ينظر أحدهم إلى المخترعين والمكتشفين نظرة مغالاة ، بأنهم سادة الأولين والآخرين ، الذين أوقدوا مصابيح التنوير فى ظلمات الحياة الدامسة ، لكن هل يساوى كل هذا شيئاً أمام الحيد عن توحيد الله وكتبه ورسله ؟ كلا ولئن أنفق أحدهم ملءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به ، فلن يقبل كفره وهو فى الآخرة من الخاسرين ،،،
وأسأل بزاوية أخرى تسمعون فى حاتم الطائى ، مضرب العرب والتاريخ فى الكرم والجود والأخلاق ، لكن سوف يذهب كل ذلك حسرات عليه ، لأنه لم يقل يوماً رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين ،،،
طوبى ثم طوبى لمن اعتنق التوحيد ولبس رداء الإسلام ولو سويعات قليلة ، بل لحظات سريعة ،،،
لقد كان ضغاطر أسقف الروم المجهول بالنسبة لك أيها القارىء ، والملفوظ من ذاكرة التاريخ ، رجلاً ذائع المكانة رائع القداسة لدى معشر الروم النصارى ، حتى إذا جاء دحية بن خليفة الكلبى رضى الله عنه ، رسول رسول الله إلى هرقل مملياً عليه رسالته ( بسم الله الرحمن الرحيم ،، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، فإنى أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك اثم الأريسيين ( ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ، ولا نتخذ بعضنا أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )
الشاهد فى القصة أن هرقل بعد أن قرأ الرسالة ، أقر بنبوة رسول الله ولكنه أبى الإسلام قائلاً ( أخاف أن يذهب ملكى ) ، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف ، فاذكر له أمر صاحبكم فهو أعظم فى الروم منى ، وأجوز قولاً منى عندهم فلما قرأ الأسقف الرومى نص رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ( صاحبك والله نبى مرسل نعرف صفته ونجده فى كتابنا باسمه ، ثم ألقى ثياباً عليه سوداء ولبس ثياباً أبيض ، وذهب إلى الكنيسة صائحاً ( يا معشر الروم إنه قد جاءنا كتاب أحمد ، يدعونا فيه إلى الله وإنى أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ) فوثبوا عليه وثبة رجل واحد ، فضربوه فقتلوه ، فرجع دحية الكلبى إلى هرقل فأخبره الخبر فقال له هرقل ( قد قلت لك إنا نخافهم ووالله كان ضغاطر أعظم منى عندهم )،،،
دخل ضغاطر الرومى الإسلام فى لحظة واحدة وقتل فى لحظة واحدة ، وأظنه قد نال الحسنيين معاً التوحيد والشهادة ،،،
وهذا رومى آخر كان من دهاة قادتهم يوم اليرموك المجيد ، إنه جورجه أو جورجى أو جورج ، وقف يومئذ على مقدمة جيش الروم ، طالباً من خالد بن الوليد رضى الله عنه ، أن يتحاورا قبل وطيس المعركة ، فلما اقتربا وكل منهما رافع سيفه وماسك درعه ، طلب جورجه من خالد الأمان ، فأمنه خالد وخفض سيفه ، فخفض الآخر سيفه ، ولكن احتمى كل منهما بدرعه يخشى الخيانة من الآخر ، واقترب الخصمان فى وسط أرض القتال ودار بينهما الآتى — قال جورجه يا خالد اصدقنى فإن الحر لا يكذب ، ولا تخدعنى فإن الكريم لا يخادع ، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه ، فلا تسله على أحد إلا هزمته ؟
فقال خالد لا لم ينزل الله علينا سيفاً من السماء ، فقال جورجه فبم سميت سيف الله ؟ فقال خالد إن الله عزوجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا ، فنفرنا عنه ، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه ، وبعضنا باعده وقاتله وكذبه ، فكنت ممن باعده وقاتله وكذبه ، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه ، فقال لى رسول الله ( أنت سيف من سيوف الله على المشركين ، ودعا لى بالنصر فسميت سيف الله بذلك ، فأنا من أشد المسلمين على المشركين ، بدعوة رسول الله لى بالنصر ، وبتسميته لى أننى سيف من سيوف الله ) ،،،
الشاهد من الواقعة أن شرح الله صدر جورجه الرومى للإسلام ، فما برح أن صلى ركعتين بعد أن تطهر وتوضأ ، ودخل فى صفوف المسلمين مقاتلاً تحت قيادة خالد بن الوليد ، وما هى إلا دقائق معدودات حتى قتلته سيوف الروم ، ظافراً بالشهادة الكريمة فى سبيل رب العالمين ، فقال خالد رضى الله عنه ( سبحان الله عمِل قليلاًٍ وأجِر كثيراً ) ( هذا فضل الله يؤتيه من يشاء ) ،،،
ماذا لو لم يسلم جورجه أكانت تنفعه زعامة القيادة الرومية الواهية ؟
وماذا لو لم يسلم الأسقف الرومى ضغاطر أكانت تنفعه قداسة الكنيسة الكاذبة ؟
بل الأغرب من هذا وذاك ماذا لو لم يسلم خالد بن الوليد ، وظل برداء الوثنية حتى أن مات ؟ لما عرف بسيف الله ولتقزمت معرفته فى واحد من المرتزقة فى حروب الجاهلية ، يغار على القبائل ، ويأخذ ما معهم ، أو مجرم حرب بعرف حاضرنا ،،،
كم أنت قاسٍ أيها التاريخ لما جفوت صفحات العظماء ،،،
البقية فى المقالات القادمة