ولما بُسطت لى صفحات التاريخ بسطا ، رأيت ما لم أكن أسمع به خُبرا ، فطفقت أخصف من كل صفحة لحناً ندياً ، عن الرجال والنسوة سوياً ، وكان ديوان المظالم لأكثر العظماء المنسيين جلياً ، أولئك الذين تمردت عليهم الأقلام نسياً منسيا ، وجحدت بهم الرواة بهتاناً فريا ، وسخرت منهم الأقزام تغيظاً ورميا ،
ولما كانت مآثر أكثر الرجال العظماء متروكة ، كانت آثار أكثر النسوة العظيمات مهجورة ، فما لنصرة هؤلاء وما لنصفة أولئك من العالمين إلا كلُ لبيبٍ ذى حجر ، مستبسلاً عنهم بكل فخر ، هاتكاً الحجب التى وارت فضائلهم بكل قهر ، هلموا بنا نعانق الجمال الإبداعى لآخرين وآخريات ، ماتوا فى السنوات الخوالى ، وذهبوا فى القرون المواضى ، وما ماتت مكارمهم ، وما مُحيت فضائلهم ،،،
وحسبك والنسوة فكن دوماً منبع الإنجاب ونبع الفضل والإعجاب ، ومنهن أم الإمام الأوزاعى رحمه الله ، إمام أهل الشام لردحاً من الزمن طويلاً ، فقد كانت أمه قول الفصل فى مسيرته العلمية من المهد إلى اللحد ، لما مات أبوه وهو صغير ، تحولت به أمه إلى بيروت تاركة بعلبك ، ووهبت له دوحة حنانها فى باكورة صباه ، حتى بلغ أشده فى كنفها ، ووصل إلى تناهى المجد العلمى فى حياتها ، بأن صار عالم الشام الأوحد والمتفرد عن شيوخه وتلاميذه ،،،
وهذه أم ربيعة بن فروخ المعروف بربيعة الرأى ، وقصتهما معاً تبوء بالعظمة النادرة واللمحة الزاهرة ، فهذه الأم تركها زوجها وهى حامل فى جنينها ، غازياً فى سبيل الله لنحو سبع وعشرين سنة ، وترك معها ثلاثين ألف دينار ، فلما رجع الأب فروخ من رحلته الجهادية إلى المدينة المنورة ، أقبل على داره دون أن يستأذن ، فوقف له الابن حائلاً مانعاً ، فكل منهما غريباً على الآخر ، فلما دار بينهما شجاراً طويلاً ، وحاول الناس مناصرة ربيعة بن فروخ ، فهم يعرفونه ولا يعرفون أبوه ، إذ بالأب يصيح بصوت شجى أنا صاحب هذه الدار ، أنا فروخ وقد تركت الدار مجاهداً فى سبيل الله ، فسمعت الزوجة وخرجت مهرولة ، تعانق زوجها وتقول هذا ابنك الذى تركته فى رحمى ، ربيته وعلمته وصار عالم المدينة الوقور النحرير ، وقد أنفقت عليه الثلاثين ألف دينار التى تركتها لى ، فهل ضيعت الأمانة ؟ قال لها بل حفظت الأمانة ،،،
وما يثير القارىء عجباً وتعجباً واعجاباً ، أن ربيعة بن فروخ هذا ، إنما سمى ربيعة الرأى ، كونه مؤسس مدرسة الرأى فى الاستنباطات الفقهية ، التى تخرج منها تلميذه العظيم أبوحنيفة النعمان ، كما أنه شيخ مالك والليث بن سعد وغيرهما ،،،
وتلك أم بديع الزمان النورسى ، ذلك العالم العامل الذى سنا ضوئه فى ربيع الخلافة العثمانية ، هذا الرجل الذى لا يُعرف البتة فى زمننا ، ولا فى الأزمنة التى تسبق زمننا ، ربته أمه فنعم المربية ، فصال وجال بين المشرقين ، ينشر العلم ويشحذ الهمم ، يقول عن أمه ( كانت كلما أرضعته هو وإخوته توضأت ، ثم يسترسل القول أقسم بالله إن أرسخ درس أخذته ، وكأنه يتجدد على إنما هو تلقينات أمى ودروسها المعنوية )
قدم مشروعاً إلى السلطان عبدالحميد الثانى ، يستميله ويحثه على إنشاء جامعة إسلامية فى شرق الأناضول ، تصد غارات التمدد الخارجى الخبيث ، الساعى لدحر الخلافة العثمانية والإسلام بالكلية ،،،
ولله در هذا العلم الشاب النجيب ، الذى لما تناهى إلى سمعه أن جلادستون الوزير البريطانى الماكر ، وقف فى مجلس العموم البريطانى عام 1894م قائلاً ( مادام هذا الكتاب موجوداً بأيدى المسلمين ، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ) فتفجرت حمية الشاب المسلم النورسى مسطراً هذه الديباجة ( لأبرهنن للعالم أجمع أن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها ، ولا يمكن إطفاء نورها )
رحم الله هذا العالم الجليل ، ابن السيدة الجليلة التى ربته على البر والشكيمة ، وإن لم يذكر اسمها فى التاريخ ، فكفاها أن أنجبت للأمة الإسلامية حبراً فى زمن أفل فيه نجم العظماء الأحبار الأبرار ، فبالكاد لم ينجب القرن العشرين من صنوف العظماء إلا قليلاً —
والشاهد على كل ماسبق أعلاه ، عظمة المرأة فى أكثر أحايين الدهر ، وكيف تفانت فى مسارين بديعين اثنين ، وصنوانين متوازيين لم يفترقان ، الأمومة والريادة ، التربية والرقابة ،،،
طوبى لأكثر النسوة الفضليات على ما قدمن لأعمال وضاءة وأفعال بناءة ، وتباً لعاهرات الشهرة فى زمننا ، اللواتى دنسن فضيلة الأمومة وحياء الأنوثة —
البقية فى المقالات القادمة