في يوم عمل مزدحم بالمحاضرات والإجتماعات طرق بابي طالبة للدراسات العليا، دخلت وبعد مقدمة طويلة – أثقلت بها – قالت أنا أريد أن تسمح لي بعمل استقصاء طلابي في ظاهرة فاسدة ، أفسدت أجيالا من المعمارين . تلك هي ظاهرة لجوء كثير من الطلاب إلى عمل مشاريع تخرجهم بالوكالة عند مكاتب ومحلات فتحت خصيصا لهذا الغرض، فسألتها وما علاقة هذا برسالة الماجستير . قالت هو موضوع الرسالة، فسألتها في أي كلية تعدين هذا البحث ، قالت في كلية الهندسة ، فسألتها ووافق المشرف على الموضوع ، قالت نعم. ثم أردفت قائلة أليست رسالة الماجستير هي عبارة عن Problem solving (حل لمشكلة). هنا ثار البركان وانتفض المارد وأصبحت لا أرى أمامي إلا صوتا يتهدر ويدا ترتعش وقلبا لا يملك إلا البكاء على أدمغة أبناء بلد ثروته الباقية والأصيلة تراثا معماريا ، شيدة الأقدمون بعبقرية فذة ، تعتمد على العلم أكثر من إعتمادها على الجماليات. وأفقت من غيبوبتي واستعدت رشدي وقلت لها يابنيتي .. إن رسائل الماجستير التي تنعقد في كلية الآداب قسم اللغة العربية تبحث في مشكلة من مشاكل اللغة والتي تنعقد في كلية العلوم كذلك مشكلتها إما في الكمياء أو الفيزياء أو ما شابه ذلك من الشعب المختلفة لكلية العلوم . وأنت عليك أن تتخيري موضوعا هندسيا لا موضوعا أخلاقيا، نستطيع أن نغطيه بندوة من الندوات. وأترك الطالبة وشأنها لأقول إن مشكلة المعمارين في مصر مشكلة محيرة .. ففي حين أننا نرى في الغرب أن سلم التطور في العمارة يعتمد على تطوير المواد المستخدمة وتطوير أساليب الإنشاء ويعمد إلى خلق فراغ يستهلك أقل أنواع الطاقة – قدر الإمكان- بل إننا رأينا مباني مصدرة للطاقة ، نرى في مصر معماريون هباشون يقتبسون أفكارهم من المجلات المعمارية والإنترنت ويعمدون إلى الجماليات فقط, لأنه الشيء الذي يحسنونه. كنت ألقي محاضرة – بحث- لي في الAcoustics (الصوتيات) ، والمحاضرة تخللها بعض العمليات الحسابية ، وبعد المحاضرة قام لي أستاذ من أساتذة العمارة وقال : لماذا تقيس كل الحالات التي بحثتها بال دي بي ، فقلت له حضرتك تقصد بالديسبل (وحدة قياس الصوت) قال لا بال دي بي!. هو لا يعلم أن وحدة قياس الصوت هي الديسبل ، وأنا لم أتخذ أي موقف يظهر ضحالته العلمية. وقبلها ومنذ فترة كانت لي محاضرة في نقابة المهندسين عن الأسباب التي أدت إلى هجران مباني المعماري الرائع حسن فتحي. وقلت إن السبب الرئيسي في فشل مباني الجونة أن من جربوها وجدوا أن المباني تعزل الحرارة أثناء النهار فقط فإذا ما جاء الليل دخلت الحرارة المخزنة داخل الجدار الطيني إلى الفراغ الداخلي وأصبحت درجة حرارة الفراغ أثناء الليل أربعين درجة، الأمر الذي دفع الكثير ممن سكنوا تلك المباني إلى النوم فوق أسطح المنازل ليلا. (راجع كتاب فقراء العمارة الذي قدم أكثر من حل لتلك المشكلة). ثم قلت إن المباني الطينية مباني صحراوية محدودة ، هل يستطيع أحدا منكم أن يتخيل مبنى طيني مكان فندق رمسيس هيلتون؟ الإجابة لا . لأن سعر المتر في تلك المنطقة يقتضي مبنى متعدد الطوابق ، يميزه نظام إنشائي عبقري ، ودراسات للتربة بسبب قرب الموقع من النيل ، إلى آخر ذلك …. فقام لي أحد الحضور وقال لي من أنت حتى تتحدث عن حسن فتحي. ووالذي ناصيتي بيده أنا أحب حسن فتحي أكثر ممن هاجمني ، لكن حبي لمهنتي وسمعة بلدي أكبر. ولم يقتصر الأمر على المعماريين وحدهم . فكثرة برامج ال Software أدت إلى وجود جيل يحسن استخدامها لكنه لا يعلم شيء عن القوانين المتحكمة في العملية الحسابية . فمثلا هناك العديد من مستخدمي برنامج ال SAP إذا قال البرنامج إن قطر العمود كذا وتسليحه ثمانية أسياخ فاي كذا ، هو لايعلم أنه بتغير تصميم نقاط تثبيت العمود يستطيع أن يحصل على قطر أقل وتسليح أقل. أو بمعنى آخر هو لا يدري أن معامل الإنبعاج يتأثر تأثرا مباشرا بطريقة تثبيت العمود ، سواء كانت مفصلية أو غير ذلك. وهناك العديد من مستخدمي برنامج TRANSYS والخاص بقسم الهندسة الميكانيكية لايعلم الفرق بين الconductivity (معامل التوصيل) وال U-Value (محصل معامل التوصيل) أو لا يعلم أنه باستخدام الخرائط السيكرومترية يستطيع الحصول على حلول لتكيف الفراغ الداخلي أفضل. فضلا عن برنامج المحاكاة Fluent الذي له أكثر من تطبيق لكن الأكثر شيوعا ما تعلق بالهواء وديناميكيته ونسب تلوثه. الخلاصة أننا أصبح لدينا حزمة من المهندسين يسيرهم الحاسوب ويتحكم فيهم كأنهم بلا عقول تفكر ، يثيرها ويفتح شهيتها البحث عن البدائل وتقيم الحلول. في حين أن الهندسة بجميع شعبها كهف الإبداع – فهو دينها وديدنها – وهل التصميم إلا الخلق والإيجاد. كيف لبلد أن ينهض وهؤلاء مهندسوه ! كيف لبلد أن يتطور وهو يعتمد على النقل والإقتباس ويهمل العقل والتفنيد ! كيف لبلد أن يعلو شأنه وكلياته تشترط نسب نجاح سبعين في المائة ، حتى تفسح أماكن للقادمين الجدد دون النظر في نوعية الخريخ. لقد كانت مصر لسنوات عديدة حاملة للواء التنوير لا تملك من الثروات أعز من الثروة البشرية، أطباء متميزون ..مهندسون عباقرةع ..عمال مهرة .. مدرسون أصحاب قيم، ولن تعود لسابق عهدها إلا بالإنضباط والحزم والصرامة والبعد كل البعد عن التسيب والتساهل وتقزيم القيمة.

 

*د/هشام جريشة وكيل كلية الهندسة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.