كان من نتاج قراءتى للتاريخ الإسلامى ، أن غنمت بعشرات المشاهد المبهرة ، كما ظفرت كذلك بمشهدين كريمين ، راقت لهما نفسى وقرت بهما عينى ، فرُحت من تلقاء نفسى أحملهما لقول الحق جلا علاه ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ،،،
أقول هذا تشفياً من أولئك الذين سولت لهم أنفسهم ، محاربة الله ورسوله فى الأمس واليوم ،،،
الذين حصروا البطولة فى فجاجة وضراوة العدوان التترى على ديار وأراضى المسلمين ، فجعلوا من جانكيز خان وتولوى وجفطاى وأوقطاى وهولاكو وقوبلاى خان ، الصورة المثلى التى ينبغى أن تلتصق بالعقلية الشبابية المعاصرة ، لإيداعها فى رحم الغد بلورة وصياغة ،،،
تحدت إمبراطورية المغول الإنس والجن ، داحضة الأخضر واليابس ، مهتدية بدستورها الشيطانى ( الياسا ) ، فما نجا منها صبياً ولا كهولاً ، ولا حاملاً ولا بكراً ، ولا شجراً ولا عسيفاً ، ولا طائراً يطير بجناحين ، إلا ذبحوه منتقمين ،،،
وما مأساة تدمير بغداد ، ومقتل مليون مسلم إحمر بدمائهم نهر الفرات ، منا ببعيدة !!!
لكن أبت عدالة وعناية السماء ، إلا أن تُحق الحق وتُبطل الباطل ولو كره الكافرون ، فى واحدة من جميل آيات ربى ، يستأصل أقوى وأعتى تنظيم بشرى دامى ، عانى منه الكوكب الأرضى ، من المشرقين إلى المغربين ، فى مشهدين اثنين ، وعلى يد عبدين من عباد الله عظيمين ،،،
إن من نسل جانكيز خان عدو الإنسانية الأكبر فى التاريخ كله ، المحفور فى بطون الكتب الدراسية ، هو وأبنائه وحفدته الشامانيين والبوذيين ، جاء رجل اسمه بركة بن جوجى بن جانكيز خان ، المجهول اسماً وكُنية لدى أكثر المعاصرين ، هذا الرجل إعتنق الإسلام بعد أن استبان له حقيقة مراده ، من العالم نجم الدين مختار الزاهدى ، ولما حسن إسلامه ، جعل الله منه شوكة فى حلق جبابرة التتريين ، الذين تربصوا بخلافته العباسية فى الأرض الدوائر ، ماحقين إياها غير مبالين ،،،
وقد تأثر بركة خان بإسلام ( رسالة ) زوجة أبيه جوجى ، التى أُكرهت بعد سبيها على الزواج من ابن جانكيز خان ،،،
أسس بركة خان القبيلة الذهبية تحت قبة الإسلام ، مناوئاً بنى جنسه وأبناء عمومته التتريين ولاسيما هولاكو ابن عمه تولوى ،،،
جعل بركة خان بعد أن شيد للإسلام دوره ومساجده ومدارسه ، وأدنا منه العلماء ، نُصب عينيه القضاء على هولاكو ومن والاه ، ثأراً للمستعصم العباسى وكل من سالت دمه بأيدى التتريين ،،،
انتصر بركة خان بعون الله على هولاكو ، وقتل أكثر أصحاب هولاكو ، وتجمد نهر ترك بجماعات كثيرة ، وفر هولاكو هارباً فى شرذمة قليلين ، ليموت غماً لما صنعه بجيشه بركة خان ،،،
مات هولاكو إلى الجحيم ، وخلفه ابنه أبغا يريد الثأر من بركة خان ، فذاق من حنضل الهزيمة التى ذاقها أبوه من قبل ،،،
رحل بركة خان بعد أن قضى على أكثرية التتريين المروعين ، أما بقيتهم الباقية فقد وقعت فى مكيدة رجل آخر ، كانت أسرته وخاله جلال الدين الخوارزمى ضحايا لجانكيز خان وجنوده ، تعرفونه لاريب قطز رحمه الله ، ولا تعرفون أنه الوحيد الذى بقى حياً من أسرة جلال الدين آخر شاهات الدولة الخوارزمية ، إنه محمود بن ممدود الخوارزمى ، ذلك الطفل الذى تركته سيوف التتار ، لما استباحوا ديار وأموال وأعراض الدولة الخوارزمية ، فتم بيعه فى الشام حتى إذا بلغ أشده ، انضم لجيوش المسلمين فى حروبهم والصليبيين ، فكان من الجنود الثقات عند ملوك بنى أيوب فى مصر ،،،
ولما اشتد وطيس الحرب التترية ، بشبحهم الجديد المطارد للمسلمين ، هيأ الله عبده قطز أحسن تهيأة ، فجعله على رأس دولة المماليك ، التى بادرت التتريين الهجوم الساحق فى إحدى أعظم أيام الله ( عين جالوت 1260 م ) ،،،
قاد السلطان محمود ممدود ( قطز ) المسلمين إلى نصر خالد تالد على التتريين ، ثائرآ مما اقترفوه بحق المسلمين ، بفظاعة دموية يندى لها الجبين ،،،
ولم تكن بطولة قطز مبلغها فراغاً ولا صدفة ، فقد جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منامه ، وبشره بأنه سيملك مصر ويكسر التتار ،،،
حكم قطز عاماً واحداً ، وصنع فيه ما لم يحققه غيره فى ألف سنة ، قضى على كابوس البشرية الأول ( التتار وما أدراك ما التتار ) ، ثم ترك مملكة قوية من بعده ، تدافع عن الأرض والعرض ، براية الإسلام العظيمة ، فاتحةً مشيدةً لنحو قرنين ونصف من الزمن ، هى الدولة المملوكية ،،،
رحم الله بركة خان الذى تبرأ من وثن جنسه التترى ، رحباً بسماحة الإسلام ، متأثراً بزوجة أبيه ( رسالة ) الأسيرة الخوارزمية المسلمة ، ورحم الله قطز الذى أجهز على بقية التتريين ، الذين دحروا أسرته الخوارزمية ،،،
هل رأيتم ما وعد ربكم حقا ، إنى رأيت ما وعد ربى حقاً ، ينصر الإسلام ويعزه ولو بعبد واحد من عباده الصالحين ، ويهزم الشرك وأهله ولو كانوا ملء الأرض جميعاً ، وهو القائل ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ولنا فى بركة خان وقطز الأسوة الحسنة ، لكن يتجلى السؤال !!! أين بركة خان وقطز فى ذاكرة الأمس واليوم ؟؟؟
البقية فى المقالات القادمة —