في سوريا، لا تستطيع أن تغمض عينيك قبل الإغماءة الأخيرة، ولا تستطيع أن تتنفس ملء رئتيك دون أن تملأ خياشيمك رائحة الفناء. يمكنك فقط أن تعد شهقاتك في انتظار موت لن يتأخر كثيرا. فالطائرات التي تغرد في سماوات ليست لها تضرب فوق أرضك كل متحرك، وترسم صلبانا فوق كل الهياكل حتى وإن امتلأت بغصات الجرحى وآهات المكلومين. فإن أتتك جارية حسناء لتغير شراشف مرقدك أو رباط معصمك، لا تنظر إليها نظرة اشتهاء، لأنك لا تعلم بين أي قصفين ستموت. العجز ليس مبررا للبقاء في بلاد لا تحتمل أنفاسك، ولا تعرف من فنون الحياة حرفة إلا القتل والقتل المضاد، ولا توزع على أبنائها إلا الشراشف والأكفان. لا تتهم أحدا قبل الرحيل. فقط، مدد أصابعك في كل الجهات، ونم نومتك الأخيرة بين أي حجرين في انتظار النسور أو النشور. لن تؤخر اتفاقية ميونخ شهقتك الأخيرة لأن أحدا من المجاهدين في سبيل الحمق لم يوقع عليها، ولا تصدق فيليب هاموند إن اتهم أو تصدق القيصر إن أنكر. استفت جرحك وإن أفتاك الغزاة وأفتوك. فكلهم شركاء في هدم معابدك ومشافيك وأضرحتك، وكلهم متفقون على فنائك، وإن تذرعوا بملاحقة إرهاب هم صانعوه في بلاد لم تعرف يوما إلا السلم والتعايش. من أين يأتي القصف، لا تكترث. لأنه لن يتسنى لك قراءة بلد المنشأ فوق علب الموت التي تتساقط فوق رأسك من كل مكان. شهيد أنت لا تعرف قاتلك، وهارب لا تعرف من يطاردك. لكنك على يقين أن الموت الذي تأخر عنك وخطف فلذات حلمك من تحت إبطيك لن يتأخر كثيرا، وأن الرايات التي ترفرف فوق سطح المشفى لن تحميك من زخات طائرات التحالف. الكل يحشد اليوم نحوك، وكأن شامك تنقصها الحشود. والكل يقصف وينكر ويتهم، ويقصف وينكر ويتهم. وبين كل قصف وإنكار واتهام، تنتظر الموت. يوم ثرت، ثارت العمامات السوداء عليك، وارتفعت الرايات السود انتصارا لك. فتلبدت سماوات حلمك بالغمام. وتحولت ثورتك البيضاء إلى إشارة اقتحام. ومن يومها، لم تعد تميز مصدر الطلقات ولا ملامح القاتل، حتى جاءك الروس من وراء السماحات ليزرعوا فدادين طموحك بالمتفجرات ويفخخوا الحلم الأمريكي البغيض عند قدميك. لم تكن تريد إلا الحرية، فجاءك الموت من كل مكان. وحين رفضت أن تبسط يديك لتشارك في ولائم القتل، جاءتك الرصاصة من الخلف. لكنك تحاملت على جرحك النازف حتى أويت إلى سرير لن يمنعك من الموت. فكل الطائرات الملونة في سمائك الكابية ترمي براميلها المتفجرة فوق مشافيك، لتقصف وتنكر وتتهم.

عبد الرازق أحمد الشاعر

عبد الرازق أحمد الشاعر

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.