ثمّة جبل كثيراً من المسلمين من أشتات الملل والنحل ، يشمرون عن سواعد الهزل ، للتجرأ على مقام الفتاوى الشرعية ، إما متهوكين وإما متهكمين ، ولا حبذا أن تصاحب هؤلاء وأولئك خلتان ذميمتان هما الجهل والكذب ( أحشفاً وسوء كيلة ) ؟؟
لقد سئم أرباب العلم الشرعى فى نواحى الأرض مشرقاً ومغرباً ، من كثرة النوكى والمتنطعين ، الذين يتخذون من الفُتيا كلأً مباحاً ، فيتخبطون تخبطاً عشواءً ،،،
ولا جرم أن الفتاوى الشرعية قد صارت رهينة محبسين ، بين جاهل جعسوس ، وكذاب أشر ، من كسير وعوير وثالث ما فيه خير ،،،
وليس قولى هذا خمشاً للوجه ، بل لخطورة أمر الفُتيا بغير علم ، فذاك أمر لا ينادى وليده ،،،
وصدق ربى حقا ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ، لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )
ولا غرو فى هذه المحنة ، لطالما جفت منابع حماة الشريعة الفيحاء ، وأفل نجم علماء الأمة وجبالها الرواسى الشماء ،،،
وصدق رسول الله صدقاً ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ، ينتزعه من صدور الرجال ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساً جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )
والشىء بالشىء يذكر —
لما حلت آفة الإنتحار بأراض الإسلام على حين غرة ، تعرض كل منتحر لمقالة هذا وذاك ، بين الترقيع والتكفير ، والتشفيع والتبرير ، فجئثت الشريعة فزعاً وانتفضت هرعاً لبلورة صوابها فحبذا التقرير ،،،
قد نتفق جميعاً على كون الإنتحار جرم عظيم ، لما فيه من إزهاق للنفس بغير وجه حق ، ولا مناص ولا مندوحة فى أن كل منتحراً سيساق إلى جهنم خالداً فيها ، لكن ثمة فرق بين خلود أمدى ، وخلود أبدى ، خلود أمدى للمسلم ، وخلود أبدى لغير المسلم ، وقد يتبدى لغير أهل التخصص ، من نصوص القرآن والسنة الصحيحة ، أن الإنتحار على إطلاقه كفراً صراحاً ، بيد أن فى تأويل مراد هذه النصوص لحناً خفياً ، لا يعيه إلا أولو الألباب والنهى ،،،
إن الذين يكفرون المنتحر المسلم ، يفتقرون إلى كثيراً من الضوابط الشرعية والعلمية، وفى الجهل بتأويل النصوص قولاً واحدا ً، فالقرآن الكريم به المحكم والمتشابه ، القطعى والظنى ، الناسخ والمنسوخ ، وبما أننا بصدد الحديث عن حكم المنتحر المسلم ، فقد أجمع علماء المسلمين العدول الثقات فى السبق واللحق ، على أن المنتحر المسلم ليس بكافر ، وأنه يغسل ويصلى عليه ويدفن فى مقابر المسلمين ، ويورث ماله ويترحم عليه ويدعى له ، بعكس الكافر فلا يغسل ولا يصلى عليه ، ولا ينبغى لأحد تكفير من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، لأن الحكم على المنتحر المسلم بالكفر ، يقتضى قرينة لتخريجه من الملة ، وهذا يتنافى مع وعد الله تعالى بعدم الخلود الأبدى فى النار ، لكل من آمن بالله ولو بمثقال حبة من خردل ، وبتفحيص وتمحيص مرامى هذه الأسانيد القرآنية والنبوية ، سيتبدى الجواب الشافى بعدم تكفير المسلم المنتحر ، وكذلك عدم خلوده الأبدى فى النار ، باعتباره عاص وليس بكافر !!!
كقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة 195 ،،،
وقوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ) ( ومن يفعل ذلك عدوانا وظلماً فسوف نصليه ناراً ، وكان ذلك على الله يسيرا النساء 29 – 30
وكذا عن ثابت بن الضحاك أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قتل نفسه بشىء فى الدنيا ، عذب به يوم القيامة ) رواه البخارى ومسلم
وعن جندب بن عبدالله قال قال صلى الله عليه وسلم ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع ، فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات _ قال الله تعالى بادرنى عبدى بنفسه حرمت عليه الجنة ) رواه البخارى ومسلم
كل مسلم منتحر ليس بكافر وليس بمشرك ، بل هو مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر ، تقبعه فى أول دركة فى النار المسماه بدركة الجهنميون وهم عصاة الموحدين ، أولئك الذين ينالون قسطاً من العقاب الآخروى ، على كبيرة اقترفوها فى الدنيا ، ثم يخرجهم الله فيدخلهم جنته برحمته ، على نحو قاتل النفس فى الدنيا ، اذ قال عنه الله ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذاباً عظيماً ) النساء 93
الخلود هنا جاء نسبياً بغير زيادة كلمة أبدا ، بما يعنى أن خلود كل مسلم مذنب فى النار سيكون أمدياً لا أبدياً ، مهما عظم ذنبه إلا أن يشرك بالله بواحاً ، أما الخلود الأبدى فى النار فلا يندرج تحته إلا من كفر وأشرك بالله ، فليس بعد الشرك ذنب !!!
وهنالك صور أخرى للتفرقة بين الأمدى والأبدى ، من القرآن الكريم أيضاً ، فلو كانت رؤية الله مستحيلة ، لما طلبها الكليم موسى من ربه ، فلفظة لن النافية جاءت بقيد أمدى ، لا باطلاق أبدى ، إذ قال عز وجل لكليمه موسى عندما طلب رؤيته ( لن ترانى ) ولم يقل لن ترانى أبداً ،،،
الفرق بين الأمدى والأبدى ، كالفرق بين المطلق والمقيد ، ولفظ الخلود فى لغة العرب هو المكث الطويل ومن بعده انقضاء ، أما لو كان خلوداً مطلقاً لأتبع بلفظة أبداً )
والحاصل لا يجر منكم شنآن أن تقولوا هذا كافر وذاك موحد ، ما لم تفهموا النصوص على وجهها المأمول ، فقد سبق من ربنا القول الذى لا يرد ، كل مسلم يحمل فى قلبه مثقال ذرة من توحيد وايمان بالله ، لن يخلد فى النار ، حتى وإن قتل وزنى وربى وعق والديه ، فإن اقترف أياً من هؤلاء ، فسيغمس غمسة فى أولى دركات النار وهى عصاة الموحدين ، حسبما يقدرها الله وحده —-
وتلكم دركات النار السبعة ( جهنم ، سقر ، لظى ، الحطمة ، السعير ، الجحيم ، سجين ) بدون ترتيب محقق
الله انصرنا على أنفسنا ، وثبت قلوبنا على الإيمان ، وأحسن خاتمتنا واحشرنا مع النبى العدنان —-