جدُرت أمتنا الأبية بسمو مقامها على سائر الأمم السابقة والسالفة ، فكان لها قصب السبق بلسان الصدق فى ديمومة إنجاب أئمة الهدى ومصابيح الدُجى ، على طول الخط الزمنى ، وما كان ذلك جذافاً ، بل كان عن موعدة من رب العالمين ، بالتميز والتفرد على كل ما سواها ( كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس ) ولا جرم أن سنا برق هذه الأمة كان وسيظل سامقاً يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمال ، ولا غرو أن يبقى رحم الأمة مكنوناً يُلقى بفلذات الأكباد ، فى شتى مناحى التألق والتأنق ، وإذا كان من المُحال بمكان إحصاء ثمرات الأمة الناضجة فى كل القرون والأيام ، فمن الخطيئة بعنوان أن تُمحى مآثر العشرات من الرجال والأبطال ، فبئس الغفلة وبئس السكرة ، مؤرخون ومتفيهقون ومتشدقون ،،،
وفى أكثر مواطن البطولة ، احلولقت أقلام المؤرخين على رجلٍ دون غيره ، فصنعوا له الهالة ومنحوا إياه القلادة ، وانزووا عن العدالة وانضووا إلى الركاكة ،،،
لقد اختصر السرد التاريخى مكامل ومكامن البطولة فى المحارب المغوار ، متناسياً الصورة البطولية الحقة ، المتمثلة فى قوة الدفع الإيمانية ، للعلماء الربانيين ، إن فى معركة الزلاقة عام 1086م واحدة من أيام المسلمين الخالدة ، التى دك فيها المسلمون حصون نصارى الأندلس ، كان هنالك جندياً مجهولاً صادقاً فى الرؤيا ومبشراً بالنصر ، إنه شيخ المالكية ابن رُميلة الأندلسى ، ذلكم العالم الربانى الذى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منامه ، يبشره بالنصر وبالشهادة ، فتحقق الحسنيين معاً ، وكيف لا وهو القائل صلوات ربى وسلاماً عليه ( من رآنى فى المنام فقد رآنى حقاً ، فإن الشيطان لا يتمثل بى ) ( والرؤية الصالحة جزء من ستٍ وأربعين جزءاً من النبوة )
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن رُميلة دون يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد مبشراً إياه بالنصر والشهادة وقال له ( يا ابن رُميلة إنكم منصورون وإنك ملاقينا ) —
وقد ظل التاريخ أيضاً يعزو نصر فتح القسطنطينية المبارك إلى محمد الفاتح ، دون التطرق إلى شيخه آق شمس الدين ، الذى كان شعلة الإيمان المتوقدة وجذوة الحماس المتأججة ، والتى بهما سرت الهمة والعزيمة فى دبيب عروق الجنود عن بكرة أبيهم ،،،
كان الطبيب وعالم النبات الشيخ آق شمس الدين رحمه الله ، هو القائد المعنوى لمحمد الفاتح والأب الروحى لفتح مدينة القسطنطينية العتيقة عام 1453م ، وأول من ألقى خطبة فى مسجد آيا صوفيا ، بعد فتح القسطنطينية العظيم ،،،
هكذا برز دور العلماء الربانيين فى ترجيح دفة النصر ، وإن بلغوا من الكبر عتياً، فما فَتُرت همتهم الإيمانية بتقدم الصفوف الأمامية صديحاً وتشجيعاً…
ولنا فى ابن رُميلة الأندلسى وآق شمس الدين العثمانى الأسوة الفيحاء، وكيف ساهما فى صنع اثنتين من أعظم انتصارات المسلمين فى التاريخ قاطبة، برؤيا صالحة وهمة صادقة
فأين ابن رُميلة وآق شمس الدين من صفحات التاريخ الإسلامى؟
البقية فى المقالات القادمة