ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25–30)، ثم تطرقنا إلى تطور مفهوم الحرية في سبع عشرة مقالة منفصلة عن ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والحضارة الرومانية، والمفهوم الإيماني المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصر النهضة الأوروبية، وعصر التنوير الأوروبي، والليبرالية الكلاسيكية، والليبرالية الاجتماعية، والليبرالية الجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، ومقالتي هذه عن “العثمانيين”.
كما أوضحنا سابقًا أُعتبر سقوط بيزنطة عام 1453م نهاية العصور الوسطى في الغرب، وظهور عصر الحداثة الذي أخذ بدوره أطوارًا متعددة أوردناها ببعض التفصيل في سياق حديثنا عن تطور مفهوم الحرية في الغرب منذ عصر النهضة حتى وقتنا الحاضر، بينما ظل العالم العربي ومنه بالطبع مصر يرزح تحت وطأة الاحتلال العثماني التركي قرابة ثلاثة قرون، غارقًا في مستنقعات العصور الوسطى، معزولًا عن التطورات التاريخية الهامة التي مر بها الغرب في تلك الحقبة، وهي مراحل تشكل وتطور الرأسمالية الغربية وما أنتجته من قيم الحريات والحداثة كما أوضحنا، وذلك باقتصاديات متخلفة، وأساليب انتاج بدائية، وطرق حكم أقل ما يقال عنها إنها مستبده ووحشية، وقيم وثقافات عفى عليها الزمن، مما أنتج الفجوة الحضارية الهائلة التي تعاني منها تلك الدول حتى الآن ولم تستطع تجاوزها بدرجات متفاوته، ونود إلقاء الضوء في مقالتنا هذه على جذور تلك الفجوة وتبعاتها على مجمل الأوضاع المصرية.
يُعتبر الغزو العثمانى لمصر وسقوط دولة المماليك البحرية التي حكمت لقرنين ونصف من الزمن، من أهم الفترات فى تاريخ مصر، وتم ذلك نتيجة لتحولات تاريخية كبرى حدثت في إقليم الشرق الأوسط، فرغم أن دولة المماليك البحرية واجهت مخاطر وتحديات خارجية عديدة، سواء من الشرق عن طريق الفرس، أو من الأناضول عن طريق البيزنطيين وبعدهم الترك السلاجقة وغيرهم، لكنها استطاعت تجاوزها وحماية استقلالها وأمنها، وحتى هذا التاريخ لم تكن الفجوة الحضارية شاسعة بيننا وبين الغرب، فرغم التأخر بعض الشيء إلا أنها تشابهت معها في الكثير من مظاهر العصور الوسطى من حيث ظهور الإقطاع والفرسان والقلاع وغيره، ومع بداية القرن السادس عشر حدثت تطورات كبرى في الشرق الأوسط، فبعد تولي الشاه إسماعيل الصفوى عرش إيران وتحويل مذهب إيران الدينى للمذهب الشيعى، بدأت إيران تظهر كقوة ناشئة جديدة في الشرق الأوسط، كما ظهرت الدولة العثمانية التي تأسست فى شمال غرب الأناضول فى بداية القرن الربع عشر ونمت وتوسعت فى البلقان والأناضول والإمارات اللاتينية والتركية، ومع بداية القرن السادس عشر أصبحت القوة المسيطرة فى الأناضول وسعت إلى التوسع على حساب دولة الفرس والدولة المملوكية فى الشام ومصر، وكان التحدي الثالث التي تواجهه مصر من البرتغاليين، ومثل سيطرة البرتغاليين على البحر الأحمر ضربة جديدة وخسارة اقتصادية كبيرة لمصر وأفقدت مصر أحد عناصر قوتها وثرائها، حيث أنه البحر الذي يتحكم فى طريق التجارة الهندية آنذاك، وبذلك واجهت مصر تلك التحديات الخارجية الثلاثة، الصفويين الشيعة فى ايران، والدولة العثمانية فى الأناضول، وتحركات البرتغاليين فى البحر الاحمر، وشكلت تلك التحديات خريطة المخاطر التي واجهت مصر في بدايات القرن السادس عشر، أي عشية الاحتلال العثماني التركي لمصر.
ومع ذلك امتلكت مصر العديد من أوجه البهجة خلال العصر المملوكي ومنها كثرة الحدائق والمتنزهات على النيل, والاحتفالات التي تقام في جميع الأعياد والمناسبات، وموكب السلطان حيث كان يسير أمامه الأمراء ومماليكهم فيخرج ويتفرج الناس في أوقات النصر أو الإحتفالات، وتمتعت القاهرة بمكانة لم تحظ بها مدينة في العالم في هذه الفترة فغدت درة المدن وضمت العلماء والتجار من الشرق والغرب وكان سلطان مصر يخطب وده كل ملوك العالم، ولكن تبدل الحال تمامًا مع دخول العثمانيين، لقد كانت سنتا 1516 و1517 سنتين من السنوات العصيبة فى التاريخ المصرى، سنتان شهدتا سقوط دولة المماليك الجراكسة وفقدان مصر لكيانها المستقل، ليبدأ عصر جديد من عصور التبعية لقوة خارجية صاعدة فى سماء المنطقة، فأصبحت مصر ولاية فى دولة كبرى مركزها إسطنبول على مضيق البسفور، وبعد أن استمرت القاهرة لعدة قرون المركز الحضارى والسياسي الأول فى المشرق العربى والإسلامى، ذوت لتصبح مجرد عاصمة لولاية يديرها باشا مبعوث من قبل السلطان العثماني، سنتان كانتا مليئتين بالحوادث والوقائع، سقط فيهما آلاف من القتلى ومن أبناء الشعب المصري، وغادر مصر لسنوات عدد من أمهر صناعها وحرفييها ومبدعيها، علاوة على عدد من شيوخها وفقهائها ومفكريها، ليبدأ عصر ظلام وجمود طويل فى تاريخ مصر، فبعد دخول العثمانيين للقاهرة استباحوها بشكل كبير وفعل بها الانكشارية ما يفعلوه مع بلاد الكفار المفتوحة بل وأعظم, حيث نهبوا كل ما أمامهم من محال وأسواق ودخلوا على البيوت فسرقوا ما بها من نفائس ومجوهرات وطردوا الكثير من بيوتهم وأخذوها لهم, ووصل بهم الأمر إلى خلع ألواح الرخام والخشب المزخرف من على واجهات البيوت لبيعها, كما زالت مباهج مصر تمامًا وحمل السلطان سليم الأول على الجمال والمراكب العديد من نفائس البلاد بعد الغزو إلى القسطنطينية, وجمع أكفأ الحرفيين والصناع وأكبر العلماء والتجار ونقلهم إلى الأستانة وأطلق يد جنوده خصوصًا الإنكشارية في السلب والنهب, حيث يعتبر مؤرخون أن الغزو التركي لمصر أفظع الغزوات والاحتلالات الأجنبية التي تعرضت لها مصر عبر تاريخها، وعبر المؤرخ المصرى “محمد بن أحمد ابن إياس” الذي عاصر تلك الفترة عن الفجيعة التي وقعت بمصر بعد حكم العثمانيين الاتراك لها في رثاء شعري ” نوحوا على مصر لأمر قد جرى … من حادث عمت مصيبته الورى”، كما تحدث ابن إياس عن مفاتن ومباهج مصر التى كانت تزهو بها على سائر الامم وزالت على أيدي الغزاة العثمانيين، فبعد الغزو اتخذ العثمانيين من “خاير بك” واليًا على مصر فسام المصريين سوء العذاب وأعدم الكثيرين ظلمًا واستولى على أراضي كثيرين بحجة انهم أخذوها قسرًا من أصحابها, وغير النظام القضائي في مصر وألغى قضاة المذاهب الأربعة واكتفي بقاض حنفي، وكذلك غُيرت نظم الموازين وأصبحت مثل النظام التركي وأُمر بإعدام كل من يعيد استخدام الموازين المصرية، وفُرضت ضريبة على الزواج والطلاق فامتنع الناس عن الزواج أو الطلاق بسبب ذلك، ووصفت مصر جملة أنها دخلت في عصر مظلم حيث عُزلت عن العالم وأصبحت سلة الغذاء والمال للدولة العثمانية فغدت إتاوة مصر وحدها ما يقارب من ثلث إيراد الخزينة العثمانية.
ولأن أبناء الشعب المصرى كانوا محرومين من حقهم فى حمل السلاح للدفاع عن بلادهم منذ إحتل الرومان مصر باستثناء لحظات نادرة مثل مواجهة حملة لويس التاسع على المنصورة وغارات القراصنة على الإسكندرية، فلم يكن الشعب مستعدًا للمواجهة مع جيوش الاحتلال العثمانى بالقدر الكافى، ومع ذلك بمجرد تولى السلطان الأشرف طومان باى لعرش السلطنة سنة 1516م، عقب وصول الخبر بسقوط عمه السلطان الغورى قتيلًا فى مرج دابق، دعى المصريين إلى حمل السلاح للدفاع عن وطنهم، وقد شاركوا بالفعل فى موقعة الريدانية، لكن قوة المدفعية والأسلحة النارية العثمانية كانت أكبر من قدرة الجيش المملوكى والمقاتلين المنضمين إليه من المصريين، فانتصر العثمانيون ودخلوا إلى القاهرة واستولوا عليها، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة فسرعان ما جمع طومان باى فلول الجيش المملوكى وتجمع حوله الكثير من المصريين ليهاجموا قوات الاحتلال العثماني ويستردوا القاهرة من أيديهم مره أخرى، لكن لأيام معدودة عادت بعدها سيطرة العثمانيين.
وفي مقاومة المصريين للإحتلال العثماني يقول بن إياس “فلما كان ليلة الأربعاء خامس الشهر، بعد صلاة العشاء، لم يشعر ابن عثمان إلا وقد هجم عليه الأشرف طومان باى بالوطاق واحتاط به، فاضطربت أحوال ابن عثمان إلى الغاية، وظن أنه مأخوذ لا محالة.. واجتمع هناك الجم الغفير من الذعر وعياق بولاق من النواتية وغيرهم وصاروا يرجمون بالمقاليع وفيها الحجارة، واستمروا على ذلك إلى أن طلع النهار فلاقاهم الأمير علان الداودار الكبير من الناصرية عند الميدان الكبير فكان بين عسكر ابن عثمان وعسكر مصر هناك وقعة تشيب منها النواحى. واستمر السلطان طومان باى يتقع مع عسكر ابن عثمان ويقتل منهم فى كل يوم مالا يحصى عددهم، من يوم الأربعاء إلى يوم السبت طلوع الشمس ثامن المحرم…”، وهذا ما يؤكده نص مقتطع من رسالة بعث بها السلطان العثمانى سليم الأول إلى نائبه فى الشام يبشره فيها بنجاحه فى الاستيلاء على القاهرة والقضاء على المقاومة فيها، فقال سليم فى رسالته بعد أن روى انتصاره فى الريدانية على جيوش طومان باي “وكان قد فضل بقية من العساكر المصرية، فهربوا واجتمعوا هم والسلطان طومان باى وجمعوا العربان، والتموا نحو العشرة آلاف، ليلًا من نهار الثلاثاء خامس شهر المحرم الحرام سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة خفية، ودخلوا البيوت الحصينة، وحفروا حولها الخنادق، وستروا التساتير، واجتمعوا فى الحارات، وأظهروا الفساد، وأبرزوا العناد، فعلمت عساكرنا المنصورة بهم، فربطوا الخيالة لهم الطرقات، لئلا ينهزم أحد، وصاحت عليهم مماليكنا الإنكشارية والتفكجية، وحملت عليهم حملة رجل واحد، ودخلوا عليهم إلى البيوت التى تحصنوا فيها، ونقبوا عليهم البيوت يمينًا وشمالًا، وطلعوا على أسطحة تلك البيوت التى تحصنوا فيها ورموا عليهم بالبنادق والكفيات، واستمر الحرب بين عساكرنا المنصورة وبينهم ثلاثة أيام.. وفى هذه الثلاثة أيام يستمر القتال من الصبح إلى العشاء، وبعون الله تعالى قتلنا جميع الجراكسة، ومن انضم إليهم من العربان المصريين، وجعلنا دماءهم مسفوحة وأبدانهم مطروحة ونهب عساكرنا قماشهم وأثاثهم وديارهم وأموالهم، ثم صارت أبدانهم للهوام، أما طومان باى سلطانهم فما عرفنا هل هو مات أم بالحياة”، لقد كان وقع الكارثة فادحًا على وجدان المصريين فوصف بن إياس الغزو العثمانى لمصر شعرًا، فقال “الله أكبر إنها لمصيبة وقعت بمصر ومالها مثل يرى.. ولقد وقفت على تواريخ مضت لم يذكروا فيها بإعجاب ما جرى” وفى موضع آخر من كتابه المعروف باسم (بدائع الزهور فى وقائع الدهور) يقول ابن إياس “من العجائب أن مصر صارت نيابة بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين فى سائر البلاد قاطبة.. ولكن ابن عثمان انتهك حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها وأظهر أهوالها، وأُشيع أن ابن عثمان خرج من مصر وبصحبته ألف جمل محملة ما بين ذهب وفضة، هذا خارجًا عما غنمه من التحف والسلاح والصينى والنحاس المكفت والخيول والبغال والجمال وغير ذلك، حتى نقل منها الرخام الفاخر، وأخذ منها من كل شىء أحسنه، ما لا فرح به آباؤه ولا أجداده من قبله أبدًا”.
لم يمس العثمانيون نظم الحكم القائمة إلا من حيث إيجاد هيئات تشترك معًا في شئون الحكم وهي “الوالي” أو الباشا وهو نائب السلطان العثماني في مصر ورئيس السلطة التنفيذية بها وكان مقره القلعة وهو ممثل السلطان العثماني وكانت مدة حكم الوالي بين سنة وثلاث سنوات، وتمثلت مهامه في إرسال الجزية المقررة إلى السلطان، وقيادة الجند في الحروب ولكنه لم يكن مطلق التصرف في المسائل المهمة بل كان عليه أن يحيلها على ديوان القاهرة، ويتكون “الديوان” من كبار ضباط الحامية العثمانية والموظفين والعلماء والأعيان وله سلطة مراقبة الوالي ولا يستطيع الوالى أن يبت في أمر إلا بموافقة أعضاء الديوان، وتألفت “الحامية العثمانية” من عدة فرق عسكرية موزعة بين القاهرة والمدن الكبرى وكانت تقوم بحفظ النظام والدفاع عن الولاية، وبقيت “إدراة الأقاليم” لأمراء المماليك حيث أُوكل إليهم مهمة إدارة الأقاليم وحفظ التوازن بين الوالي ورؤساء الحامية وذلك لخبرتهم الطويلة في تنظيم شئون البلاد، فكان منهم السناجق والكشاف ويشرفون على الأمن العام، وكان زعيم المماليك يقيم في القلعة ويسمى (شيخ البلد)، ولقد كثرت المنازعات بين الأمراء المماليك بعضهم مع بعض، و بينهم وبين فرق الحامية العسكرية والوالي العثماني، وهي منازعات لم تخمد في أي فترة من الفترات، وكانت أوضح ما تكون في القاهرة التي غلب عليها الفقر وكساد تجارتها، لأنها كانت مقر الوالي وأعضاء الديوان وجنود الحامية العسكرية والبكوات المماليك، فلا تلبث الشوارع أن تتحول إلي ساحات قتال، ويكثر سلب ونهب المتاجر وتكسد التجارة، كما أمر الوالي العثماني خاير بك فى مصر القضاة الاربعة بتقليل عدد نوابهم وكان ذلك بداية تغيير مهم في طريق “عثمنة مصر”، واستحدث ما سمي بالمحضر وهو موظف تركي كان يجلس على دكه على باب المدرسه الصالحيه بين جماعه من الانكشاريه، وكانت مهمة هذا المحضر هي الإطلاع على كل القضايا قبل عرضعا على القضاة ولو أصدر هو حكم فليس للقضاة حق الاعتراض عليه، وكان يأخذ نظير هذه المهمة أتعاب من الشاكي والمشتكي، وكان يتحدث عن طريق مترجم تركي، كما فرض العثمانيون ضرائب على القضايا التي ترفع فى نواحى مصر، وعن تلك المظاهر نقل ابن إياس قول شاعر “يارب زاد الظلم واستحوذوا… والفعل منهم ليس يخفى عليك”.
وبذلك تدهورت الحالة الاقتصادية في البلاد، لعدم استقرار الأمن واشتداد النزاع بين فرق الحامية العسكرية فضلًا عن عدم ثبات قيمة العملة المتبادلة واختلاف المكاييل والموازين من مكان إلي مكان، بل زادت بشاعة النظام العثماني بفرض ضريبة سنوية ترسل للسلطان على أملاك المصريين وتسمى تلك الضريبة (المال الأميري)، وكان لكل جهة متعهد يلتزم بجمع الضريبة وتعفى أرض هذا المتعهد من الضريبة و يزرعها له الفلاحون بالمجان، علاوة على ضريبة كان يأخذها المتعهد من الفلاحين لنفسه، وكانت حقوق هؤلاء المتعهدين ومناصبهم وراثية، بالإضافة إلى الضريبة التي كان يفرضها البكوات “المماليك” على محصول الأراضي وتسمى تلك الضريبة “الكشوفية”، وكثيرًا ما كان يفرض الوالي على السكان ضرائب أخرى إضافية كلما احتاج إلى المال لإرضاء الأستانة فتبقيه في مصر ولاية أخرى، ووصل الفقر بأهل مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي إلى درجة لم يسبق لها مثيل فصار أهل البلاد هم العبيد الحقيقيين و”البكوات” هم السادة، إذ استولوا على جميع الأملاك وتدهورت حالة الفلاح حتى صار رثاء في ملبسه ومسكنه ومأكله لا يكاد يفيق من دفع ضريبة حتى يطالب بدفع ضريبة أخرى، وإذا امتنع عن الدفع ” فقرًا او إدعاءً ضُرب وعُذب حتى يدفع، وربما قُتل من أجل ذلك، وفي الزراعة كانت الأرض ملكًا للدولة ممثلة في السلطان وتُزرع عن طريق تكليف الفلاحين بذلك فيما عُرف بحق الانتفاع، كما أُثقل الفلاح بالضرائب المفروضة على الأراضي وعانى من التلاعب بالموازيين والمكاييل وشدة تعسف وظلم الملتزمين في جمعهم للضرائب المفروضة على الأراضي الزراعية، وبذلك تدهورت الزراعة بسبب عدم اهتمام الطبقة الحاكمة بتنظيم الري أو إقامة السدود وحفر الترع مما أدى إلى انتشار المجاعات والأوبئة وانخفاض ناتج المحاصيل الزراعية وتدهور أحوال المجتمع الريفي بوجه عام.. وتدهورت الصناعة بسبب التدهور الزراعي الذي أدى إلى انقراض واضمحلال العديد من أنواع الصناعات مثل صناعات بناء السفن والمنسوجات الفاخرة، كما اقتصرت الصناعة على بعض الصناعات اليدوية البسيطة الضرورية للاستهلاك المحلى مثل صناعة الغزل والنسيج والفخار والحصير ومواد البناء والسكر وكانت جميعها رديئة، وساعد على زيادة التخلف إرسال السلطان سليم الأول الصناع المهرة إلى عاصمة الدولة العثمانية مع بداية الغزو العثماني لمصر.. وتدهورت التجارة الداخلية بسبب تدهور الزراعة والصناعة وافتقاد الأمن وعدم الإهتمام بطرق التجارة البرية، لذلك لم تنمو التجارة الداخلية وعاش كثير من المناطق في عزلة وشبه اكتفاء ذاتي، وكانت التجارة بين الوجهين البحري والقبلي تتم عن طريق نهر النيل كما انخفضت القدرة الشرائية لدى المجتمع المصري، أما التجارة الخارجية فقد تدهورت بسبب الاكتشافات الجغرافية وتحطيم الأسطول المصري عام 1509م، كما أدى تحول الطريق التجاري المؤدي إلي الهند إلي طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من الطريق الذي يمر بمصر من البحر المتوسط إلي البحر الأحمر إلى انهيار اقتصادي، و بذلك فقدت مصر موردًا اقتصاديًا هامًا، واقتصرت صلاتها التجارية بحوض البحر المتوسط والسودان وبلاد الحبشة والحجاز واليمن، كما ساعد منح الدولة العثمانية الامتيازات الأجنبية للدول الأوروبية وما صاحب ذلك من امتيازات جمركية وقضائية، على سيطرة التجارالأجانب على أمور التجارة في مصر.. وفي الحالة الاجتماعية كان المجتمع المصري إبان الحكم العثماني ينقسم إلى طبقتين، طبقة الحكام ولها كافة السلطات وتركزت في أيدي قلة أرستقراطية من الأتراك والمماليك وتمثل مكان الصدارة في الإدارة والجيش وشئون الحكم وينصب إهتمامهم في جمع الثروة من حصيلة أملاكهم منشغلين بالسياسة وصراع السلطة، وطبقة المحكومين وكانت تنقسم إلى طبقة وسطى محدودة للغاية من المشايخ والعلماء وكبار التجار والحرفيين وظلت تبعيتهم للسلطة بشكل تام ولم تشهد تطور ملحوظ طيلة الحكم العثماني وكان ذلك سببًا رئيسيًا في انعدام الحراك الاجتماعي ومن ثم البطء الشديد في التطور والتقدم، وطبقة دنيا وهم الأكثرية من الفلاحين وصغار الحرفيين وعامة الناس، وقد عانت هذه الطبقة الفقر والظلم وانتشار المجاعات وتفشي الأوبئة والأمراض والبطالة والتشرد، وكانت طبقة العبيد تُشكل جزءًا مهمًا لا غنى عنه في المجتمع العثماني، وكانت هذه الطبقة تتألف من الصبية والبنات الأوروبيين الذين يخطفهم القراصنة أو يتم سبيهم خلال المعارك والحروب، ومن الأفارقة الذين كان يخطفهم تجار الرقيق من قراهم جنوب الصحراء الكبرى، ورغم أن السلطان محمود الثاني ألغى تجارة الرقيق الأبيض في أوائل القرن التاسع عشر، إلا أن تجارة الرقيق الأسود استمرت قائمة حتى أواخر عهد الدولة العثمانية.. ولم يسمع صوتًا للمرأة طيلة الخلافة العثمانية، واقتصر دور المرأة داخل أسوار القصور على الخلف والعلف، ونشأ مصطلح الحريم العثماني الذي كان يعني الجواري والسراري التابعات للسلطان العثماني، وبلغت المرأة في الخلافة العثمانية أدنى وأحط درجات الإنسانية والعلم والعمل، واستخدم العثمانيون أبشع الطرق للعقاب، ومنها استخدام الخازوق للإعدام، فنقل الأتراك الخازوق من العراق، وأجروا العديد من الدراسات حول استخدامه، وكانت الدولة العثمانية تدفع المكافآت للجلاد الماهر الذي يستطيع أن يطيل عمر الضحية على الخازوق لأطول فترة ممكنة تصل إلى يوم كامل، وكان يتم إدخال الخازوق من فتحة الشرج ليخرج من أعلى الكتف الأيمن دون أن يمس الأجزاء الحيوية من جسم الإنسان كالقلب والرئتين بأذى قد يودي بحياة “المخوزق” سريعًا، أما إذا مات «المخوزق» أثناء عملية «الخوزقة» فيحاكم الجلاد بتهمة الإهمال الجسيم ويتعرض لتنفيذ نفس العقوبة عقابًا له على إهماله، وتعتبر أشهر حالة “خوزقة” في تاريخنا الحديث هي حالة “سليمان الحلبي” الذي قتل القائد الفرنسي “كليبر”، وكان للعثمانيين باع طويل في استخدام تلك الوسيلة البشعة للعقاب، فقد استخدموها أثناء حصار القسطنطينية عام 1453م، وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخاصة خلال عمليات القمع الوحشية للحركات القومية، أو الأعمال الانتقامية التالية للتمرد في اليونان وغيرها من بلدان أوروبا، وكذا أثناء الثورة الصربية (1804-1835) ضد الإمبراطورية العثمانية، حيث تم خوزقة حوالي مائتي من الصرب في بلغراد عام 1814م، عقابًا على الشغب في أعقاب ثورة هادزي برودان.
ولم يحاول العثمانيون تنمية المجتمع بأي طريقة، وإنما كانوا ينظروا للمصريين بنظرة تعالي واحتقار، وقصروا الوظائف الإدارية علي نفس عنصرهم التركي وعنصر المماليك الشركسي، لذلك انحط المستوي الاجتماعي للشعب المصري، وشاع الاعتقاد في السحر والخرافات وراجت أسواق المشعوذين والدجالين، ويحكي شحاتة عيسي إبراهيم في كتابه “القاهرة” عن إشاعة راجت في أحد الأيام من عام 1735م أن يوم البعث سيكون يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي الحجة، وأخذ الناس يودع بعضهم بعضًا الوداع الأخير، ويهيمون علي وجوههم في الحقول والطرقات، وانقضي اليوم ولم تقم الساعة والناس مازالوا أحياء يرزقون، فشاع بينهم مرة أخري أن السيد أحمد البدوي والسيد الدسوقي والإمام الشافعي تشفعوا للناس عند الله أن يؤجل لهم قيام القيامة، فقبل شفاعتم؛ كما قل ظهور علماء أو مفكرين في ذلك العصر، وانحطت اللغة العربية نتيجة استخدام اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد، كما انحسرت العمارة الإسلامية الجميلة والبديعة، وأثرت الحالة الاقتصادية السيئة بشكل سلبي على العمارة الإسلامية في ذلك العصر، فقد كان فيها كثير من الاقتصاد من حيث المساحة ومن حيث الزخرفة، كما قلت الدقة في البناء، لقلة الثروة من ناحية وتقهقر الصناعات من جهة أخرى، وتميز الولاة الذين تولوا ولاية مصر في عهد العثمانيين أن همهم الأول كان جمع الأموال بكل الطرق وابتزاز التحف والهدايا من الناس، فلم يكن يعنيهم القيام بأي أعمال أو انشاءات تخلد ذكراهم، فهم راحلون إلي أوطانهم عما قريب.
لقد خضعت مصر للحكم العثماني ثلاثة قرون كان حكم العثمانيين فيها جامدًا راكدًا نتج عنه تحول مصر إلى ولاية بعيدة تمامًا عن المؤثرات الحضارية الحديثة في أوربا، من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر، أخذت أوروبا طريق التقدم في جميع مجالات الحياة بأفكار جديدة وضعت تحديًا للقديم وأحدثت تغييرات جذرية فى المجتمع تناقض ما تأسست عليه الدولةُ العثمانيةُ التقليديةُ، فقد غيرت الثورة العلميةُ التي حدثت في القرن السادس عشر الطريقة التي ينظر بها الأوروبيون إلى الحياة ككل، وتمحورت ثورة الفكر على أساسيات ثلاثة، الحرية والحقوق والمساواة، وغلب العقل على القوالب التقليدية كلها، في حين لجأ العثمانيون إلى الدين واستخدموه لاستمرار فرض سيطرتهم على العالم العربي خاصة أن عقلية العصور الوسطى كانت سائدة في العالم العربي وهى عقلية تعتمد على الحفظ والتلقين والاهتمام بالعلوم الشرعية والفقهية دون العلوم التطبيقية، كما أُصيب العالم العربي في العصر العثماني بالجدب العلمي وانعدام الاجتهاد في الدين واختفت روح الابتكار في العلم والأدب وسيطر على الفكر في ذلك العصر حالة من الجمود والتقليد والمحاكاة دون إعمال العقل أو الفكر، وبعد أن كانت الإمبراطورية العثمانية قوة عظمى، بدأت في التهاوي منذ بداية القرن التاسع عشر بسبب مزيج من الانحطاط الداخلي والضغوط الخارجية، وتسبب الفساد في مؤسسة الامبراطورية العثمانية والحكومة، ورفضها التقدم الاجتماعى والثقافى والسياسى والاقتصادى والعلمى فى تفتتها ووقوعها بسهولة فى أيدى إمبراطوريات جديدة تسيطر على العالم بعقول منفتحة، حققت للإنسان حريته وكرامته، وفقدت حيويتها الاقتصاديةَ بعدما أخذت الدول الأوروبيةُ الكبرى فى الدوران حول أفريقيا للتجارة واعتمدت على الأمريكتين بدلًا من الوسيط العثمانى، أيضًا تجاوزت أوروبا الصناعية التقاليد العثمانية التي عفى عليها الزمن بالثورة الفكرية والصناعية، وقد أدى تراجع نظام السلطنة إلى ضعف سيطرة الحكومة المركزية على أنحاء الإمبراطورية، فأخذت قطاعات كبيرة من الإمبراطورية فى الانفصال، فى شمال أفريقيا عام 1808م وفى اليونان عام 1826، كما أدى ضعف نظام السلطنة إلى فقدان السيطرة المركزية للدولة العثمانية ثم الانهيار في نهاية المطاف بعد تحالفها مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وأدت في خاتمة مطافها إلى عزل عن التاريخ والجغرافيا أسقطتها بلا رحمة، لقد سجنت الإمبراطوريةُ العثمانيةُ نفسها فى العصور الوسطى بكل مظالمها، وأدارت خلافة الأتراك العثمانية جرائم الإبادة الجماعية الأولى فى التاريخ الحديث، وذلك فيما يعرف تاريخيًا باسم المحرقة الأرمينية أو الجريمة الكبرى، حيث تعمدت الخلافة العثمانية القتل والترحيل القصري المتعمد والمنهجى للمواطنين الأرمن من قبل الإمبراطورية العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، ويقدر الباحثون أن أعداد الضحايا الأرمن تراوحت ما بين مليون ومليون ونصف نسمة، أغلبيتهم مجموعات عرقية مسيحية كالسريان والكلدان والآشوريين واليونانيين وغيرهم، واصفين هذه الأحداث، بأنها جزء من نفس سياسة الإبادة التى انتهجتها الإمبراطورية العثمانية ضد الطوائف المسيحية بينما الكل من حولها يسبقها وهى غافلةٌ، كما أكد الدكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر أن الدولة العثمانية واجهت مشكلة معقدة جدًا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، أطلقت عليها المسألة الشرقية، ونتج عنها بوادر انشقاقات كبيرة فى الجسد العثمانى، وهى التى لم تقم على أساس دينى بل استمدت قوتها من الإسلام فى البداية للسيطرة الروحية والمادية على المسلمين، ولفت إلى أن النظام الاتحادى العثماني كان يعانى أزمة هوية، ولذلك كان الحل الأمثل من وجهة النظر العثمانية هو حل أزمة الهوية عن طريق الإبادة الجماعية، لأن تركيا الحديثة قامت على أنقاض الأرمن، من خلال إرضاء الجنرالات الأتراك بثروات الأرمن ودخولهم فى خضم طبقة البرجوازية، وأضاف: “عندما تهاوت أركانها لجأت إلى الإسلام مرة أخرى لانتشالها من الانهيار فيما عُرف بمشروع الجامعة الإسلامية، وهنا حاول السلطان عبدالحميد الثانى من خلال هذا المشروع إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وترتب على ذلك عداء واضح ضد غير المسلمين فى الفضاء العثمانى”، وأشار إلى أن مسألة تدشين إعلاء الأنا العثمانى المسلم على حساب الآخر العثمانى غير المسلم، برزت منذ عهد السلطان عبدالعزيز، وبالفعل تم بث هذه الأفكار بين العشائر الكردية التى تلاحم الأرمن جغرافيًا، ولهذا رأى الأكراد أن الأرمن المسيحيين يريدون الإجهاز على الدولة العثمانية المسلمة، وبالتالى جواز قتلهم والتخلص منهم، وعليه فإن النازية كمصطلح أو إعلاء الأنا على الآخر تضرب بجذورها فى عمق التاريخ الإنسانى، ودائمًا ما تلجأ إليها الأنظمة الاستبدادية.
ومما تقدم نجد أن الاحتلال العثمانى لمصر كان له تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على تطور البلاد، وتسبب في احداث الفجوة الحضارية الهائلة بيننا وبين الغرب، فعلى الرغم من أن مصر عرفت عبر تاريخها الطويل موجات وراء موجات من المستعمرين الأجانب، ورغم أن أوضاع البلاد فى أواخر عصر المماليك كانت متردية، إلا أن الأثر السلبى الخطير للاحتلال العثمانى لمصر والمشرق العربى عمومًا يكمن فى أمرين، الأمر الأول إنه قطع الطريق على التحولات الاجتماعية التى كانت آخذة فى التطور فى مصر، والتى كان يمكن أن تخرج البلاد من أزمتها التاريخية وتنتقل بها إلى عصر جديد، فأتى الاحتلال العثمانى ليجمد الوضع الاجتماعى لعدة قرون أخرى، وليستنزف فوق ذلك موارد مصر الاقتصادية لصالح الخزانة العثمانية، ويتمثل الأمر الثاني في التوقيت الذى احتل فيه العثمانيون مصر، فقد احتلوها فى لحظة كان العالم فيها يعيش فى مفترق طرق بين عصرين، وقد نجح الغرب فى كسر الحاجز والانتقال إلى عصر جديد، بينما بقى المشرق فى ظل الاحتلال العثمانى جامدًا فى مكانه، ونتيجة لذلك ظلت المجتمعات العربية مجتمعات جمعانية تربطهم علاقات على أساس روابط الدم وغلبة النظام الذكوري الابوي (الباطرياركي) والتسلط والاستبداد الاجتماعيان بالمعنى الاوسع للعبارة والاقطاع والعشائرية والطائفية والفكر الرومانسي والافتقار الى الفهم الدينامي للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، بينما نشأ مبدأ الفردانية في الغرب وامتد ليشمل التربية وعلاقة الفرد بالمجتمع والسلوك الاقتصادي وأساس بناء الدولة، فقد تأسست على الفردانية حرية المبادرة وروح الابتكار والمغامرة في الاقتصاد، والتربية على الحرية في السلوك، واقامة المجتمع السياسي على التعاقد بين ارادات أفراد أحرار، وقد أسهم ذلك في صعوبة الاستيعاب الحضاري للمجتمعات العربية، وبذلك تمثلت الفجوة الحضارية بيننا وبين المجتمعات الغربية في عدة مؤشرات، أولًا مستوى التطور الاقتصادي الناتج عن الثورة الصناعية والقائم أساسا على إنتاج وسائل الإنتاج وتركزها وتمركزها في الغرب الذي مكن دولها من امتلاك قوة اقتصادية جبارة وسمح بسيطرة وهيمنة شركاتها المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات على الاقتصاد العالمي، بينما لا زلنا نراوح في مستوى الإنتاج الحرفي الصغير والمبعثر وإنتاج وسائل الاستهلاك المعتمدة على تكنولوجيا غربية متقادمة، وثانيًا مستوى تحول العلم ومستحدثاته إلى قوة إنتاج حقيقية في الغرب والمعبر عنها بالثورة (العلمية – التكنولوجية) ودخول التكنولوجيا كافة مجالات الحياة، وما أحدثه ويحدثه العلم من صيرورة حضارية نتيجة التنظيم العلمي للمعارف وإدراكها والاستفادة منها، وثالثًا سيادة مناهج وأنماط التفكير الحديثة في الغرب كالعقلانية والنقدية الموضوعية والعلمانية والعلمية والبراغماتية والإنسانية والنزوع للحداثة، فيما لا زلنا نغط في التفكير السلفي والأيديولوجي والديني واللاهوتية والميتافيزيقية والتأملية والقدرية والرؤى المنغلقة والمنهج السجالي المنكفئ على الذات والتراث التاريخي، والعاجزة عن فهم كنة التطور الحضاري الحاصل في الغرب واللحاق به، ورابعًا درجة التمدن التي وصلت إليها المجتمعات الغربية نتيجة قدرة الثقافة فيها على إدماج القيم الحضارية البشرية في بنية مفاهيمها وقيمها الخاصة ودرجة إشباع الحاجات النوعية للمواطن وضمان العيش في بيئة لائقة؛ وكذلك قدرة هذه المجتمعات على التنوع والتناقضات الداخلية وعلى الحفاظ على مستوى عال من الوحدة الداخلية والترابط والتحديث القائمة على التواصل وليس الاكراه، والذي رفع من مستوى “الأنا ” القومية وتمثلها للحضارة وسمح بتقارب أمم الغرب، وخامسًا مستوى تطور التنظيم السياسي للمجتمع في الغرب وترسخ المجتمع المدني والمأسسة الدستورية الديمقراطية التي تسمح بالتعددية الفكرية والسياسية وكفالة الحقوق وتوسع الحريات والمشاركة السياسية وتداول السلطة سلميًا، وسادسًا مستوى التقدم الذي وصله الغرب في تثوير واستخدام وسائل الاتصال والمعلوماتية والمواصلات، التي عمقت الفجوة بيننا وبينه وأضافت إليها فجوة رقمية معلوماتية ومعرفية، ومن خلال هذه النقاط الدالة على عمق الفجوة بيننا وبين الغرب، فالعالم المعاصر يشهد متغيرات وتحولات غير مسبوقة في ظل النظام الكوني الجديد الناشئ، وفي هذا العالم نواجه تحديات حضارية بسبب الفجوة الحضارية التي تفصلنا عن عالم الحقيقة الواقعي، وتعاظم إحساسنا بقوة صدمة ما بعد الحداثة، فمازلنا عاجزين عن الإجابة عن أسئلة صدمة الحداثة الأولى التي داهمتنا قبل مائتي سنة، ولا ريب في أن هذه التحديات تقتضي تشغيل مفاعيل الاستجابة لها كضرورة يستحيل بدونها عبور الفجوة الحضارية التي تحول دون الحضور الفاعل لنا وفي هذه الحقبة من تطور العصر والعالم.. وتبقى الحقيقة التي اتفق عليها المؤرخون هي أن مصر دخلت بالإحتلال العثماني طور الكمون والسبات العميق لمدة ثلاثة قرون لم يكن لها فيه شأن يذكر في التاريخ، ولم تفق مصر من هذا العصر إلا على اصوات قذائف المدافع الفرنسية عام 1798م، وهو موضوع مقالنا القادم.
