بادىء ذى بدء ” حتى لا يُزمجر القارىء استهجانا من عنوان مقالتى ، فإنى ما أطلقت العنان لكلام على عواهنه قط ، وما خطت أناملى سياقاً إلا وقد سبرت أغواره وفسرت مراده وصوغت بيانه ، وما تطرقت لأمر من نوائب الدهر ، وطوارقه الهائلة ، وقوارعه المدلهمة ، إلا واستنبطت من جملة نتائجه ، جمة مغانم معنوية تشفى صدور المقهورين ، وتتشفى من كيد المجرمين ، وما رأيت أنكى على أمتنا عامة ، ومصريتنا خاصة ، من فتنة ضارية مارقة ، كالتى حلقت بجناحيها الخبيثتين السامتين ، فى أقطار وديار المسلمين ، لتجتث الحرث والنسل بكل تمكين ، ولا حبذا أن أبوء بتلكم الفتنة الصلعاء الدهماء ، واصفاً إياها بالإباحية الخٌرمية ، التى استوحاها واستنبطها أناس من بنى جلدتنا ، من حيث قُطع دابرها فى الزمن العباسى السحيق ، وبضرب المثال يتضح المقال ، إن الإباحية الخٌرمية التى تربصت بالخلافة العباسية الدوائر ، عبر زعيمها المجوسى بابك الخرمى ، قبل أن يستأصل مآربها المعتصم بالله ، موديا بها فى السافلين ، هى نفسها التى تبسط سلطانها المريب على أرض مصر ، بمزاعم شتى واهية ، لقد نمت الإباحية فى مصر وربت على إطلاقها الجمعى واللفظى ، مشتملة على إباحية الجسد واللسان ، إباحية السطو والعدوان ، إباحية الهتك والإدمان ، وكانت الفضائيات قبلة النظار وأم الخبائث ليشار لها بالبنان ، وقد عيل صبرى وضاق صدرى وزادت غلواء حزنى ، كلما رأيت أرتالاً من سفهاء البشر عاهرين وعاهرات ، يتلمظون على الفضيلة تلمظ الأفاعى بالإثم والبهتان ، ثمناً لحيازة الثروة وتحقيقاً للذيوع واللمعان ، فسفهوا أحلام الأجيال وحدثاء الأسنان ، وصدق بشار بن برد قائلا ( متى يبلغ البنيان يوماً تمامه – اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ) ، وفى خضم هذه التطورات الدامية ، التى تسبر أغوار وطننا العتيق ، على كل الأصعدة السياسية والإقتصادية والأمنية ، يتقزم الإعلام المصرى بكل روافده المرئية ، للتنظير لحملات مشبوهة داعية مدعومة ، لزلزلة القيم والفضيلة ، بسقم المنطق وفسق التبرير ، تحت لوعة الفن وحرية التعبير ، من دعاة الفجور وجفاة التبشير ، لكل عهر محظور ، ولست أدرى أين سلطان الدولة بسيفه القاطع وسلاحه الرادع ، فى اجتثاث الدعارة المحرمة شرعاً والمجرمة عرفاً وقانوناً ، من كل الفضائيات ما لها من قرار ، وأين حماة الشريعة وحراس حدودها من هذا العدوان السافر ، على قيم وأعراف مصريتنا الضاربة فى الأعماق ضرباً متيناً ، تا الله ما فلح قوم أشاعوا الفواحش عياناً على رؤوس الأشهاد ، باسم الفن والمدنية والتنوير ، تباً لأرباب الفضائيات ولكل عناصر الفن الداعر لساناً وأجساداً وسلوكاً ، فما فشى الزنا والتحرش والإدمان والعدوان فى مصر، إلا بخطيئة اتباع أهل الفن واللهو ، وما تنامت الجريمة فى مصر شر تناميها ، إلا بالدرب على خطوات الأبالسة ، فى الدراما الصفيقة ببضاعة حقيرة مزجاة ، لأهل العى والفهاهة ، الغى والجهالة ، البغى والسماجة ، يا أولى الأمر فى مصر ، ناشدتكم الله الضرب بيد من حديد ، على كل معتد على القيم أثيم ، هماز مشاء بنميم ، مغرراً بالبنات القاصرات والصبيان والولدان ، مجرداً من المروءة ، محضاً على البغى والسفور ، يا معشر العلماء يا ملح البلد ، من يصلح الملح اذا الملح فسد ، يا أرباب القوانين الوضعية ، إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، ما أبشع حاضر مصرنا ومستقبلها ، من الدعوات للفجور جهراً وخفية ، لا الفقر أخشى على مصر ، ولا الجهل أخشى ، ولكن أخشى أن تمتد آثام الإباحية إلى الغد القريب ، أمتنا تمرض ولا تموت ، وكذلك مصريتنا تمرض بالجهل والفقر ، ولن تموت إلا بدوام الإباحية ، فى الفضائيات ، ممثلات ومذيعات ومطربات ومصففات وعارضات ، وفى الطرق والمقدسات العامة والخاصة ، وفى مستنقعات البارات ، كلهن خليعات ،،،