصبح الفنان في عصر النهضة حرًا في تعبيره عن عقله وأفكاره.ومن تلك العوامل أيضًا، هجرة الباحثين في الدراسات اليونانية ومعهم النصوص اليونانية إلى إيطاليا بعد سقوط القسطنطينية على يد التركمان العثمانيين.
تنوعت الروافد التي نهل منها رواد عصر النهضة كافة العلوم العلمية والإنسانية، وكان للحضارة المصرية والعربية والإسلامية نصيبًا وافرًا من هذه الروافد، فتأثر كبار الشعراء في أوروبا في القرن الرابع عشر الميلادي بالشعر العربي ومن هؤلاء الشعراء (دانتي) و(بتراك)، ونقل الأوروبيون فن القصة العربية التي تميزت بأخبار الفروسية وفن المقامات، كما حفظ العرب تراث الفلسفة اليونانية من الضياع، فلم يكتفي العرب بما ترجموه ولكنهم شرحوا مؤلفات (أرسطو) كما فعل (ابن رشد) الذي شرح مؤلفات (أرسطو) حتى أطلقوا عليه الشارح العظيم، وتأثر به الفيلسوف الألماني (كانت)، وترجم الأوروبيون كتب العلماء العرب والمسلمين إلى اللاتينية، فترجموا كتب (ابن سينا) و(الرازي) في الطب، وكتب (ابن البيطار) في الصيدلة، وكتب (جابر بن حيان) في الفيزياء، وترجموا كتاب المناظر (للحسن ابن الهيثم) الذي ظل مرجع الأوروبيين طوال العصور الوسطى، وكانت أبحاث (البيروني) و (ابن سينا) عاملًا هامًا في توصل (نيوتن) لقانون الجاذبية، ونقل الأوروبيون الجبر عن العرب وترجموا كتاب (الخوارزمي) في حساب الجبر والمقابلة، ونقل (الشريف الإدريسي) علم الجغرافيا إلى الأوروبيين كما نقل إليهم البوصلة وعلم الأوروبيين كيفية استخدامها، وأخذ الأوربيون الموسيقى عن العرب خلال الحروب الإفرنجية.
تعددت معابر الحضارة العربية والشرقية إلى أوروبا، مثل القوافل التجارية حيث كان العرب يحملون التجارة والحضارة من الشرق المتحضر إلى الغرب المتخلف آنذاك. والحروب الإفرنجية التي لم تكن مجرد لقاء بين قوتين عسكريتين بل لقاء بين حياتين وفكرتين حياة التقدم في الشرق وحياة التخلف في الغرب الأوروبي. كما كانت الأندلس أهم معابر الحضارة الشرقية إلى أوروبا وكان الطلاب يأتون إليها لينهلوا من علومها ويعودون إلى بلادهم حاملين مظاهر التقدم الشرقي، وفي صقلية حرص العرب على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية وتقدمت الآداب والفنون والعمارة وكانت صقلية مركزًا لنشر الثقافة والحضارة الشرقية في إيطاليا وأوروبا.. كما أن موجات هجرة ولجوء العلماء البيزنطيين واليونانيين في الفترة التي أعقبت سقوط للقسطنطينية ونهاية الإمبراطورية البيزنطية عام 1453م ساعدت وبشكل كبير على إحياء الأدب والعلوم اليونانية والرومانية من خلال الإلمام الكبير باللغات والأعمال القديمة، الذي تميز بطابعه المدني ونزعته الإنسانية الكلاسية، وتوجهه نحو إحياء الإرث الثقافي اليوناني والروماني. والذي انبهرت به الطبقة الجديدة وارتأت الارتكاز عليه لبناء أيدولوجيتها الجديدة البرجوازية، في مواجهة الأيدولوجية الكنسية والإقطاعية المتخلفة والغيبية والتي لم تعد تناسب العصر الجديد. وقد تأصلت جذور فكرة الإحياء بإيطاليا منذ عهد جوتو(1266-1337) عندما نُعت بوصف: “معلمًا لجيله وعظيمًا عظمة القدامى”، ومن ثم كانت فكرة (البعث) أو (الانبعاث) مرتبطة بأذهان الإيطاليين بفكرة إحياء مجد روما القديم.
وبينما كانت أوروبا تستيقظ من سباتها،وتحاول بكل الطرق والوسائل، أن تنجو من كبوتها،وتنفك من براثن العصور الوسطى، وتودع ظلامات الدول الدينية، وتقاطع الأيديولوجات الغيبية، وتعود لجذورها العقلانية والإنسانية، وتستعيد ضميرها ووجدانها، وتنطلق نحو الابتكار والإبداع الإنساني الغير محدود، وتعظم قيمة الفرد وحريته، وتطلق طاقاته ومواهبه، وتبتكر اقتصاديات متطورة ومتجددة، وتنشأ المدن الجديدة وتمدها بشتى الوسائل الحديثة، وتضع اللبنات الأولى لمفهوم الدولة الوطنية ذات الحدود الجغرافية المقدسة، وتقاطع مفهوم الإمبراطورات الدينية أو الإثنية.. كانت المرحلة التاريخية مازالت في مناطق أخرى تعيد انتاج نفس المنظومات القديمة الظلامية، الدينية والطائفية والإثنيةوالثيوقراطية، الغارقة في مستنقعات العصور الوسطى، باستخدام نفس الآليات، وتكرار نفس المنظومات الاقتصادية الإقطاعية، ولصوصية الغزوات والغارات، ومن ثم إنتاج نفس العلاقات الاجتماعية، وإعاقة التفكير والإبداع في شتى المجالات، وتكبيل البشر بكل أصناف القيود، بل وإلغاء دورهم في الحياة. ولسوء الحظ، كانت السلطنة العثمانية (1299 – 1923) إحدى تلك المنظومات المنسوخة من أنظمة العصور الوسطى بكل ما تحملة من مساوئ كارثية.
على عكس حركة التاريخ؛وُلدت السلطنة العثمانية من رحم الأطر الثيوقراطية القديمة، ومثلت تكرارًا لها، وإعادة لإنتاجها، حيث وُلدت من رحم سلطنة سلاجقة الروم (1077 – 1308م)، إحدى السلطنات التي انبثقت عن دولة السلاجقة العظام (تمييزًا لها عن سلاجقة الروم) 1037 – 1194 في إيران، وأفغانستان، ووسط آسيا،والعراق وبعض مدن الشامإبان فترة اضمحلال الخلافة العباسية وتمكن السلاجقة من مقاليد السلطة.وبعد تفككدولة السلاجقة العظام إلى عدة سلطنات وإمارات وأتابكيات، نشأت على أنقاضها دولة السلاجقة الروم، وتكونت في البداية من إحدى الإمارات التي قامت في بلاد الأناضول وشكلت بداية الجناح الغربي من دولة السلاجقة العظام، قبل أن تنفصل عنها وتصبح دولة قائمة بذاتها.
كانت دولة السلاجقة الروم مسلمين سنيين من الناحيتين الدينية والمذهبية، أما عرقيًا فكانوا من التركمان، على أنهم تثاقفوا بالثقافة الفارسية، فاقتبسوا اللغة والأبجدية الفارسيتين نتيجة احتكاكهم الطويل بالفرس في بلاد ما وراء النهر وإيران، حتى اصطبغت دولتهم بصبغة غير تركمانية لفترة طويلة من الزمن. وفي حين كان السلاجقة هم الحكام، فإن غالبية الرعية كانت من الروم المسيحيين الأرثوذكس، ولاحقًا انصهر هؤلاء تدريجيًا مع التركمان في بوتقة واحدة.
غزاسلاجقة الروم الربوع الأناضولية، التي استعصت على السلاجقة العظام قبلهم رغم توغلهم في أرجائها أكثر من مرة، واستولواعلى عدد من المدن والقلاع الحصينة بعد اصطدامات قاسية مع البيزنطيين استمرت حتى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، وتمكنوا من تثبيت أقدامهم في البلاد الجديدة بفضل هجرات (مرتزقة الحرب) التركمانية المستمرة من الشرق. وتنامت قوة السلطنة مع مرور الزمن، وتوسعت على حساب جيرانها وبخاصةً الإمبراطورية البيزنطية، وبسط السلاجقة الروم سيطرتهم على مساحة واسعة من آسيا الصغرى، وفتحوا سوداق في شبه جزيرة القرم، وفرضوا الجزية على القفجاق. وبلغت السلطنة أقصى اتساعها في 1243م، فشملت معظم أنحاء الأناضول وقيليقية في الجنوب الشرقي وأرمينية في أعالي الفرات وأجزاء من شمالي الشام والجزيرة الفراتية.
صمد أوائل سلاطين سلاجقة الروم أمام حملاتالإفرنج والبيزنطيين والتمردات التي أثارها الشيعة، إلى أن اهتزت السلطنة تحت ضربات المغول (1206 – 1368م) الذين بدأوا الزحف نحو المشرق الإسلامي، فوصلوا إلى أبواب الأناضول في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الميلادي، ثم سيطروا على البلاد وقضوا على استقلال السلطنة، فأصبحت إحدى الدول التابعة لإمبراطورية المغول ثم للدولة الإلخانية أو مغول فارس (1256 – 1335).
ولما توفي آخر سلاطين السلاجقة الروم، غياث الدين مسعود بنكيكاوس، سنة 1304م، غرقت بلاد الروم بعده في بحر من الفوضى، ووقع الخلل في السلطنة وانقسمت البلاد إلى عشر إمارات تركمانية مع بقاء السيادة المغولية واضحة، وبرزت من بين تلك الإمارات إمارة حدودية صغيرة تنتسب إلى عشيرة تركمانية نزحت من أواسط آسيا، كانت تعمل كمرتزقة حرب في خدمة سلطنة سلاجقة الروم، وترد الغارات البيزنطية عن السلطنة. وكونت هذه العشيرة إمارة مستقلة كان أول أمرائها عثمان بن أرطغرل،الذي صار يغزو بلاد الإفرنج في كل سنة ويغنم أموالهم، وضم عدة حصون تلي خليج القسطنطينية.وأخلص الولاء للدولة السلجوقية على الرغم مما كانت تتخبط فيه من اضطراب، وما كان يتهددها من أخطار. وقد أبدى السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الثالث تقديره العميق لخدمات عثمان، فمنحه لقب (عثمان غازي حارس الحدود العالي الجاه، عثمان باشا).
أقدم عثمان بعد أن ثبت أقدامه في إمارته على توسيع حدودها على حساب البيزنطيين، ففي عام 1291م فتح مدينة (قراجة حصار) الواقعة إلى الجنوب من سكود، وجعلها قاعدة له، وأمر بإقامة الخطبة باسمه، وهو أول مظهر من مظاهر السيادة والسلطة، ومنها قاد عشيرته إلى بحر مرمرة والبحر الأسود.وحين تغلب المغول على دولة قونية السلجوقية، سارع عثمان إلى إعلان استقلاله عن السلاجقة، ولقب نفسه (بادشاه آل عثمان)، أيعاهل آل عثمان، فكان بذلك المؤسس الحقيقي لهذه الدولة التركمانية الكبرى، التي نُسبت إليه لاحقًا. فتقاطر عليه مرتزقة الحرب من مختلف الإمارات التركمانية بآسيا الصغرى مما ساعده على الاستيلاء على مدن بيزنطية مهمة، من بينها مدينة بورصة (1326 م) التي كانت مركزًا مهما في طريق تجارة الحرير.
اتسعتالغزوات والغارات في عهد أورخان بن عثمان الذي اتخذ (بورصة) عاصمة له. ثم عبر العثمانيون إلى أوروبا الشرقية لأول مرة بعد سنة 1354م، وخلال السنوات اللاحقة تمكن العثمانيون من الاستيلاء على أغلب البلاد البلقانية، فتحولت إمارتهم الصغيرة إلى دولة كبيرة.
ثم تمكن السلطان مراد الأول بن أورخان بن عثمان (1360 – 1389م)من احتلال مدينة أنقرة مقر إمارة القرمان، واسر ابنة أميرها علاء الدين خليل ميرزا (1333 – 1348) وتزوجها. وتحالف مراد مع بعض أمراء الأناضول مقابل بعض التنازلات لصالح العثمانيين، وأجبر آخرين على التنازل له عن ممتلكاتهم، وبذلك ضم جزءًا من الممتلكات التركمانية إلى الدولة العثمانية، ثم وجه اهتمامه نحو شبه جزيرة البلقان، التي كانت في ذلك الحين مسرحًا لتناحر دائم بين مجموعة من الأمراء الثانويين، فغزا مدينة أدرنة سنة 1362م، ونقل مركز العاصمة إليها لتكون نقطة التحرك والغزوات على أوروبا. كما استولى على عدة مدن أخرى؛ مثل صوفيا وسالونيك، وبذلك صارت القسطنطينية محاطة بالعثمانيين من كل جهة في أوروبا. وفي 12 يونيو سنة 1385م، التقت الجيوش العثمانية بالقوى الصربية -تساندها قوى من المجر والبلغار والألبانيين- في إقليم (قوصوة)، المعروف حاليًا باسم (كوسوڤو)، فدارت بين الطرفين معركة عنيفة انتصر فيها العثمانيون، إلا أن السلطان العثماني قُتل في نهايتها على يد جندي تظاهر بالموت.
تولى عرش آل عثمان بعد مراد الأول ابنه بايزيد، وعند ذلك كانت الدولة قد اتسعت حدودها اتساعًا كبيرًا، فانتزع من البيزنطينيين مدينة آلاشهر، وكانت آخر ممتلكاتهم في آسيا الصغرى، وأخضع البلغار عام 1393م إخضاعًا تامًا. حاصر بايزيد القسطنطينية مرتين متواليتين، ولكن حصونها المنيعة صمدت في وجه هجماته العنيفة، فارتد عنها. ولم ينس بايزيد، وهو يوجه ضرباته الجديدة نحو الغرب، أن المغول يستعدون للانقضاض عليه من جهة الشرق، وخاصةً بعد أن ظهر فيهم رجل عسكري جبار هو تيمورلنك الشهير، المتحدر من سلالة جنكيز خان. لذلك عمل بايزيد على تعزيز مركزه في آسيا الصغرى استعدادًا للموقعة الفاصلة بينه وبين تيمورلنك، وهكذا خف الضغط العثماني على البيزنطيين، وتأخر سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين حوالي خمسين سنة. وفي ربيع سنة 1402م، تقدم تيمورلنك نحو سهل أنقرة لقتال بايزيد، فالتقى الجمعان عند (جُبق آباد)، ودارت معركة طاحنة انهزم فيها العثمانيون، وأُسر السلطان بايزيد، وحمله المغول معهم عائدين إلى سمرقند عاصمة الدولة التيمورية، حيث عاش بقية أيامه، ومات في سنة 1403م.
بعد موت السلطان بايزيد تجزأت الدولة العثمانية إلى عدة إمارارت صغيرة، كما حصل بعد سقوط الدولة السلجوقية، لأن تيمورلنك أعاد إلى أمراء قسطموني وصاروخان وكرميانوآيدين ومنتشا وقرمان ما فقدوه من البلاد، واستقل في هذه الفترة كل من البلغار والصرب والفلاخ، ولم يبق تابعًا للراية العثمانية إلا قليل من البلدان. ومما زاد الخطر على الدولة عدم اتفاق أولاد بايزيد على تنصيب أحدهم، إذ كان كل منهم يدعي الأحقية لنفسه، فنشبت بينهم حروب ضارية، ولكن النصر كان آخر الأمر من نصيب محمد بن بايزيد، المُلقب بمحمد الأول (1413 – 1421م)، الذي استطاع أن يعيد للدولة بعض ما فقدته من أملاكها في الأناضول، وذلكبعد توقف قصير بسبب انهزام العثمانيونأمام البيزنطيين في معركة أنقرة (1402 م) أمام جيوش تيمورلنك.
بعد محمد الأول تولى عرش السلطنة العثمانية مراد الثاني (1421 – 1451م)، فاستمر بإخضاع المدن والإمارات التي استقلت عن الدولة العثمانية، وحاصر القسطنطينية، ولكنه لم يُوفق إلى احتلالها. ثم حاول أن يعيد إخضاع البلقان لسيطرته، فغزا عدة مدائن وقلاع، وحاول أن يضم إليها مدينة بلغراد لكنه فشل في اقتحامها، فكان هذا الهجوم إنذارًا جديدًا لأوروبا بالخطر العثماني، فقامت قوات مجرية،وعلى رأسها يوحنا هونياد، بالالتحام مع العثمانيين وهزمتهم هزيمة قاسية، كان من نتائجها توحد أغلب ممالك أوروبا، وإعلان الحرب ضد العثمانيين.
لما توفي السلطان مراد الثانيارتقى عرش العثمانيين ابنه محمد الثاني (1451 – 1481م)، فكان عليه بادئ الأمر أن يُخضع ثورة نشبت ضده في إمارة قرمان بآسيا الصغرى،وراح يتجهز لحصار القسطنطينية والاستيلاء على هذه المدينة في أقرب فرصة ممكنة. وحشد لقتال البيزنطيين جيشًا ضخمًا مزودًا بالمدافع الكبيرة وأسطولًا كبيرًا، وبذلك حاصرهم من ناحيتي البر والبحر معًا. والواقع أن البيزنطيين استماتوا في الدفاع عن عاصمتهم، لكن ما إن مضىشهر على الحصار كان العثمانيون قد دخلوا المدينة في السادس من إبريل 1453.
اتخذ السلطان محمد لقب (الفاتح) بعد غزو مدينة القسطنطينية، وأضاف إليه لقب (قيصر الروم)، على الرغم من عدم اعتراف بطريركية القسطنطينية ولا أوروبا الغربية بهذا الأمر، ونقل مركز العاصمة من أدرنة إلى القسطنطينية التي غير اسمها إلى(إسلامبول)، أي مدينة الإسلام أو تخت الإسلام. وسقطت الإمبراطورية البيزنطية عند فتح المدينة بعد أن استمرت أحد عشر قرنًا، وتابع السلطان محمد غزواته على أوروبا خلال السنوات اللاحقة التي أعقبت فتح القسطنطينية، فأخضع بلاد الصرب، وقضى على استقلالها، وغزا بلاد المورة في جنوب اليونان، وإقليم الأفلاق وبلاد البشناق وألبانيا، وهزم البندقية، ووحد الأناضول عبر قضائه على إمبراطورية طرابزون الرومية وإمارة قرمان. وقد حاول السلطان محمد أيضًا فتح إيطاليا، لكن وافته المنية سنة 1481م، فانصرف العثمانيون عن هذه الجهة.
تنازع ابنا محمد الفاتح(جم) و(بايزيد) على العرش، ولكن الغلبة كانت من نصيب بايزيد، ففر جم إلى مصر حيث احتمى بسلطان المماليك (قايتباي)، ثم إلى رودس، حيث حاول أن يتعاون مع فرسان القديس يوحنا والدول الغربية على أخيه، لكن بايزيد استطاع إقناع دولة الفرسان بإبقاء الأمير جم على الجزيرة مقابل مبلغ من المال، وتعهد بأن لا يمس جزيرتهم طيلة فترة حكمه، فوافقوا على ذلك، لكنهم عادوا وسلموا الأمير إلى البابا (إنوسنت الثامن) كحل وسط، وعند وفاة الأخير قام خليفته بدس السم للأمير بعد أن أجبره الفرنسيون على تسليمهم إياه، فتوفي في مدينة نابولي، ونقل جثمانه فيما بعد إلى بورصة ودُفن فيها.
قاتل السلطان بايزيد البندقية بسبب الهجمات التي قام بها أسطولها على بلاد المورة، وفي عهده سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس،وظهرت سلالة وطنية شيعية في بلاد فارس، هي السلالة الصفوية، التي استطاعت بزعامة الشاه إسماعيل بن حيدر، أن تهدد بالخطر إمبراطورية العثمانيين في الشري.وفي أواخر عهد بايزيد دب النزاع بين أولاده بسبب ولاية العهد، ذلك أن بايزيد اختار ابنه أحمد لخلافته، فغضب ابنه الآخر سليم، وأعلن الثورة على والده، وكان الصفويونيعملون على التمدد في الأناضول على حساب العثمانيين، فقطعوا طريق التجارة مع الهند والشرق الأقصى، ومنعوا نزوح المزيد من قبائل التركمان من آسيا الوسطى إلى الأناضول وأوروبا الشرقية، وكان الشاه إسماعيل يدعم الأمير أحمد للوصول إلى سدة الحكم ولم يحرك الأخير ساكنًا لمنع التدخل الصفوي في الشؤون العثمانية.ونتيجة لكل ما سلف ثار سليم على والده وشقيقه، ثم استولى على أدرنة، فما كان من بايزيد إلا أن انبرى لقتال ابنه سليم، فهزمه وقرر نفيه، لكن الجنود الإنكشارية قاموا بالضغط على السلطان، وأرغموه على التنازل عن العرش لصالح ابنه سليم،ومات بايزيد على إثر ذلك يوم 26 مايو سنة 1512م.
كان على سليم، بعد اعتلائه العرش، تثبيت أقدامه في الحكم، والتفاهم مع الدول الأوروبية الفاعلة ليتفرغ لأخطر أزمة واجهتها الدولة منذ أعقاب معركة أنقرة، ألا وهي القضية الصفوية، فأقدم على قتل إخوته وأولادهم جميعًا حتى لا يبقى له منازع في الحكم، ثم أبرم هدنة طويلة مع الدول الأوروبية المجاورة، وحوّل انتباهه إلى الجبهة الشرقية لمواجهة الصفويين في إيران، والمماليك في مصر. وكان السلطان سليم يهدف إلى السيطرة على طرق التجارة بين الشرق والغرب، والتوسع على حساب القوى في المشرق، والقضاء على المد الصفوي، وخاصة بعد سقوط الأندلس 1492م وقيام البرتغاليين بالتحالف مع الصفويين، وإنشائهم مستعمرات في بعض المواقع في الجنوب. وكان الشيعة المقيمون في آسيا الصغرى قد ثاروا على الدولة العثمانية اعتمادًا على تأييد الصفويين، فأخضع سليم هذه الثورة، وعمد إلى اضطهاد الشيعة، فذهب ضحية هذه السياسة أربعون ألفًا منهم، ثم انبرى لقتال الشاه، فالتقى الفريقان في سهل جالديران في الثالث والعشرين من أغسطس 1514م، والتحما في معركة كبيرة كان النصر فيها لصالح السلطان سليم، وفر الشاه ناجيًا بحياته، أما سليم فتقدم إلى تبريز عاصمة خصمه الصفويين، فاستولى عليها ورجع عائدًا إلى بلاده.
ورغم أن دولة المماليك واجهت مخاطر وتحديات خارجية عديدة، سواء من الشرق عن طريق الفرس، أو من الأناضول عن طريق البيزنطيين، وبعدهم الترك السلاجقة، وكذا حملات الإفرنج،وغارات المغول المغول وغيرهم، لكنها استطاعت تجاوزها وحماية استقلالها وأمنها. حيث كانوا عباقرة في الحروب، وهم أول من هزموا المغول فى العالم وذلك في معركة عين جالوت في الثالث من سبتمر 1260م.وهم من هزموا الإفرنج وقضوا على أخر معاقلهم على يد الأشرف خليل بن قلاوون في أغسطس 1291م.
ولكن مع بداية القرن السادس عشر حدثت تطورات كبرى في الشرق الأوسط، خلقت تحديات ثلاثة مصيرية للأمة المصرية، تمثل التحدي الأول في تولي الشاه إسماعيل الصفوي عرش إيران وتحويل مذهب إيران الديني للمذهب الشيعي،حيث بدأت إيران تظهر كقوة ناشئة جديدة في الشرق الأوسط. وكان التحدي الثاني التي تواجهه مصر من البرتغاليين، ومثل سيطرة البرتغاليين على البحر الأحمر ضربة جديدة وخسارة اقتصادية كبيرة لمصر وأفقدت مصر أحد عناصر قوتها وثرائها، حيث إنه البحر الذي يتحكم في طريق التجارة الهندية آنذاك. وتمثل التحدي الثالثفي ظهور الدولة العثمانيةالتي تأسست في شمال غرب الأناضول في بداية القرن الربع عشر ونمت وتوسعت في البلقان والأناضول والإمارات اللاتينية والتركية، ومع بداية القرن السادس عشر أصبحت القوة المسيطرة في الأناضول كما أوضحنا سابقًا، وسعت إلى التوسع على حساب دولة الفرس والدولة المملوكية في الشام ومصر. وبذلك واجهت مصر تلك التحديات الخارجية الثلاثة، الصفويين الشيعة فيإيران، وتحركات البرتغاليين في البحر الاحمر،والدولة العثمانية في الأناضول. وشكلت تلك التحديات خريطة المخاطر التي واجهت مصر في بدايات القرن السادس عشر، أي عشية الغزو العثماني التركماني لمصر.
تقدم العثمانيون، بعد انتصارهم على الصفويين، لإخضاع السلطنة المملوكية، التي كانت تمر بفترة اضمحلال تاريخي لأسباب متعددة كما أوضحنا.ونشبت بينهم وبين المماليك معركة على الحدود الشامية التركية، تُعرف بمعركة (مرج دابق)، انتصر فيها العثمانيون، وقُتل سلطان المماليك (قنصوه الغوري)، ثم تابعوا زحفهم نحو مصر، والتحموا بالمماليك من جديد في (معركة الريدانية) التي قررت مصير مصر كلها، وانتصروا عليهم مجددًا، ودخلوا القاهرة. وفي أثناء ذلك قدّم شريف مكة مفاتيح الحرمين الشريفين إلى السلطان سليم اعترافًا بخضوع الأراضي المقدسة الإسلامية للعثمانيين، وتنازل في الوقت ذاته آخر الخلفاء العباسيين، محمد الثالث المتوكل على الله، عن الخلافة لسلطان آل عثمان، فأصبح كل سلطان منذ ذلك التاريخ خليفة للمسلمين، ويحمل لقب (أمير المؤمنين) و(خليفة رسول رب العالمين). وعند نهاية حملته الشرقية، كان السلطان سليم قد جعل من الدولة العثمانية قوة إقليمية كبرى، ومنافسًا كبيرًا للإمبراطورية البرتغالية على زعامة المنافذ المائية العربية… ونستكمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.