الأحد - الموافق 31 أغسطس 2025م

د. محمد عبد الغني يكتب : بطانة السوء وصناعة المستبد

 

د. محمد عبد الغني

د. محمد عبد الغني

لعل الشعور بالنقص، وعدم الثقة في الذات. أهم سمات بطانة السوء المتملقين أصحاب الوجوه المتلونة ، يليها  البحث عن المصلحة الشخصية المحضة التي تغمط حقوق الآخرين، ومن ثَم تقوِّي شوكتهم، وتجعلهم مثل “حكومات خفية” في ظل الشرعية المتعارف عليها بين الجميع، كل هذا في غياب التربية الإيمانية والعملية الصحيحة.

وعندما نتحدث عن الحاكم الطاغية أو المستبد ، لابد أن ننظر إليه بصورة أكبر وأشمل ، تتخذ جميع مستويات القيادة والمسئولية بداية من رئيس الدولة مروراً بمدير الشركة ومدير المدرسة والمدرس ورئيس الحي والمحافظ ، فبطانة السوء نراها ونتلمس رائحتها الكريهة في كل مؤسسات الدولة بإختلاف أشكالها.

بلإضافة إلى خطورة  بطانة السوء على نظام الحكم ومن ثم فيما تتخذه من قرارات وسياسات وضياع لحقوق الرعية ومكاسب لأصحاب رؤوس الأموال وأصحاب السلطة . فقد تساهم بطانة السوء بشكل مباشر وعلى جميع الأصعدة في صناعة الحاكم المستبد الطاغية ، الذي من الممكن ألا يكون مستبدا بطبعه وإنما تساهم بطانة السوء في جعله مستبداً عن طريق تعظيم وتمجيد ما يقوم به من أفعال أو أقوال مهما كانت صغيرة أو عادية، وتصوره وكأنه الملهم المخلص ، وبعض الأحوال التي تعطيه سلطة أبوية لا يتخيل الشعب العيش بدونه ، ومنهم من يصفه بصفات النبوة وأولياء الله ، ومنهم من يتخطى الحدود بخيال مريض أو نفاق فذ ،  فيصفه بصفات تصل به إلى حد التأليه ، ويخبرنا التاريخ عن الكثير والكثير من الحالات التي تلخص ما قد سبق وذكرناه .

فيقول الشاعر العربي القديم ابن هانيء في مَلِك مصر المعز لدين الله العبيدي الفاطمي .

ما شئت لا ما شاءت الأقدار .. فاحكم فأنت الواحد القهار

فكأنما أنت النبي محمد .. وكأنما أنصارك الأنصار.

ويقول نزار قباني في قصيدة (قتلناك ياآخر الأنبياء) في رثاء الرئيس جمال عبد الناصر

لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟

فمثلُكَ كانَ كثيراً علينا

هذا عن عبد الناصر الذي استطاعة بطانته والأله الإعلامية أن تصنع منه بطل أسطوري منقذ صاحب سلطة أبوية فهو من يطعم ، يسقي ، يربي ، يعلم ويوظف في مقابل لا تسألوني عن الديمقراطية ، لدرجة أن بطانة السوء استطاعة أن تنظم مظاهرات تطالب بعدم الحرية والديمقراطية في أعقاب أزمة مارس الشهيرة .

ناهيك عن لقب الرئيس المؤمن الذي ابتدعه الرئيس الراحل محمد أنور السادات ، كي يكسب شرعيه دينية تقول أن نظام الحكم إسلامي ، أو إنها دعاية سياسية أراد من خلالها أن يتنصل من علاقته بالنظام الناصري الذي كان متهم بانه (نظام اشتراكي كافر) فيقول (أنا لست عبد الناصر) ، وفي نهاية المطاف لم تمنعه هذه الدعاية أو استغلال الدين في أن يستشهد على يد من يدعون أنهم يريدون تطبيق شرع الله.

والآية الكريمة تحذّر من اتخاذ بطانة السوء وأهل الهوى ومعدومي الكفاءة والخبرة

فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (آل عمران: 118).

 

ويقول ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الآية الكريمة “يقول – تبارك وتعالى- ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي: يُطْلعونهم على سرائرهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خَبَالا أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ عليهم”

 

كما حذَّر النبي كل أمير ومسئول؛ فقال : مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ؛ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك