اقضت سنة الله أن يكون هناك سنن وقوانين لقيام الحضارات وازدهارها إذا أخذت بها صعدت، وهناك أيضا سنن وقوانين لندثرها إذا أخذت بها سقطت، وهذه سنة الله في الأمم أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر ” وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس ” (آل عمران: 140). وهناك عوامل مشتركة بين كل الأمم التي سقطت على سبيل المثال المرحلة التي سبقت الهمجات الصليبية على العالم الإسلامي كانت تسودها فساد في الحياة الاقتصادية كانتشار المحتكرين الذين يحتكرون السلع والمنتجات ويتفنون في رفع الأسعار، فضرب التجار والبائعين أسوء النماذج في استغلال الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد وذكر ابن الكثير في كتابه ” البداية والنهاية” ففي عام 511ه بلغ سعر الكر من القمح ثلاثمائة دينار، وتفشى في المجتمع اللجوء إلي أساليب الكسب الغير مشروعة من انتشار الغش والكذب والتطفيف في الميزان والمضاربة والرشوة ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تعدى إلي رفع الضرائب الباهظة على الحجاج لتأدية مناسك الحج، أما في الحياة السياسية فساد الانقسام السياسي والمذهبي والصراع السني الشيعي، وأما في الحياة الاجتماعية أصبحت الصفة السائدة الفوضى والشغب وانتشار السرقة والقتل وانشغال الناس بالأمور اليومية الصغيرة التي تدور حول الغذاء والكساء واللهو واشباع الشهوات من شرب الخمر وغيرها وانتشرت الملاهي والمغنيات مما أدى إلي انتشار النفاق وسقطت القيم وانهارات الأخلاق وانتشرت الفتن وعم الفقر والقحط سائر أرجاء العالم الإسلامي مما ضعف قدرتهم على التصدي لهجمات الصليبيين.
وبالمثل كان من أسباب سقوط الأندلس الافتنان بالدنيا وهذا ما ذكره الدكتور راغب السرجاني في كتابه ” قصة الأندلس ” أن كثرة الذنوب والمعاصي والكبائر كانت أمراً طبيعياً وخاصة بعد أن فتحت البلاد وذلك لأن معظم الذنوب تحتاج إلي أموال لاقترافها ولا شك أنه كان هناك الغني الشاكر، ولكن الحق أن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة، والأصل أن الناس يفتنون بالدنيا ويقعون في الذنوب إذا كثر المال في أيديهم ” أن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال ” (رواه الطبراني). وإذا وصل حال المجتمعات الإنسانية إلي الصراع والتنافس على الدنيا أهلاكهم الله وهذا ما حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم ” والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم ” (رواه البخاري والمسلم ). ويوضح لنا النبي في حديث آخر أن الله يعاقب هذه الأمة بالهلاك أي بتسليط أعداء من كل الأمم يتآمرون عليها ويدعو بعضهم بعضا لمحاربتنا تأديبا من الله لنا، ولكن لن يمكنهم الله من أستئصلنا ولو اجتمعوا علينا من كل أنحاء الأرض فهلاك الأخذ والاستئصال انتهى ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هلاك الهزيمة والفرقة والضعف باقي إلي قيام الساعة ” يوشك الأمم أن تداعى إليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غشاء كغشاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ” (صحيح أبي داود). فإن تسليط عدو خارجي يستولى على خيرات بلاد المسلمين عقاب من الله سبحانه وتعالى نتيجة لنقض العهد مع الله ومع الرسول أي الإعراض عن منهج الله واتباع أهواء أعدائهم :” يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن وذكر منها ” ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سَلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم ” (رواه ابن ماجه والحاكم). فأعدائنا يعلمون جيدا أنهم أداة بيد الله أو جند من جنود الله يسلطها الله على من أعرض عن منهجه واتبع هواه وهذا ما أعرب عنه ” هولاكو” في رسالة ارسالها لقطز كما ذكر المقريزى فى كتابه ” السلوك لمعرفة دول الملوك ” يقول ” من ملك الملوك شرقًا وغربًا القان الأعظم…. أنا نحن جند الله فى أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه. فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم وأسلموا لنا أمركم،….وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعائكم علينا لايُسمع فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عند كلام، وخنتم العهود والأيمان، وفشا فيكم العقوق، والعصيان، فأبشروا بالمذلة والهوان، ” فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون” (الأحقاف :20). وقد ثبت عندكم أن نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة،….” فالغريب في الأمر أن أعدائنا يعلمون جيدا على مر الزمان أن إذا انتشر الفساد وانهارت القيم والأخلاق بين العباد استوجب عليهم عقاب الله وإذا دعوا لا يستجاب لهم وهذا ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم” والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ” (رواه الترمذي).
وإذا أنتشرت في الأمة هذه الصفات السيئة دل ذلك على التراجع والإنحطاط الحضارى الناتج عن الجهل بالدين وعدم التمسك بتعاليمه، وانتشار الفرقة واتباع الهوى وهو ما عرفه النبي ” بداء الأمم ” حيث أخبرنا النبي: “سيصيب أمتي داء الأمم” فقالوا: يا رسول الله، وما داء الأمم؟ قال: “الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي” الظلم” ثم يكون الهرج (كثرة القتل). الأشر: كفر النعمة أي استخدامها في معصية الله قال تعالى: ” ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ” (الأنغال: 53). والبطر: الطغيان عند النعمة والتكبر بها على البشر من علم أو جاه أو مال فينسى الإنسان أن هذه النعم من الله ويعزوها لنفسه وقدراته ولا يعترف بفضله ولا يشكره على نعمه بأن ينفقها في أوجه الخير ونفع الناس، بل يصرفها في أوجه معصية الله وهذا ما فعله قارون حينما خرج على قومه في زينة مستكبر فستحق عقاب الله حينما قال ” إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي” (القصص 78). وذكر النبي أيضا التباغض والتحاسد أي تمني زوال النعمة من الآخرين وبين لنا أن هذه الصفة تحلق الدين ” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ” (رواه الترمذي). فالحسد يأكل الحسنات ” إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ” (أخرجه أبو داود). فإذا انتشرت هذه الصفات السيئة في أمه عاقبها الله بالهرج : أي كثرة القتل كناية عن الحروب الأهلية قال تعالى: ” قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ” (الأنعام: 65). شيعا: فرق وأحزاب متناحرة تقاتل كل منهما الآخر، وهذا نتيجة إعراض الأمة عن منهج الله وهذا ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم: ” يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن ” ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ” (رواه ابن ماجه والحاكم). أي فتنة المجتمع أن يصير أحزاب وفرق ويسود القتال في الأمة مما يضعف من قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية. وذكر النبي أيضاً ” لَمْ تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ” (رواه ابن ماجه والحاكم). إذن انتشار الأمراض في عصرنا الحالي التي لا نسمع عنها من قبل مثل سارس وكورونا وغيرها ما هو إلا عقاب من الله للعباد نظرا لانتشار المعاصي والجهر بها.
خلاصة القول لقد فطر الله الكون وفق نظام محكم ودقيق يتوافق فيه مع القوانين التي وضعها في كل الكتب السماوية من سيدنا آدم عليه السلام إلي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا تم التعارض بين طريقة حياة البشر مع هذه القوانين الكونية ظهرت المشكلات والفساد في البر والبحر ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” (الروم: 41). وأخبرنا الله أن ما من مصيبة تصيب الأمم إلا بمعاصي اقترفتها ” وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ” (الشورى:30). وأن الحالة التي تعيشها أمتنا العربية والإسلامية من أنقسام وفرقة وتآمر أعدائنا علينا، وحروب أهلية وبيولوجية وتشريد وضياع كثير من الدول، وانتشار المجاعات في اليمن وغيرها ما هو إلا نتاج ذنوبنا وضعف تمسكنا بمنهج الله وسنة نبيه ” وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ” (البقرة: 137). شقاق: انقسام وفرقة. إذن كل هذه الابتلاءات والشدائد ليست محض صدفة بل هي إنذار من الله بأن أمة محمد التي هي خير أمة أخرجت للناس حادت عن المنهج الصحيح الذي ارتضاه الله لها وعن سنة نبيه لذلك يبتليهم الله كإنذار لهم بضرورة العودة لمنهجه والسير على نهج نبيه ليرفع الله عنهم البلاء ويعزهم ويمكنهم ويفتح عليهم بركات من السماء والأرض مصدقا لقوله تعالى: ” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ” (الأعراف: 96). ولنحذر أن هذا الأمر فقهوا أعدائنا جيدا فهم على مر الزمان يحاربوننا بفهم ديننا وتاريخنا لأنهم ممكن قوتنا، ويحاولون اضعافنا بإتباعنا لاهواءهم من نشر مفاهيم الحرية والعلمانية في أمتنا العربية والإسلامية وإعراضنا عن منهج الله وتشويه صورة الإسلام بالإنفاق على الجماعات المتطرفة لصرف الناس عن الدين واشغالهم بالدنيا من أجل سقوطنا في أيديهم وإحكام السيطرة على مقدرات أمتنا وهذا ما اعترف به اليهود في بروتوكولاتهم أن هدم الدين والأخلاق هو السبيل لسيطرة على الدول، وضعف مقاومتهم بقولهم ” سنعمل على إنشاء مجتمعات منحلة مجردة من الإِنسانية والأخلاق، متحجرة المشاعر، ناقمة أشد النقمة على الدين، ليصبح رجاؤها الوحيد تحقيق الملاذ المادية، وحينئذ يصبحون عاجزين عن أي مقاومة فيقعوا تحت أيدينا صاغرين “… لذلك حذرنا الله من اتباع أهواء أعدائنا الذين يحاربون ديننا، وبين لنا أن عاقبة ذلك تخليه عن نصرنا وتركنا فريسة لهم ” قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ” ( البقرة:120). ووعدنا الله أنه القادر واحده على نصرنا على أعدائنا شرط أن ننصر دين الله بتمسكنا بمنهجه وسنة نبيه قال تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ” (محمد:7). قال تعالى: “إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ” (آل عمران: 160). فالأمر كله بيد الله فاعتبروا يا أولي الألباب!!!
بقلم: هند درويش
ماجستير في التفكر في القرآن الكريم وعلاقته بالتفكير الإبداعي