أوضحنا سابقًا كيف حافظت مصر منذ قبل التاريخ، وطيلة العصور القديمة حتى نهاية عصر الدولة البطلمية، على ريادتها للحضارةالإنسانية، وقدرتها على مواكبة العصور المتلاحقة بإبداعات علمية وأدبية، وقيم أخلاقية، ومثل عليا، وضعتها في مقدمة الأمم تقدمًا وتحضرًا وازدهارًا متواصلًا ومتجددًا. ورغم أن الإسكندر الأكبر جاء مصر غازيًا، إلا أن مصر استقلت عن الإمبراطورية المقدونية بمجرد وفاة الإسكندر وأصبحت مملكة مستقلة تمامًا تحت حكم البطالمة ورثة الإسكندر الذين تمصروا بشكل كامل.وكانت الإسكندرية عاصمة مصر آنذاك منارة العالم ومصدر إشعاع الحضارة الهيلنستية على العالم القديم. ورغم الاحتلال الروماني ظلت مصرفي ركبالحضارة العالمية السائدة، حيث كانت من أهم ولايات الإمبراطورية الرومانية وذات وضع خاص إداريًا وتنظيميًا بسبب ثرائها وتنوع ثرواتها وموقعها المتوسط والفريد داخل العالم القديم، علاوة على تقدير الرومان للحضارة المصرية العريقة وحرصهم على عدم التصادم مع مكونات الثقافة المصرية.
وبينما انهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية تمامًاوأصابها الاضمحلال الحضاري الكامل، استطاعت الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) التي كانت مصرضمن عالمها، استطاعت أن تستمر لمدة أطول، وذلك لتطور نظمها الاقتصادية والاجتماعيةوالسياسية، وثراءعالمها الفكري والثقافي والحضاري. ويُشار إلى الفترة من نهاية الإمبراطورية الرومانية الغربية حوالي القرن الخامس حتىنهاية القرن الخامس عشر باسم(العصور الوسطى الأوروبية)أو (العصور الأوروبية المظلمة).وقسم المؤرخون والباحثون (العصور الوسطى الأوروبية) إلى ثلاث مراحل أساسية، تبدأ بمرحلة (العصور الوسطى المبكرة)، ثم (مرحلة العصور الوسطى العليا)، ثم مرحلة (العصور الوسطى المتأخرة)، وفقًا للمواثيق الدولية.
تبدأ مرحلة (العصور الوسطى المبكرة)، من القرن الخامس إلى أواخر القرن العاشر الميلاديين، حيث أصيبت حضارة غربي أوروبا بالانحطاط، ولم يتبق من حضارة اليونانوالرومان القدامى سوى ما بقي في قلة قليلة من مدارس الأديرة والكاتدرائيات والبلاط والقصور الملكية. أما العلوم التي نُقلت عن اليونانيين فقد اندثرت تقريبًا. كما ضاع الكثير من المهارات الفنية والتقنية القديمة. وما بين القرن الخامس والثامن، وبسبب الهجرات، قَدِمت شعوب جديدة ملأت الفراغ السياسي الذي خلفته حكومة روما المركزية. وشهدت أوروبا الغربية قيام إمارات جديدة وعديدة،سيطر على كل منها أمراء الحرب والقساوسة.
كان الإقطاع هو النظام الاقتصادي السائد طيلة العصور الوسطى المبكرة، حيث كان الأمير الإقطاعي يمتلك القلعة والأرض والمزارع والمراعي والناس الذين يعيشون على أرضه كذلك، ولذلك كان يسهل سوقهم إلى المعارك إذامادعت الحاجة إلى توفير الجند، وكان الإقطاعي واحدًا من أعظم الناس شأنًا بين أفراد المجتمع. واختفت فية الطبقة (الوسطى). وظهر البارون وهو من صغار طبقة النبلاء وهو النبيل الذي مُنح أرضًا من الإقطاعي مقابل خدمات عسكرية فهو يُقسِم بالطاعة للإقطاعي والظهور معه ضد أعدائه من المقاطعات الأخرى. وعطلتالهجرات والغزوات في القرني الرابع والخامس شبكات التجارة في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط.واقتصرت التغيرات التكنولوجيا العسكرية إبان العصور الوسطى المبكرة، على عودة (القوس)كأحد التغييرات الرئيسة. وإدخال الرِكاب الذي زاد من فعالية سلاح الفرسان كقوات للصدمات. واختراع حدوة الحصان وقد أدى إلى استخدام الخيول في التضاريس الصخرية.
تغيرت الحياة الاجتماعية في المدنالرومية بشكل كبير في العصور الوسطى المبكرة، فعلى الرغم من أن المدن الإيطالية ومدن شمال أوروبا بقيت مأهولة، إلا أن حجمها تقلص بشكل كبير، بينما تعرضت الأثار المدنية وغيرها من المباني العامة للنهب من أجل توفير مواد البناء. ومع اضمحلال عائلات النخبة الرومانية القديمة، حل مكانها عائلات مشاركة في الشأن الديني أكثر من الشأن الدنيوي. وقد تناقصت القيمة المُعطاة للتعليم والثقافة اللاتينية. وذهبت معظم الجهود الفكرية نحو محاكاة الفكر الكلاسيكي، ولكن تم تأليف بعض الأعمال الأصلية، جنباً إلى جنب مع تراث شفهي فُقد مع الوقت. في حين شاركن النساء في المجتمع الأرستقراطي كزوجات وأمهات.
وبحلول أواخر القرن السادس، أصبحت الموسيقى والفن هي الوسيلة الرئيسة للتعليم الديني في الكنيسة بدلًا من الكتب. وشهدت بدايات العصور الوسطي بروز الرهبنة في الغرب. وتم تحديد شكل الرهبنة الأوروبية بواسطة الأفكار والتقاليد التي نشأت مع آباء الصحراء من مصر وسوريا، من خلال أدب الهاجيوجرافي-أدب كتابة سِيَر القديسين – مثل حياة أنطوني. وكان للأديرة والرهبان عميق الأثر في الحياة السياسية والدينية في بدايات العصور الوسطى، في حالات عديدة بوصفها ضامن لأراضي العائلات ذات النفوذ القوي، وكمراكز دعاية ودعم ملكي في المناطق المحتلة حديثًا، وكقواعد للبعثات التنصيرية.
صاحب ذلك الاستيطان تغير في الأوضاع الثقافية، فاللغة اللاتينية للدولة الرومية الغربية تم استبدالها بلغات مختلفة على الرغم من كونها مبنية على تلك اللاتينية، وقد عُرفت باسم اللغات الرومنسية. واستغرق التحول من اللاتينية إلى تلك اللغات عدة قرون. أما في أوروبا الشرقية، فقد استمرت اللغة اليونانية هي لغة الإمبراطورية البيزنطية، ولكن هجرات الشعوب السلافية أضافت اللغة السلافية لأوروبا الشرقية.
تمركزت الحياة الروحية والفكرية في القرون الوسطى المبكرة في أوروبا حول الكنيسة لذا صمم المعماريون الكنائس والأديرة والمباني الدينية الأخرى، كما صمموا القلاع والحصون والمنشآت الأخرى غير الدينية. وطور معماريو القرون الوسطى المبكرة عددًا من الطرز، حيث غلب الطراز البيزنطي في أوروبا الشرقية. أما في أوروبا الغربية فكانت الطرز الرائدة هي الكارولنجي. وقد سبقه العمارة المسيحية المبكرة التي أزدهرت في الفترة بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين. ونشأت العمارة الكارولنجية التي سُميتعلى اسم شارلمان الذي كان ملكًا على الفرانكيين (الفرنجة) بين عامي 768 و 814 م، وادعى المعماريون الكارولنجيون أنهم نقلوا عمارة المسيحية المبكرة، ولكنهم غيروا في النماذج حتى تناسب احتياجاتهم، وكانت لهم إسهامات شهيرة فيما يخص تصميم الكنائس والأديرة.
كانت فنون القرون الوسطى الأوروبية المبكرة دينية، واعتمدت اعتمادًا واسعًا الرموز والكنايات، وعمدت إلى تغييب الأشكال وماديتها وأصولها الحسية نتيجة رسوخ الاعتقاد بأن كل عناصر الوجود الدنيوي ما هي إلا انعكاس واه لما هو سماوي، مما قاد إلى ازدراء الواقع ومجافاته، ومن ثم إلى تعطيل التقاليد الغنية الموروثة التي قطعت شوطًا بعيدًا في صوغ أشكال تحاكي الواقع، تأتت بعد دراسة معمقة للطبيعة وقوانينها، وطال الأمر في بعض الأحيان تحريم التشبيه والتشخيص، وقيام خلاف حاد منذ مطلع القرن التاسع حول مشروعية استخدام الأشكال التشخيصية وتوظيفها لإيصال مضامين دينية، سمّي هذا النزاع بحرب الأيقونات، فاقتصرت زينة الكنائس على الرموز الدينية والزخارف والنقوش على الجدران. لكن على الرغم مما تقدم، ومع وجود بعض مظاهر الفن المدني، بقي الفن التشكيلي وسيلة تعبيرية مهمة اعتمدتها الكنيسة في نشر تعاليمها، فقد نفّذ الفنانون أعمالهم بتكليف من المراجع الدينية وبإشرافها المباشر، ويمكن القول إن الفن في هذه المرحلة كان دينيًا صرفًا غايته إبراز الجوانب الروحانية وشحن المشاهد بمشاعر التقوى، وإبراز الحالة الطقوسية، حتى إن بعضهم عد الأيقونة والتصاوير الجدارية كتابًا للأميين.
تزامن دخول العرب مصر سنة 642م مع أفول الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) التي كانت مصر ضمن عالمها الحضاري، ودخول قارة أوروبا بأكملها حقبة العصور الوسطى المظلمة،وعند ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية على يد النبي محمد (ص)، قامت القوات الإسلامية بعد وفاته بشن حملات عسكرية أدت في نهاية المطاف إلى فناء الدولة الفارسية وسيطرة العرب على بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا تلك المناطق التي كان أغلبها تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية الشرقية كما أوضحنا سابقًا. ولم يهتم العرب بالعلوم والتعليم حتى انحدرت إلى القاع، وفي هذا الصدد قال القاضي جمال الدين أبو الحسن في كتابه (تراجم الحكماء): “باختصار شديد، نقول: بعد أن فتح عمرو بن العاص مصر والإسكندرية دخل يحيى النحوي على عمرو بن العاص وقد عرف ابن العاص موضع الرجل من العلم فأكرمه وسأله عما يريد قوله، فقال له يحيى: …كتب الحكمة في الخزائن الملوكية وقد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها… فقال له عمرو: لا يمكنني أن آمر بأمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب عمرو لعمر وذكر له ما ذكره يحيى واستأذنه ما الذي يصنعه بها (أي بالمكتبة)، فكتب عمر إلى عمرو يقول له: “وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها فتقدم بإعدامها” (وهذا القول عن عمر تكرر عدة مرات). فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها فذكروا أنها استنفذت في ستة أشهر. وهي واقعة مذكورة أيضًا في (الفهرس) لابن النديم ص 334، وذُكرت أيضًا في (تاريخ التمدن الإسلامي) لجرجي زيدان 3/42. وكان رأي الخليفة عمر بن الخطاب عامًا على جميع الكتب والمكتبات في الأقطار التي ضُمت في عهده بما فيها بلاد فارس. فقال صاحب كتاب (كشف الظنون) 1/446:إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم، كتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شانها وتنقيلها للمسلمين فكتب إليه عمر بن الخطاب: أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى؟ فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وإن يكن ضلال؟ فقد كفانا الله تعالى. فطرحوها في الماء وفي النار فذهبت علوم الفرس فيها”، وقال في 1/25 في أثناء كلامه عن أهل الإسلام وعلومهم “إنهم أحرقوا ما وجدوا من كتب في فتوحات البلاد”. وقال ابن خلدون في تاريخه 1/32 “فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل، فأين علوم الفرس التي أمر عمر بن الخطاب بمحوها عند الفتح؟”.
في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، أصدر الوالي الأموي عبد الله بن عبد الملك قرارًا في سنة 706م باستبدال اللغة القبطية بالعربية في كل شؤون الدولة. وكان انتشار اللغهالعربيه بمحتواها الثقافي العربي سبب تناقص عدد المدارس المصرية التي كانت تدرس العلوم مثل الطب والرياضيات والفلك وغيرها وهي مواريث مصرية قديمة، واستمر هذا الوضع حتى انتشر الجهل وسادت الأمية، وتدريجيًا اختفي العلم في المجتمع المصري. ومثّل انتشار اللغة العربية في مصر الانفصال الثاني الكبير بين المصريين وحضارة عصري الفراعنة والقبط، فبعد أن قطعت اللغة القبطية الصلة بين المصريين والكتابة بالخط الديموطيقي كما أوضحنا في الفصل السابق، أضاعت اللغة العربية التحدث بها أيضًا، وبذلك لم يعد للمصريين صلة باللغة المصرية القديمة لا تحدث ولا كتابة.
ومنذ منتصف القرن الثامن الميلادي، نشأت أنماط تجارية في البحر الأبيض المتوسط بين العرب والفرنجة التي استبدلت الأنماط الرومانية القديمة في التجارة، الفرنجة بادلوا الأخشاب، والفرو، والسيوف، والعبيد في مقابل الحرير والمنسوجات الأخرى، والبهارات، والمعادن الثمينة من العرب. واستمرت التوسعاتالإسلامية إلى أن وصلت إلى الأندلس.ووصلتإلى ذروتها في منتصف القرن الثامن الميلادى.وقد انهزمت القوات الإسلامية في معركة بلاط الشهداء عام 732 وأدى ذلك لاسترجاع الجزءالغربى من فرنسا بواسطة الفرنجة،ولكن كان السبب الأساسي في وقف النمو الإسلامي في أوروبا هو سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية في أثرها. حيث كان العباسيون أكثر اهتمامًا بالشرق من أوروبا، وفقدوا السيطرة على أجزاء من الأراضى الإسلامية. حيث سيطر أحفاد الأمويون على شبه الجزيرة الأيبيرية، وسيطر الأغالبة على شمال إفريقيا، وأصبح الطولونيون (868 – 905)حكامًا على مصر خلال زمن تعاظم قوة التركمان في الدولة العباسية وسيطرة الحرس التركماني على مقاليد الأمور.
وفي عهد الدولة الطولونية كانت مصر دولة مستقلة تمامًا، ولم تعد تُنهب وتُشحن غلتها في مراكب متجهة إلى عاصمة الإمبراطور أو الخليفة، ولم يعد المصريون يدفعون ضرائب خراج ورأس لملء خزائن ملك أو خليفة أجنبي يعيش خارج مصر. وهذا التحول كان له نتائجه وانعكاساته على المصريين الذين تحسنت أحوالهم تحسنًا كبيرًا، وتوضحه كتابات الرحالة والمؤرخين الذين زاروا مصر في تلك الأزمان،ونهضت مصر نهضة كبيرة في الثقافة والعلوم والاقتصاد وتحولت القاهرة لمدينة عظيمة ليس لها مثيل.ونعم أصحاب الدياناتبالهدوء والاستقرار.وتمتع اليهود في ذلك العصر بالحرية الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك اشتغلوا بالعلوم والطب.
أدرك أحمد بن طولون أهمية دور الجيش الوطني الموحد في تحقيق استقلال بلاده وحماية مشروعاته كما أسلفنا، لذلك عمل منذ أن وطئت قدماه أرض مصر على تأسيس جيش مُدرب يدين له بالولاء ويعتمد عليه، واعتنى أحمد بن طولون بالأسطول البحري الذي جاء تأسيسه متأخرًا عن تأسيس الجيش البري.وبعد وفاة أحمد بن طولون، عمد خلفه خمارويه إلى تنمية القوة العسكرية لدولته، وضم إليهم طائفةٌ من سكان البلاد الشوام والمصريين، فتضاعف العنصر الوطني في الجيش، وارتفعت مكانة الجيش نتيجة ذلك الاهتمام الزائد، وأضحى لجنوده وقادته نفوذ أقوى مما كان في أيام أحمد بن طولون.
اشتهرت مصر في العصر الطولوني بالعلوم والطب، فظهر من الأطباء سعيد بن ترفيل، وهو مسيحي كان في خدمة أحمد بن طولون، وسعيد بن البطريق وهو مسيحي أيضًا كانت له عدة مؤلفات منها “التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق”. كذلك ظهر خلال تلك الفترة بعض الكتاب الذين اهتموا بتدوين التاريخ والخطط، ومن أشهرهم عبد الرحمن بن عبد الحكم القرشي، ومن مؤلفاته كتاب “فتوح مصر”، ويُعد ابن عبد الحكم أول مؤرخ لخطط مصر. ومن أشهر مؤرخي مصر في العصر الطولوني أبو جعفر أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية، وأبو محمد عبد الله بن محمد المديني المعروف بالبلوي.
لم تمض ثلاثين سنة حتى تكررت التجربة الطولونية بقيام الدولة الإخشيدية المستقلة(935-968) التي أسسها محمد بن طغج الإخشيد في مصر، وامتدت لاحقًا باتجاه الشام والحجاز واليمن.وكانت مصر بلدًا صناعيًا هامًا في العصر الإخشيدي فاشتهرت بصناعة النسيج الرقيق في تنيس ودمياط وشطا ودبيق، وامتازت بصفة خاصة بالأقمشة ذات الخيوط الذهبية التي كانت تُصدر إلى الشام والعراق، كما ظهرت صناعة الورق التي حلت محل البردي، حيث ترجع أول وثيقة حكومية من الورق إلى سنة 912م، كما ترجع آخر وثيقة حكومية من ورق البردي إلى سنة 935م، يضاف إلى هذا اشتهار مصر حينئذ بصناعة الأسلحة والتحف الدقيقة المطعمة بالذهب والفضة والجواهر الثمينة، وأنشأ محمد بن طغج الإخشيد دارًا لصناعة السفن بالفسطاط عام 936م. أما التجارة فقد ارتفع شأنها في العصر الإخشيدي، ذلك أن تجارة الشرق التي كانت تتجه إلى المحيط الهندي والشرق الأقصى، أخذت تتحول عن طريق الخليج العربي والعراق أي عن طريق هرمز والبصرة، إلى طريق مصر والبحر الأحمر، ويذكر شمس الدين المقدسي أن ثغر عدن صار في القرن العاشر الميلادي أهم مركز تجاري، في حين أخذت بغداد تتدهور وتفقد مكانتها.
من الواضح من النصوص التاريخية أن أصحاب الديانات عاشوا في هدوء وسلام طوال عصر الدولة الإخشيدية، كما كان حالهم في عصر الدولة الطولونية، ولم ينص عن اضطهادات أو عسف نزل بهم في ذلك العصر. ويُلاحظ أن استخدام المسيحيين واليهود في أواخر العهد الإخشيدي لم يكن قاصرًا على الأعمال المالية، فتذكر الرواية القبطية أن كافور كان له وزير من القبط يُسمى أبو اليمن قزما بن مينا. كما يلاحظ في هذا العصر ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ مصر منذ الغزو العربي، وهي استخدام اليهود في شؤون الإدارة وأعمال الحكومة. إذ كان يعقوب بن كلس اليهودي من مستشاري كافور، ومن أقرب الناس إليه، حتى بلغ الأمر أنه أمر جميع رؤساء الدواوين بألا يُصرف درهم أو دينار إلا بتوقيع ابن كلس.
شهدت مصر والشام إبان حكم الإخشيديين نهضة علمية وأدبية على مستوى عال من التقدم والازدهار، حيث وجدت مراكز انتشرت من خلالها الحضارة والثقافة العلمية والأدبية، وكان من أهم هذه المراكز (الأسواق) التي كانت موئلًا للدارسين يتجاذبون فيها أطراف الحديث، ويقيمون المنافسات والمناظرات العلمية، وقد كانت بمدينة الفسطاط في عصر الدولة الإخشيدية سوق عظيمة للوراقين، وكان سيبويه المصري أعظم أدباء هذه الدولة يظهر الكلام والاعتزال في الطرقات والأسواق، وكانت سوق الوراقين أيضًا بمثابة مكتبة عامة يتاح فيها للمهتمين بالقراءة والاطلاع وشراء ما يحتاجونه من الكتب المفيدة لهم، وكانت تقام في هذه السوق مزادات يُنادى فيها عن الكتب الجيدة النادرة. كما كانت هناك مجالس أخرى للعلم والأدب لا يحضرها إلا الخاصة، مثل مجالس العظماء من أمراء الدولة، وعلمائها ووزرائها، حيث كانت تجمع بين العلم والأدب، والثقافات العامة. ومن مظاهر اهتمام الإخشيد بمثل هذه المجالس العلمية والأدبية أن جعل داره مركزًا لتلك المجالس، وكثرت اجتماعاته مع سيبويه المصري ومناقشته إياه بأمور الفقه والعلم والفلسفة. وقد اعتنى خلفاء الإخشيد بتلك المجالس، واهتموا بها، فقد عني بها ابنه أنوجور، كذلك اعتنى بها كافور، حيث كان كافور له نظر في اللغة العربية والأدب، وكان يحرص على أن يكون بلاطه مجمع العلماء والأدباء، وأن يفوق في هذا الميدان بلاط الخليفة العباسي وسيف الدولة الحمداني. وكان فارس حلبة النثر الفني في العصر الإخشيدي إبراهيم بن عبد الله بن محمد النجيرمي. وقد زار مصر في العهد الإخشيدي بعض الشعراء المشهورين منهم أبو الطيب المتنبي… ونستكمل.
المراجع:
1 – العصور الوسطى الباكرة – تأليف نورمان كانتور – ترجمة د. قاسم عبده قاسم
دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية 1993م.
2 – تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – مكتب عين الجامعة – تأليف موريشبيشوب – ترجمة علي السيد علي- المجلس الأعلى للثقافة 2016م.
3 – تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – د. محمود سعيد عمران – دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع – صدر 2005م.
4 – الكامل في التاريخ – ابن الأثير – هيئة الكتاب المصرية 1998م.
5 – تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – تأليف سعيد عبد الفتاح عاشور 2015م
6 – موسوعة الحضارات المختصرة – تأليف محمود قاسم 2012م
7 – موسوعة تاريخ أوروبا – الجزء الأول – تأليف مفيد الزيدي 2003م
8 – تاريخ أوروبا في العصور الوسطى – تأليف د. إيناس محمد البهيجي 2017م
9 – ابن إياس – بدائع الزهور في وقائع الدهور – تحقيق محمد مصطفى – جمعية المستشرقين الألمانية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1982م
10 – ابن بطوطة – رحلة ابن بطوطة المسماة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” – دار الكتب العلمية – بيروت 1992م.
11 – ابن تغري – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة – دار الكتب والوثائق القومية – مركز تحقيق التراث، القاهرة 2005م.
12 – جاستونفييت – القاهرة مدينة الفن والتجارة – عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، القاهرة 2008م.
13 – تاريخ مصر الإسلامية – تأليف د. جمال الدين الشيال – دار المعارف – القاهرة 1966م.
14 – عواصم مصر – حسن الرزاز – دار الشعب – القاهرة 1995م.
15 – السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزي – دار الكتب – القاهرة 1996م.
16 – مماليك مصر والشام – د. شفيق مهدي – الدار العربية للموسوعات – بيروت 2008م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.