الأربعاء - الموافق 25 مارس 2026م

المليارات المهدرة علي عمليات حفر وردم الشوارع والأرصفة في مصر بقلم :- الدكتور عادل عامر

إن الشكل العمراني يعتبر صفة معبرة عن البعد الثقافي للمجتمع، يمثل فى حد ذاته قيمة حضارية له وللأجيال المتعاقبة. وتصل تلك القيمة الحضارية للعمران إلى أرقى مستوياتها عندما ترتبط بدلالات ومضامين تراثية.

لذلك فإن التهاون أو الإهمال فيما يتعلق بالموروثات الحضارية التي تثرى العمران ما هو إلا غياب للوعى القومي بالقيم الحضارية وإهدار لثروة قومية وتراجع للبعد الثقافي لدى المجتمع. وقد حدث فى مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين ، تحت وطأة التنمية العمرانية المتسارعة وغير العابئة بالقيم الحضارية والتراثية، وبسبب الرغبة المتنامية فى الاستغلال العقاري الأكثر ربحاً، أن بدأت كثير من المباني المتميزة بالاختفاء لتحل مكانها مبان أخرى لا ترقى إلى نفس القيمة المعمارية والعمرانية.

وكذلك بني مكان العديد من الحدائق القديمة والتراثية مبانٍ حكومية وخدمية مختلفة، كما تم بناء الأبراج الحديثة المرتفعة التي لا تتناسب مع النسيج العمراني القديم للمدينة، مما أدى إلى التشوه والتلوث البصري الذي أصبح يمثل ظاهرة في كثير من المدن المصرية.

إن عدم التنسيق الكامل بين الجهات الحكومية المنفذة للخدمات أدى إلى تشويه الشوارع وكثرة أعمال الحفر وأهدر مئات الملايين التي صرفت على مشروعات الصيانة وإعادة السفلتة وقل أن تجد شارعًا نموذجيًا خاليًا من الحفر والتشققات وتآكل الطبقة الإسفلتية بسبب إهمال بعض الشركات المنفذة للمشروعات الخدمية وعدم وجود رقابة دقيقة عليها تلزمها بإعادة الطبقة الإسفلتية حسب المعايير المعتمدة،

و أنه ما أن تنتهي أعمال السفلتة حتى تبدأ أعمال الحفر من جديد!!. أن الدولة تنفق سنويًا خمسة وعشرون مليارا سنويا  على المشروعات المحلية لراحة المواطن ويتم في كل عام تنفيذ وصيانة عشرات الطرق ولكن عدم وجود تكامل وتنسيق مثمر بين وزارات (المياه والكهرباء، الاتصالات وتقنية المعلومات، والإدارة المحلية والمحافظات)

أدى إلى عدم تنفيذ مشروعات السفلتة بشكل جيد وتعرضها للحفر والتشققات بسبب التحجج بإيصال الخدمات للمواطن، أن ما نشاهده ما هو إلا إرث ساهم فيه عدة أطراف فكل له مسؤوليته في عدم الوفاء بالمسؤوليات المهنية انتهت بحصولنا على مخرجات لطرق عمرها الافتراضي لا يتجاوز سنواتها عدد أصابع اليد الواحدة إن لم يكن أقل بدلاً عن عشرات السنين. إن تطوير أداء المحليات هو التحدي الأكبر فتطوير منظومات العمل والبشر هو أصعب شيء في التطوير ويحتاج إلى جهد كبير، فالقاسم المشترك بين المواطنين هو الشكوى من الخدمة التي تقدمها المحليات والتعامل مع موظفيها وتأتى هذه المشاكل

لأن بيئة العمل فيها عشوائية وغير محددة وتحتاج إلى تشريعات جديدة تقضى على الفساد وما أعد به أننا سنعمل بكل جهد لوضع برنامج طموح للتنمية البشرية يطبق على محافظات الجمهورية بالكامل للحد من الأخطاء والفساد في المحليات.

أن لدينا في مصر مشكلة كبيرة وهى أننا ننفق أموالا طائلة على المشاريع ثم بعد فترة نجد هذه المشاريع تنهار لافتقادها الصيانة مما يجعلنا نعيد بناء المشروع من جديد ونتكلف أضعاف ما سبق إنفاقه من قبل. إن المناطق العشوائية على مستوى الجمهورية حيث يبلغ عددها 112 منطقة منها 63 منطقة غير آمنة أو مناطق ذات خطورة داهمة وهناك تفهم كبير من القيادة السياسية لخطورة المشكلة والتزام للدولة بمواجهة هذه القضية بغض النظر عمن هو في السلطة والحكومة الموجودة

وقد بدأت المحافظة خلال الفترة الماضية بإنشاء مشروعين كبيرين لنقل قاطني المساكن داهمة الخطورة مثل منطقة منشأة ناصر ومنطقة الأباجية، وعزبة خير الله ببناء 11 ألف وحدة سكنية لنقل سكان تلك المناطق لمنطقتي الأسمرات بالمقطم وكذلك نقلهم إلى وحدات بمدينة السلام تتضمن 5000 وحدة سكنية بالتعاون مع مؤسسة معا،

وهناك أماكن أخرى في القاهرة تحتاج إلى إحلال وتجديد في أماكنها مثل منطقة تل العقارب وأبو السعود وإسطبل عنتر وحكر السكاكينى والحطابة، أن الطرق في مصر تعاني من الإهمال والعشوائية لا مثيل لهما،

 فالمطبات الصناعية المتواجدة بمصر، معظمها لا علاقة لها بالمقاييس العلمية، مما يتسبب في إلحاق ضرر بالسيارات التي تعبر عليها، كما أنه يضر بالإسفلت نفسه، متعجباً من تحول المطبات لدينا من مانع للحوادث، إلى سبب في وقوعها!، مشيراً إلى أن نسب حوادث الطرق لدينا في ازدياد، وأغلبها أسبابه هي سوء حالة الطرق والكباري. و أن هذه المشكلة هي مسئولية الدولة بالطبع، لتركها الوضع بهذا السوء ولغياب الرقابة،

 فكل مواطن يرغب في بناء مطب يقوم بعمله بعشوائية، وكل من يحفر حفرة في الشارع يترك المنظر مشوهاً بعدها! أن الحفر العشوائي يتسبب في خسائر سنوية لا تقل عن200 مليون جنيه في البنية الأساسية, التي تتجاوز قيمتها100 مليار جنيه. ويجب  علي رؤساء الأحياء والمدن والمراكز بمتابعة التصاريح التي تمنح لهذه الشركات, سواء كانت عامة أو خاصة أو أفرادا, وأيضا لسرعة إعادة الشيء إلي أصله. مع تنفيذ القانون  بعدم ترك مواقع الحفر أكثر من48 ساعة دون إعادة الشيء إلي أصله,

تلك هي الحال فى كثير من المرافق والقطاعات والإدارات، وإذا أردنا إصلاحاً كبيراً علينا البدء من أعلى المناصب. أما إذا اقتصر الأمر على قشور الفساد فإننا من اليوم نستطيع أن نقول إن فرصة محاربة الفساد تتقلص وتقف عند باب المغارة من دون أن تخترق الجدران وتدخل إلى عمق المغارة.

إذا ما قام رجال الرقابة الإدارية وغيرها من الأجهزة المختصة بهذه الخطوة الجبارة فإنها تكون قد وضعت نفسها والبلد على السكة الحقيقية للتقدم والازدهار.

أما إذا كان الأمر مجرد القبض على صغار الفاسدين لمجرد امتصاص الاستياء والغضب فإن الفساد سيستمر وإهدار المال العام سيتضاعف، ومن لا يصدق يراجع كل المحاولات السابقة التي لم تستطع وأد الفساد، لأنها أمسكت بالصغار وتركت الكبار.

هذا الكلام ليس من باب المشاعر والخواطر بل إنه كلام الناس البسطاء الذين استشعروا أن خطوات محاربة الفساد قد بدأت على الطريق الصحيح ولا بد من استكمالها حتى تتحقق العدالة الاجتماعية بمعناها الواسع ولا يكون فى هذه الدولة مكان لسرقة أو إهدار المال العام أو تسليم مشروعات غير مطابقة للمواصفات، أو وجود سفلتة فى الشوارع وأرصفة غير صالحة للاستعمال وتتلف بمجرد تسليمها وتعاد الكرة من جديد بتكليف مقاول آخر لإعادة رصفها.

 وعلى سبيل المثال مدينة الشيخ زايد، تم تسليم سفلتة الشوارع وإقامة الأرصفة على أكمل وجه ولم يمر عليها سوى وقت قصير حتى تم إزالتها رغم أنها كانت بحالة جيدة جدا وأشاد بها سكان المدينة، لكن رغبة فى إهدار المال العام تم تكليف شركة مقاولات بإزالة الطرق وإعادة رصفها من جديد بدعوى أن هناك ميزانية لهذه الطرق فاستفاد من هذه الميزانية إحدى شركات المقاولات حتى لا يتم إرجاع الأموال إلى خزينة الدولة.

هكذا يتصرف الكثير من أجهزة المدن والأحياء دون رقابة على الميزانيات المخصصة للخدمات العامة والتي كان يمكن صرفها فى أوجه أكثر إلحاحا وأهمية بالنسبة للناس.

فى هذا الإطار نطرح سؤالا مهماً هو: لماذا لا توجد مرونة للتصرف فى الأموال المخصصة للأحياء والمدن، بحيث يكون للمسئول حرية التصرف فى هذه الأموال طبقا للاحتياجات الحقيقية والمشروعات الملحة بالنسبة للناس، على أن يحاسب بعد ذلك أو يشرك الأجهزة الرقابية.

وفى نفس الوقت هناك كثير من التصرفات التي تهدر المال العام بالنسبة للأحياء، فعلى سبيل المثال فى حى الزيتون تم حفر الشوارع عدة مرات بدعوة معالجة طفح مياه الصرف الصحي، إلا أنه فى كل مرة يتم الحفر ثم الردم ثم الرصف من جديد وتمر عدة أسابيع ويتم الحفر مرة أخرى، وهكذا وإلى الآن لم يتم معالجة طفح مياه الصرف الصحي.

خلاصة القول أنه بالرغم من الاستياء الذى يعترينا من إهدار المال العام وانتشار الفساد الذى يتشابه بشكل كبير من الإرهاب، فإنه بالخطوات الجريئة والجادة التي يقوم بها رجال الرقابة الإدارية وآخرها القبض على بعض الفاسدين سواء فى الأحياء أو فى الجمارك فهذا يبعث الأمل بأن وطننا سيكون نظيفا بشكل كبير من الفساد والإرهاب.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك