محمد السني

ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، وكل من الليبرالية الكلاسيكية، والاجتماعية، والجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيون، والحملة الفرنسية، ولحظة الوعي الأولى، ومقالتي هذه عن مرحلة “التأصيل الفكري للحرية”.
كما أوضحنا سابقًا، أن محمد على رغم استبداده وأخطائه الكثيرة استطاع بناء الدولة المصرية الحديثة، ولكن ارتبط مشروعه النهضوي برغبته في بناء جيش حديث لتحقيق تطلعاته التوسعية والامبراطورية، فكان التصنيع والتعليم والتقدم العلمي والتطور الإداري من أجل خدمة الجيش المصري بالدرجة الأولى، لذا عندما تحالفت القوى الاستعمارية الغربية آنذاك ودمرت أسطوله البحري عام 1840م في نفارين، وفرضوا عليه تحديد أعداد جيشه، والاقتصار على حكم مصر حكمًا ذاتيًا وراثيًا، لم يستطع تحقيق نقلات حضارية نوعية للأمام، فرغم أن مصر خرجت بعد حكم محمد علي أكثر حداثة، وأقوى تماسكًا، وأكثر وعيًا وتفاعلًا مع العالم الخارجي، إلا أنها لم تستطع عمل نهضة إنسانية تتناسب مع المجهودات الهائلة التي بذلها محمد علي، والثمن الباهظ الذي دفعه الشعب المصري من دمه وعرقه وخيرات بلاده، وهو ما استطاعت المجتمعات الغربية تحقيقه عن طريق احداث نقلات حضارية نوعية متواصلة أثمرت مجتمعات الحرية والعدالة الاجتماعية، وكان من الأجدى والانفع لمصر العلوية اللحاق بها، وخاصة جوانبها العلمية والثقافية والإنسانية والحقوقية، لبناء مشروع نهضوي يهدف في الأساس إلى تحديث وتنمية وتطور المجتمع، والارتقاء بالإنسان باعتباره هدف وغاية أي عملية تنمية.
ورغم انتعاش الطبقة الوسطى المصرية إبان حكم محمد علي وما بعده، إلا أن الأجنحة الأكثر أهمية منها وهي الصناعية والتجارية لم تستطع التقدم للأمام بسبب نظام الاحتكار الزراعي والصناعي والتجاري الذي اتبعه محمد علي، ففي عام 1842 صدر قانون احتكار الأرض الزراعية في مصر الذي جعل من محمد علي المالك الوحيد لجميع أراضي مصر الزراعيه، وقد ورث محمد على من النظم القديمة إهداء معاونية أو من يتوسم فيهم النبوغ فى خدمة دولته الأراضي والإقطاعيات، وبعد تولي سعيد باشا عام 1854 حكم مصر، صدر ما يُعرف بالائحة السعيدية، وبدء بموجبها التصرف في جزء من تلك الأراضي لتنهي بعض الشيء نظام الاحتكار، هذا وكان التصرف بالبيع أحيانًا والهبة أحيانًا أخري، وفي أغلب التصرفات كان نظام الرهن، وذلك لما عاناه سعيد آنذاك من دين وبذخ، وتكاد تكون تلك اللائحة هي الأساس القانوني لأول ملكية زراعية في العصر الحديث في مصر، حيث تركزت الملكية الزراعية في نحو 2740 أسرة، وبذلك نشأت البرجوازية المصرية الزراعية، ولكن سادت مصر حالة من التفارت الطبقي الكبير، حيث امتلك أقل من نصف في المائة من الملاك الزراعيين 35% من الأراضي الزراعية، في حين وصل عدد المعدمين ممن لا يملكون أرضًا ولا يستأجرون أي مساحة نحو مليون ونصف مليون أسرة، بينما كان عدد سكان مصر في أول تعداد حديث له في عصر سعيد يتراوح بين خمسة وستة مليون نسمة، واستمرت تلك الحالة الاجتماعية لفترات طويلة، وهذه صورة نقلها عبد الله النديم في اللطائف عام 1882 يقول “رأيت الوفا من الأهالي جمعوا من كل المديريات لحفر رياح الخطاطبة كي يسقوا مزارع الخديوي وكان البرنس حسين باشا مفتشًا للوجه البحري، مر القواض على جواده معلنًا أن البرنس سيفاجئهم للتفتيش فهرع الملاحظون إلى قطع الأغصان الغليظة من الأشجار ونزلوا بها على جسوم الفعلة العارية فلا تسمع إلا الأنات والصراخ والنحيب ولا يظهرون من هذه الأجسام الملطخة بالطين سوى مواضع السياط، وكلما مر البرنس على مدير ورأى الأنفار تقع على الصخور وتغرق في الوحل وتُضرب على الوجوه قال للمدير (أفرين برافو برافو) فما انتهت الزيارة إلا وعدد الموتى قد بلغ الثلاثين بين مضروب بالسياط وغريق في الوحل”.
وبصدور قرار سعيد باشا بدخول أولاد العمد ومشايخ البلاد وأقاربهم في سلك الضباط في العسكرية، نشأت فئة برجوازية مصرية “عسرية” للمرة الأولى في مصر منذ قرون طويلة، وكان الضباط المصريون يتطلعون الى الرتب العسكرية العالية (مقدم وما فوق)، حيث كان البنباشي ينال شهريًا مرتبًا قدره ثلاثة آلاف قرش، والمقدم (القائمقام) ثلاثة آلاف وستمائة قرش، والأميرالاي (العقيد) يقفز فوق عشرة آلاف، وأمير اللواء الى خمسة عشرة ألف قرش، وفيما يخص الأميرالات (عرابي باشا مثلا) فان مرتبهم لا يتوقف عند زيادته بمقدار النصف (50%) فقط، بل ويتعداه الى نيل لقب الأميرالاي الذي يعني بحد ذاته نيل لقب الباشا السامي، وقد أكدت المستشرقة تشرنوفسكايا قائلة “كان معظمهم من الفلاحين الذين ينظرون الى الخدمة العسكرية بوصفها الوسيلة الوحيدة التي تمكنهم من الارتقاء الى درجة اجتماعية أعلى”، ولكن اصطدمت تطلعاتهم الاجتماعية والاقتصادية بالمعارضة الشديدة من قبل “الباشاوات الجراكسة”، فاتخذت طابع التمردات العكسرية داخل الثكنات، وشكل انضمام الضباط الى معسكر “اللائحة الوطنية” وموالاتهم “للحزب الوطني المصري” في أبريل 1879 غطاءًا قوميًا لتطلعاتهم وطموحاتهم، فضًلا عن نيلهم الدعم القوي من قبل رجال الإقطاع والأشراف الملتفين حول الخديوي إسماعيل، أي من “الجناح المدني للتنظيم الصاعد”، ولذلك تبني الضباط شعار “مصر للمصريين”، الذي لم يكن ليخرج عن عن نطاق ثكنات الضباط والجنود الذين كانوا مستعدين تمامًا للسير وراء زعمائهم وقادتهم، وما كان بإمكانه أن يكتسب شعبية واسعة بالقدر الذي يخرجه من السر إلى العلن لو لم يجد الغليان الشعبي انعكاسات له في أوساط اجتماعية قوية التأثير والفعالية، وتجدر الاشارة هنا الى إن البوزجوازية التي تشكلت في مطلع الربع الأخير من القرن التاسع عشر، يمكن اعتبارها “مصرية” مجازًا، ومن الحقائق المسلم بها أن الأجانب شكلوا القسم الأساسي من سكان المدن البورجوازيين، في حين كانت العناصر المختلطة بهم من المصريين أو الأجانب “المتمصرين” ممن يعدون على الأصابع، وكان التجار الوسطاء من الأوروبيين القادمين من جنوب وشرق المتوسط، ولذلك نطلق مجازا تسمية البورجوازية الوسيطة المصرية على أولئك الناس الذين تحكموا في الصادرات والواردات والأعمال المصرفية والتشييد والبناء والتجارة الداخلية والصناعة المتدنية.
اتسمت الأوضاع الداخلية المصرية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر أي قبل الثورة العرابية بالتدخل الأجنبي في شئون مصر بعد صدور قانون التصفية عام 1880، وعودة نظم المراقبة الثناثية (الإنجليزي الفرنسي)، ولجوء رئيس النظار رياض باشا إلى أساليب الشدة والعنف مع المواطنين المصريين، ومعارضة تشكيل مجلس شورى النواب، وسياسة ناظر الحربية عثمان رفقي الشركسي وانحيازه السافر للضباط الأتراك والشراكسة واضطهاده للضباط المصريين، وسوء الأحوال الاقتصادية نتيجة تخصيص مبالغ لسداد الديون للأجانب، وانتشار الوعي الوطني بين المصريين، كما أدخل الخديوي إسماعيل الجيش المصري سلسلة من المغامرات العسكرية الفاشلة في الحبشة وحرب القرم والمكسيك لأسباب سياسية خائبة، تلك المغامرات العسكرية أنهكت وحطمت الجيش المصري وأفقدته التأييد الشعبي وأثقلت كاهل الخـزانة المصرية بالديون مما أدى إلى إشهار افلاس مصر، وأكسـبت مصـر من الأعداء ما كانت في غنى عنه، وعندما أصدر عثمان رفقي باشا عددًا من القرارات التي اعتبرها الضباط المصريون تحيزًا للشركس في الجيش على حساب المصريين، وهي منع ترقية ضباط الصف المصريين والاكتفاء بخريجي المدارس الحربية، واستبدال بعض كبار الضباط المصريين بالشراكسة في المواقع القيادية بالجيش، أثارت تلك القرارات غضب الضباط المصريين واتهموا الشراكسة بالعمل على استعادة دولة المماليك ثم اجتمع الضباط المصريون على تقديم مذكرة لرياض باشا رئيس النظار وقعها عرابي واثنان من زملائه اشتملت على التظلم من انحياز عثمان رفقي للشراكسة، والمطالبة بتعديل قوانين الجيش للمساواة بين جميع الأجناس في الجيش، وتعيين ناظر للحربية من الوطنيين، والمطالبة بقيام مجلس نواب وطني كما وعد الخديوي إبان توليه، وزيادة عدد الجيش المصري إلى 18 ألفًا، ولم يتقبل الخديوي هذه المطالب وقرر القبض على عرابي وزملائه ومحاكمتهم عسكريًا حيث اعتبرهم من المتآمرين، وبالفعل اُستدعي عرابي وزملاؤه إلى ديوان الجهادية حيث تم اعتقالهم لبرهة قبل أن يقوم الضباط المصريون بتحريرهم بالقوة، ثم انضمت إليهم المزيد من وحدات الجيش المصري، إتصل عرابي بالقنصل الفرنسي لإعلامه بالأحداث و بقية القناصل الأجانب وطلب تدخلهم لإصلاح ذات البين، استجاب الخديوي لمطالبهم وعين محمود سامي باشا بعد تزكية عرابي له رغم كونه من الشراكسة وشرع محمود سامي في تعديل القوانين العسكرية وإصلاحها، ولكن سرعان ما عزله رئيس النظار وعين داوود باشا يكن مكانه، الذي اصدر عددًا من القرارات التي رفضها الضباط المصريون وقدموا مذكرة ثانية في صباح يوم الجمعة 9 سبتمبر 1881 يعلمون فيها الحكومة بقدوم كامل القوات المقيمة بالقاهرة إلى سراي عابدين في عصر نفس اليوم لعرض طلباتهم على الخديوي ثم خاطبوا القناصل الأجانب لتطمينهم على سلامة رعاياهم، وقد استجاب الخديوي لمطالبهم مرة ثانية فاسقط الوزارة وأنشأ “مجلسًا للنواب” وزاد عدد الجيش، وبذلك رضخ توفيق لمطالب الجيش حين رأى التفاف الشعب حول عرابي، وعزل رياض باشا من رئاسة النظار، وعهد إلى محمد شريف باشا بتشكيل الوزارة وتشكلت بذلك أول نظارة شبه وطنية في تاريخ مصر الحديث، نقول هنا أن الوزارة كانت شبه وطنية بسبب أن محمد شريف باشا كان من أصول شركسية إلا أنه كان رجلًا كريمًا مشهودًا له بالوطنية والاستقامة، فألف وزارته في 14 سبتمبر 1881م، وتم تعيين محمود سامي البارودي ناظرًا للجهادية وهو أول مصري يتولي هذا المنصب، وسعى لوضع دستور للبلاد، ونجح في الانتهاء منه وعرضه على مجلس النواب الذي أقر معظم مواده، ثم عصف بهذا الجهد تدخل إنجلترا وفرنسا في شؤون البلاد بعد أن إزدادت ضغوط الدول الأوربيه الدائنة على مصر التي باتت يتعين عليها دفع ما يقرب من ثلث دخلها القومى سنويًا لسداد الديون، وأصرت بريطانيا وفرنسا على إدارة شؤون الخزانة المصرية باعتبارهما أكبر الدائنين، وبالفعل تم فرض تعيين مفتشين ماليين على شئؤون الخزانة المصرية أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي، وكرد فعل لكل هذه الضغوط أصر مجلس الأعيان برئاسة محمد سلطان باشا على تغيير وزارة محمد شريف باشا التي قبلت بكل هذه التدخلات في شئون مصر الداخلية، وتأزمت الأمور، وتقدم محمد شريف باشا باستقالته في 2فبراير 1882م، وتشكلت حكومة جديدة برئاسة محمود سامي البارودي، وشغل عرابي فيها منصب ناظر الجهادية (وزير الدفاع) ونائب رئيس مجلس النظار، وقوبلت نظارة “البارودي” بالارتياح والقبول من مختلف الدوائر العسكرية والمدنية، لأنها كانت تحقيقًا لرغبة الأمة، ومعقد الآمال، وكانت عند حسن الظن، فأعلنت الدستور، وصدر المرسوم الخديوي به في 7 فبراير 1882م، غير أن هذه الخطوة الوليدة إلى الحياة النيابية تعثرت بعد نشوب الخلاف بين الخديوي ووزارة البارودي حول تنفيذ بعض الأحكام العسكرية، وتصاعد هذا الخلاف فاشتدت الأزمة وتعقد الحل، ووجدت بريطانيا وفرنسا في هذا الخلاف المستعر بين الخديوي ووزرائه فرصة للتدخل في شئون البلاد، فبعثتا بأسطوليهما إلى شاطيء الإسكندرية بدعوى حماية الأجانب من الأخطار، وذلك تمهيدًا لإحتلال مصر.
وتظهر هنا شخصية الخديوي توفيق الذي أخذ يبالغ في تصوير الموقف للأوروبيين بأنه شديد الخطورة على مصالحهم حيث أن عرابي حسب وصفه كان وطنيًا متطرفًا يكره كل ما هو أجنبي ويهدف إلى طرد كل الأجانب من مصر، تحمست بريطانيا بالذات لفكرة التدخل العسكري في مصر لقلقها من ناحية فرنسا التي كانت قد استولت لتوها على تونس، كذلك شعرت بريطانيا أن طريق مواصلاتها إلى الهند الذي يمر عبر قناة السويس قد بات مهددًا وأنه أصبح يتعين عليها سرعة التحرك قبل أن تتجه فرنسا شرقًا أو حتى روسيا جنوبًا التي كانت تنتظر بترقب انحدار الدولة العثمانية وتحلم بالتوسع جنوبا للتحكم في مضايق البحر الأسود، في البداية إتفقت بريطانيا وفرنسا على التحرك سويًا، وتم إرسال أسطول بريطاني فرنسي مشترك إلى الإسكندرية على سبيل الإنذار للحكومة المصرية، إلا أن هذا الإنذار جاء بنتيجة عكسيه تمامًا حيث أنه أدى إلى ازدياد شعبية عرابي في مصر والتفاف الناس من حوله من كل الطبقات، استمر كل من السلطان عبد الحميد الثاني والخديوى توفيق في سياستهما المعتادة في اللعب مع كل الأطراف، ولم يكد يحضر الأسطولان الإنجليزي والفرنسي إلى مياه الإسكندرية حتى أخذت الدولتان تخاطبان الحكومة المصرية بلغة التهديد والبلاغات الرسمية، ثم تقدم قنصلا الدولتين إلى البارودي بمذكرة مشتركة في 25مايو 1882، يطلبان فيها استقالة الوزارة، وإبعاد عرابي وزير الجهادية عن القطر المصري مؤقتًا مع احتفاظه برتبه ومرتباته، وإقامة علي باشا فهمي وعبد العال باشا حلمي (وهما من زملاء عرابي وكبار قادة الجيش) في الريف مع احتفاظهما برتبتيهما ومرتبيهما، فكان رد وزارة البارودي رفض هذه المذكرة باعتبارها تدخلًا مهينًا في شئون البلاد الداخلية، وطلبت من الخديوي توفيق التضامن معها في الرفض، إلا أنه أعلن قبوله لمطالب الدولتين، وإزاء هذا الموقف قدم البارودي استقالته من الوزارة، فقبلها الخديوي، غير أن عرابي بقى في منصبه بعد أن أعلنت حامية الإسكندرية أنها لا تقبل بغير عرابي ناظرًا للجهادية، فاضطر الخديوي إلى إبقائه في منصبه، وتكليفه بحفظ الأمن في البلاد، غير أن الأمور في البلاد ازدادت سوءًا بعد حدوث مذبحة الإسكندرية التي قتل فيها حوالي خمسين أوروبيًا وأصيب خلالها أيضًا أحد ضباط الأسطول البريطاني، وتطورت الأحداث بسرعه في صيف عام 1882 ومع ظهور الأسطول البريطاني الفرنسي المشترك في مياه الإسكندرية إزدادت سخونة الأحداث، ووجدت إنجلترا وفرنسا في أحداث الإسكندرية فرصة سانحة للتدخل واتهمتا “عرابي” في التسبب في حدوث هذه الأحداث حيث اعتبرتاه المسئول عن تحريض المصريين ضد الأجانب.
في السابع من يوليو 1982 وجدت بريطانيا الذريعة التي كانت في انتظارها، وكانت الحكومة المصرية قد نصبت بعض المدافع على قلعة الإسكندرية فاعتبرت بريطانيا أن هذا عملًا عدائيًا ضد حكومة صاحبة الجلالة، وفي10 يوليو 1882، وجه قائد الأسطول البريطانى إنذارًا للحكومة المصرية لتسليم القلعة للأسطول البريطاني وإلا سوف تُضرب الإسكندرية من البحر، مارس الخديوي توفيق لعبته المعتادة حين قابل “عرابى” وشجعه على مقاومة المعتدين بينما كان قد إتصل سرًا بقائد الأسطول البريطانى ودعاه إلى الهجوم على عرابى، لم يقبل “عرابى” الإنذار البريطانى وانتظر تنفيذ البريطانيين لتهديدهم، وبالفعل بدأ الإنجليز في ضرب الأسكندريه يوم 12 يوليو 1882 ونزلت قواتهم إليها في اليوم التالي بعد أن قرر “عرابى” أن يسحب قواته منها وأن يتحصن عند كفر الدوار، وحين سمع الخديوي توفيق بانسحاب “عرابى” أمام الإنجليز تشجع وظهر على حقيقته حيث أعلن أن “عرابى” متمردًا في الرابع والعشرين من يوليو، وبدلًا من أن يقاوم الخديوي المحتلين، استقبل في قصر الرمل بالإسكندرية الأميرال بوشامب سيمور قائد الأسطول البريطاني، وانحاز إلى الإنجليز، وجعل نفسه وسلطته الحكومية رهن تصرفهم حتى قبل أن يحتلوا الإسكندرية، فأثناء القتال أرسل الإنجليز ثلة من جنودهم ذوي الجاكتات الزرقاء لحماية الخديوي أثناء انتقاله من قصر الرمل إلى قصر رأس التين عبر شوارع الإسكندرية المشتعلة، ثم أرسل الخديوي إلى “أحمد عرابي” في كفر الدوار يأمره بالكف عن الاستعدادات الحربية، ويحمله تبعة ضرب الإسكندرية، ويأمره بالمثول لديه في قصر رأس التين، ليتلقى منه تعليماته، ثم صارت المواجهة مكشوفة بين كل الأطراف منذ ذلك التاريخ، رفض عرابي الانصياع للخديوي بعد موقفه المخزي، وبعث إلى جميع أنحاء البلاد ببرقيات يتهم فيها الخديوي بالانحياز إلى الإنجليز، ويحذر من اتباع أوامره، وأرسل إلى “يعقوب سامي باشا” وكيل نظارة الجهادية يطلب منه عقد جمعية وطنية ممثلة من أعيان البلاد وأمرائها وعلمائها للنظر في الموقف المتردي وما يجب عمله، فاجتمعت الجمعية في17يوليو 1882، وكان عدد المجتمعين نحو أربعمائة، وأجمعوا على استمرار الاستعدادات الحربية ما دامت بوارج الإنجليز في السواحل، وجنودها يحتلون الإسكندرية، وكان رد فعل الخديوي على هذا القرار هو عزل عرابي من منصبه، وتعيين عمر لطفي محافظ للإسكندرية بدلًا منه، ولكن عرابي لم يمتثل للقرار، واستمر في عمل الاستعدادات في كفر الدوار لمقاومة الإنجليز، وبعد انتصار عرابي في معركة كفر الدوار أرسل عرابي إلى يعقوب سامي يدعوه إلى عقد اجتماع للجمعية العمومية للنظر في قرار العزل، وفي 22يوليو 1882، عُقد اجتماع في وزارة الداخلية حضره نحو خمسمائة من الأعضاء، يتقدمهم شيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومُفتيها، ونقيب الأشراف، وبطريرك الأقباط، وحاخام اليهود، والنواب، والقضاة، والمفتشون، ومديرو المديريات، وكبار الأعيان وكثير من العمد، فضلا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة، وفي الاجتماع أفتى ثلاثة من كبار شيوخ الأزهر، وهم “محمد عليش” و”حسن العدوي”، و”الخلفاوي” بمروق الخديوي عن الدين، لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده، وبعد مداولة الرأي أصدرت الجمعية قرارها بعدم عزل عرابي من منصبه، ووقف أوامر الخديوي ونظاره وعدم تنفيذها لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف، وفي تلك الأثناء صدر منشور من السلطان عبد الحميد الثاني يعلن عصيان أحمد عرابي، ثم وقعت معركة التل الكبير في 13 سبتمبر 1882 واستغرقت أقل من 30 دقيقة، حيث فاجأ الإنجليز القوات المصرية المتمركزة في مواقعها منذ أيام والتي كانت نائمة وقت الهجوم، وألقي القبض على أحمد عرابي، ثم واصلت القوات البريطانية تقدمها السريع إلى القاهرة التي استسلمت حاميتها بالقلعة بقيادة خنفس باشا عصـر نفس اليوم، وكان ذلك بداية الاحتلال البريطاني لمصر الذي دام أربعة وسبعين عاماً، وبعد دخول الإنجليز القاهرة في 14 سبتمبر 1882 ووصول الخديو قصر عابدين في 25 سبتمبر 1882 تم عقد محاكمة لعرابى وبعض قواد الجيش في المعركة وبعض العلماء والاعيان وتم الحكم عليهم في 3 ديسمبر 1882 بالنفى إلى جزيرة سيلان (سريلانكا حاليا).
واكب تلك التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ظهور حركة إصلاحية شاملة عبرت عن البرجوازية المصرية الوليدة، فإذا كان الشيخ الطهطاوي قد غرس بذرة الحرية في لحظة الوعي المصرية الأولى، التي واكبت نهضة محمد على وبناء مصر الحديثة، كما أسلفنا سابقًا، فإن الشيخ الإمام محمد عبده جسد الحرية بفكره وسلوكه في تلك الحظة الهامة في وعي الأمة المصرية، وقد عبرت عن نفسها في جميع مجالات الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقد ظهرت أهم أفكار الإمام محمد عبده في كتاب رسالات التوحيد، الذي نشر عام 1897م، وتفسيره لأجزاء من القرآن الكريم، ومجموعة دراسات نشرت في جريدة المنار عام 1901م، عن الدين الإسلامي والدين المسيحي وعلاقتهما بالعلوم والحضارة الحديثة، تعلم محمد عبده اللغة الفرنسية بعد سن الأربعين، وكان يقرأ الأدب الفرنسي بلغة بلاده، وعندما زار سويسرا، حرص على حضور محاضرات عن علم الإخلاق والتاريخ والفلسفة والتعليم في جامعة جنيف، كما كان معجبًا بهربت سبنسر، وقام بزيارته في إنجلترا، وترجم بعض أعماله المنشورة بالفرنسية، وكان معجبًا أيضا بالكاتب الروسي تولستوي، وقام بمراسلته، وكان يقوم من حين لآخر بزيارة أوروبا، لأن مثل هذه الزيارات كانت تبعث الأمل في نفسه، وتجعله يعتقد بأن العالم الإسلامي من الممكن إيقاظه من سباته العميق، وإنقاذه من كبوته، حيث آمن محمد عبده بحرية الإنسان في العدل والمساواة، وفي الحقوق والواجبات، وأولى هذه الحقوق حق المعرفة للخروج من حالة التخلف الحضاري، وامتلاك أدوات العلم والمعرفة، باعتبارها شروطًا أولية للحرية لا تتحقق إلا بها، ومن هنا آمن بحرية الإنسان في التعبير عن نفسه وفي اختياره، كطريق لا بد منه في عملية تحديث شاملة، تهدف لإحياء المجتمع والخروج به من حالة الجمود والتخلف، عن طريق الإيمان بالفرد كأساس للمجتمع السليم والحديث، وهو ما يعرف حاليًا بالتنمية البشرية في أدبيات الفكر المعاصر، لقد جسد الإمام الشيخ محمد عبده كأحد أهم رواد التجديد الديني والاجتماعي في مصر القرن العشرين، جسد الحرية كقيمة بفكره وسلوكه، لإيمانه العميق أن الإسلام دين يؤمن بالتعددية الدينية والثقافية وبالاختلاف كحكمة إلهية ضرورية لاستمرار الحياة، كما في قوله تعالى في سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” وأنه سبحانه وتعالى لم يجبر الجمادات علي الاعتراف به كخالق بل منحها حق الاختيار، فقال تعالى في سورة فصلت “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”، وإذا كان الاختيار في حق الجمادات محمودًا، فما ظنكم به في حق الإنسان، الذي أكد سبحانه وتعالى على حقه في الاختيار الحر، في أن يكون مؤمنًا بالله أو كافرًا به مشدد على عدم الإكراه في الدين، الذي يتنافى مع طبيعة الحرية والاختيار، وهذا ما جاء في قوله تعالى في سورة يونس “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ”، وفي قوله تعالى في سورة البقرة “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”، وذكر أن القتال الذي ندب إليه الإسلام، ليس لغاية إحراز التقدم وبسط الدين بالقوة والإكراه، بل لإحياء الحق والدفاع عن أنفس متابعة للفطرة وهو التوحيد، وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس فخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر، فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال، فالإشكال ناشئ عن عدم التدبر، ويظهر مما تقدم أن الآية أعني قوله “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” غير منسوخة بآية السيف كما ذكر بعضهم، ومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها، أعني قوله “قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم، فإن الحكم باق ببقاء سببه، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الإسلام أمر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف، فإن قوله “اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ” مثلاً، أو قوله تعالى “قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ” لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئًا حتى ينسخا حكمًا معلولاً لهذا الظهور، وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” بظهور الحق، وهو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله، فهو ثابت على كل حال، فهو غير منسوخ.
كان الإمام الراحل محمد عبده من أشد المدافعين عن حقوق المرأة وعن استقلالها فى العمل والمال والاقتصاد، فنادى بضرورة تعلم المرأة، ونادي بعدم تعدد الزوجات في حالة إذا ما كان الرجل غير قادرًا على تحقيق العدل بين الزوجات، بل ورأى أنه من الصعب أن يتحقق العدل للمرأة في ظل تعدد الزوجات، وأن في ذلك من المفاسد التي لا تحصى، أما عن الحجاب والنقاب، فقد رأى أن النقاب عادة ناتجة عن الاختلاط بأمم أخرى وليس من الشرع الإسلامي.. وكان لمشروع محمد عبده التنويري أثرًا بالغًا في تمهيد الأجواء نحو نهضة فنية وموسيقية في مصر، حيث يقول د. أسامة عفيفي في مقال بعنوان (الموسيقى العربية الكلاسيكية ــ الخلفية التاريخية)، ” لقد تميزت هذه الفترة بنهضة فكرية هائلة كانت الريادة فيها للمبدعين المصريين، ولم تنشأ هذه النهضة من فراغ بل مهد لها كتابات الشيخ محمد عبده وغيره من رواد الفكر السياسي الذين وضعوا بدايات عصر التنوير والخروج من الجمود الفكري إلى التحرر السياسي والاجتماعي، وكان الشيخ الإمام محمد عبده من أوائل من شجعوا الموسيقار “داود حسني” عندما سمع عن موهبته الغنائية وتنبأ له بمستقبل كبير في عالم الفن والموسيقى، وقد تحققت نبوءة الشيخ فيه، حتى وصف النقاد الموسيقار داود حسني بأنه “المؤسس الرئيسي للتراث الخالد لفن الموسيقى المصرية”، وليبرالية الشيخ محمد عبده وانفتاحه وإيمانه بالحرية كقيمة إنسانية جعله يسارع في تشجيع موهبة الموسيقار داود حسني مع أنه كان يهوديًا مصريًا”.. وأنكر الإمام على الفئة المقلدة المحافظة في جمود وخاصة رجالات الأزهر يومئذ، اطراحهم العلوم الكلامية في الوقت الذي يعد فيه النظر العقلي لتحصيل الإيمان هو الأصل الأول للإسلام وبلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة : أن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه ومات طالبًا غير واقف عند الظن ، فهو ناج، هذا فضلا عن أن أكابر المحققين ومنهم الإمام الغزالي وفخر الدين الرازي قالوا أن تعلم العلوم الكلامية والمنطقية من فروض الأعيان، وأطبق جميع العلماء على أنها من فروض الكفاية، ولا بد أن تستوقفنا محاولات الشيخ الإمام إصلاح التعليم في الأزهر حيث أراد أن يعلم في هذا الجامع شيئًا نافعًا بدلا من الشروح العتيقة البالية الخالية من المعنى فوجد نفسه وحيدًا ليس له من الأساتذة من يساعده ولا من دعاة الخير من ينصره بل إن الدعوة إلى إصلاح الأزهر هوجمت ووصفت بأنها ترمي أن يُحول هذا المسجد العظيم إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره، فحين حاول إقناع شيخ الأزهر آنذاك بأن يأمر بتدريس مقدمة ابن خلدون في الأزهر بعد أن وصف له فوائدها ما شاء الله أن يصف، فلم يصادف قبولًا لأن العادة لم تجر بذلك!! وحين دعا إلى إدخال الجغرافيا ضمن علوم الأزهر توجهت نحوه الألسنة والأقلام بالاتهامات وأنه إنما يريد الغض من علوم الدين، وحين قدم اقتراحًا لإصلاح المحاكم الشرعية قال فيه أنه ينبغي أن يعين القضاة في مصر من أهل المذاهب الأربعة لأن أصول هذه المذاهب متقاربة وقال إن الضرورة قاضية بأن يؤخذ في الأحكام ببعض أقوال من مذهب مالك أو مذهب الشافعي تيسيرًا على الناس ودفعًا للضرر والفساد، فقام كثير من المتورعين يحوقلون ويندبون حظ الدين، كأن الطالب يطلب شيئًا ليس من الدين مع أنه لم يطلب إلا الدين، ولم يأت إلا بما يوافق الدين، وما ذلك إلا لأن أنصار الجمود من المسلمين قالوا : يولد مولود في بيت رجل من مذهب إمام فلا يجوز له أن ينتقل من مذهب أبيه إلى مذهب آخر، ليوقعوا الأمة فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين، ولتكون حروب جدال بين أئمة كل مذهب بدلًا من صرف آلاتها وقواها في تبيين أصول الدين ونشر آدابه وعقائده الصحيحة بين العامة، ومن الجلي أنه ما كانت لتكون آراء الأستاذ الإمام المتقدمة على هذا النحو لولا إيمانه بأحد أهم أصول الأحكام في الإسلام، وهو البعد عن التكفير، فقد أوضح الإمام أنه مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم، أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر، ويؤكد الشيخ الامام أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثاني تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل، وقد ذهب الإمام إلى أن العلوم المنطقية إنما وضعت لتقويم البراهين وتمييزًا للأفكار غثها من ثمينها، وأن العلوم الكلامية إنما هي أحكام لتأييد القواعد الدينية، بالأدلة العقلية القطعية، كما كتب الإمام في جريدة الأهرام عام 1876م يقول، بأن رجال الدين الإسلامي، وهم روح الأمة الإسلامية، فشلوا في إدراك فائدة العلوم الحديثة، وشغلوا أنفسهم بموضوعات لم يعد تناسب العصر الحديث، ويجب علينا نحن المسلمون، بجانب دراستنا للدين الإسلامي، دراسة الأديان الأخرى ودراسة التاريخ وحضارة الدول الأجنبية المتقدمة، لمعرفة سر تقدمهم، لأنه ليس هناك سبب آخر لثراء هذه الدول وقوتها، سوى تقدمها في العلوم والإدارة والتعليم، لذلك واجبنا الأول هو العمل على نشر هذه العلوم في بلادنا بكل الوسائل، كما رفض فكرة قفل باب الإجتهاد أو التقيد بفتاوي الإجماع، وكان يعتقد بإصرار أن من حق كل جيل العودة إلى مصادر الإسلام الأولى، القرآن الكريم وصحيح الحديث والسنة، وفهمهم في ضوء ظروف العصر الذي نعيش فيه، لأن كل عصر وكل جيل لديه مشاكلة الخاصة به، لكنه اشترط أن يكون الأساس في فهم مصادر الإسلام الأولى، هو العقل والمنطق، لأنه بدون استخدام العقل والمنطق، يصبح من السهل التغرير بالمسلمين وخداعهم وقيادتهم في الإتجاه الخاطيء، وكتب يقول أنه لو تعارض العرف مع العقل، فإننا نكون أمام أمرين، إما أن نأخذ ونسلم بصحة العرف، ونعترف بعجزنا في فهم معناه ونترك الأمر لله، أو نقوم بإعادة تفسير العرف بما يتفق مع العقل والمنطق، وهذا أصلح وأجدى للمسلمين.
سعى الإمام محمد عبده إلي التوفيق بين أصول الإسلام وبين الواقع، وبالتالي أفسح الباب أمام العقل لكي يتعامل بحرية مع النص الديني، وتجاوز بذلك أفق الفكر الضيق المحدود الذي سيطر علي الفكر الإسلامي منذ القرن العاشر الهجري حيث سيطرت الشروح والمتون والحواشي، وخف صوت الإبداع والإضافة الحقيقية والتجديد الصحيح وسادت مقولة “إغلاق باب الاجتهاد”، وهي مدرسة مستقلة بالفكر والنظر، ثم بالعمل في مجال الإصلاح، وهذا ما يميزها بمذهب بين مدارس الفلسفة الإسلامية، فلا يتيسر ضمها إلي طائفة منها تسمي باسمها، وبذلك تنفصل هذه المدرسة عن سائر المدارس في تراثنا، جملة القول إنها مدرسة إنسانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وذلك حيث حرص رواد هذه المدرسة علي احترام حقوق الإنسان باعتباره خليفة في الأرض، فأعلوا من شأن العقل وجعلوا أحكامه مقدمة علي النص الديني في حالة التعارض، وسعوا إلي تقديم رؤية إنسانية حضارية للإسلام لا تتناقض مع العقلانية والحرية، وكان دائم القول أن حب الوطن يدفعنا إلى الحفاظ على وحدته، هذه الوحدة لا تأتي إلا عن طريق المساواة في في الحقوق والواجبات لكل المواطنين، بغض النظر عن عقيدتهم.
ونتيجة لتلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية وتطور أنظمة الحكم والإدارة في المجتمع، ظهرت الأحزاب بشكل تدريجي وعبر مراحل متتالية، وبدأت الأفكار الأولى للتجمعات والتنظيمات السياسية فى شكل جمعيات سرية، مثل “الحزب الوطني المصري” الذي تصادف اقتران اسمه بكلمة حزب، وجمعية “مصر الفتاة” التي أسسها فى الإسكندرية “علي الروبى” وجمعت عددًا من الضباط المصريين الغاضبين على فقد مصر لبعض الفرق العسكرية المهمة فى حرب الحبشة (1875-1881)، ومن بين هؤلاء الضباط أحمد عرابى، ثم توالى ظهور التجمعات ذات الأهداف السياسية ومنها “جمعية المودة” التى تكونت عام 1894، وكان نشوء الجمعيات والتجمعات السياسية بمثابة إرهاصات اجتماعية وسياسية سبقت ظهور الأحزاب السياسية فى مصر، فقد شهدت الفترة التي سبقت قيام الأحزاب وواكبتها صدور عدد من المجلات والجرائد المنتظمة مثل الوطن والمؤيد والمقطم والأهرام واللواء والجريدة وغيره، علاوة عن صدور أعداد هائلة من الجرائد والمجلات غير المنتظمة، وكانت تعبر عن آراء سياسية وأعمال فكرية ذات قيمة عالية، واقتصر الاشتغال بالسياسة والعمل الحزبي في مصر تقريبا علي الأعيان (كبار و متوسطي ملاك الأراضي الزراعية) والأفندية وهم طبقة المثقفين المصرية، وتنوعت التيارات السياسية العامة في مصر في فترة ما بعد الاحتلال البريطاني وحتي قيام الحرب العالمية الأولي عام 1914م لتصب في تيارين رئيسيين، التيار الأول كما أسلفنا هو تيار ديني مستنير ويتزعمه الشيخ الإمام محمد عبده، وكان هذا التيار يتمثل الاعتدال الكبير وأبدي قدر كبير من قبول التفوق الأوروبي والاقتباس منه وخاصة في الجانب العلمي منه، والتيار الآخر هو التيار الوطني الليبرالي الداعي إلي اقتباس أساليب التفوق الأوروبي، و يتزعمه نخبة من الشبان الذين تلقوا تعليمهم في أوروبا ومنهم أحمد لطفي السيد ومصطفي كامل، وتصنف الأحزاب المصرية التي قامت في الفترة بين عامي 1907 و 1914 إلي ثلاثة أقسام، القسم الأول هو أحزاب اليمين مثل حزب الإصلاح علي المباديء الدستورية بتأييد الخديوية، و حزب الأحرار بتأييد استمرار الاحتلال البريطاني، وحزب النبلاء الذي عبر عن الرغبة في عودة السيادة للعناصر التركية والشركسية.. والقسم الثاني مجموعة الوسط وهي التي عبرت عن الواقع السياسي والفكري لغالبية أبناء الشعب، وضم الأحزاب الأكثر شعبية وتأثيرًا في نشأة وتطو الحياة الحزبية في مصر، وأهمهم حزب الأمة الذي نشأ في سبتمبر 1907، وترأسه حسن باشا عبد الرازق وشغل أحمد لطفي السيد منصب السكرتيرالعام للحزب، وانطلق فكر الحزب من اعتبار أن الاحتلال أمر واقع يجب العمل علي تغييره تدريجيًا عن طريق المشاركة في السلطة وتدريب الكفاءات الوطنية لتولي الوظائف العامة، وكانت وجهة نظره أن الاحتلال ليس سببا لضعف الأمة ولكنه انعكاس لهذا الضعف، وبالتالي فإن مقاومته لا تكون إلا بنهضة الأمة ونشر التعليم ورفع مستوي الوعي الوطني التي تعد كلها شروطًا للحصول علي الاستقلال، وكان مفهوم الاستقلال عنده يشمل الاستقلال عن الدولة العثمانية وعن إنجلترا معًا، ولذلك رفض شعار الجامعة الاسلامية ورفع شعار القومية المصرية، ولكن نجد أن موقف حزب الأمة من الاحتلال البريطاني هو إرجاء البت في مسألة الاستقلال التام لمصر على اعتبار أن مصر ليست مستعدة بعد لتولي شؤون نفسها، كما أنه لم يطالب بوضع دستور للبلاد وإنما اكتفي بطلب توسيع سلطات و صلاحيات مجلس شوري القوانين، مما دعى الكثير من المؤرخين إلي محاولة إثبات علاقة الاحتلال بنشأة حزب الامة وتحريضه له ليقوم بهذا الدور، ويقول يونان لبيب رزق في كتابه ” الحياة الحزبية في مصر” أن خطاب مستر فندلي ممثل المعتمد البريطاني في مصر لوزارة الخارجية البريطانية عام 1906 قبل نشأة حزب الأمة بسبعة أشهر يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن سلطة الاحتلال كانت ترسم الخطوط العريضة لأهداف الحزب والدور الذي يجب ان يلعبه في الحياة السياسية المصرية مثل “عدم الهجوم علي الاحتلال أو الإشارة إلي الرغبة في إنهائه”.. وظل الحزب الوطني، كما يقول دكتور لبيب رزق هو “حزب الواقع بكل ما يحمله الواقع من مميزات ونقائص”، وهو ثالث حزب أُنشأ بعد حزب الأمة وحزب الإصلاح علي المباديء الدستورية، ولكن الحزب الوطني اختلف في نشأته عن الأحزاب الأخري لأنه اصطدم بالمشاكل الطبيعية التي تواجه أي حركة وطنية عندما تتحول إلي حزب سياسي، ومن اهم تلك المشاكل أنها تريد ان يكون هذا الحزب هو الممثل الوحيد للحركة الوطنية مثلما كانت تتزعم المسيرة الوطنية وحدها من قبل، وتكون برنامج الحزب من عشرة مباديء شهيرة، أولًا استقلال مصر مع سودانها وملحقاتها استقلالًا تامًا غير مشوب بأية حماية أو وصاية أو سيادة أجنبية أو أي قيد يقيد هذا الاستقلال، وثانيًا إيجاد حكومة دستورية في البلاد حيث تكون السيادة للأمة، وتكون الهيئة الحاكمة مسئولة أمام مجلس نيابي تام السلطة، وثالثًا احترام المعاهدات الدولية والاتفاقات المالية التي ارتبطت بها الحكومة المصرية لسداد الديون احترامًا لا يمس سيادة البلاد، ورابعًا نقد الأعمال الضارة بكل صراحة والاعتراف بالأعمال النافعة وتشجيع عناصرها، وخامسًا السعي في تحسين الأحوال الصحية والعمل علي ترقية الأحوال الاجتماعية، وسادسًا العمل علي نشر التعليم في جميع البلاد علي أساس وطني صحيح بحيث ينال الفقراء نصيبهم منه، والحث علي تأسيس معاهد العمل وإرسال الرسالات العملية وفتح المدارس الليلية للصناع والعمال، وسابعًا ترقية الزراعة والصناعة والتجارة وكل مرافق الحياة، وثامنًا نقد الأعمال الضارة بكل صراحة والاعتراف بالأعمال النافعة والتشجيع عليها وإرشاد الحكومة إلي خير الأمة ورغباتها والإصلاحات اللازمة لها، وتاسعًا المحافظة علي روابط المحبة والصفاء بين الوطنيين والأجانب، وعاشرًا إحكام العلاقات الودية وتبادل الثقة بين مصر والدول الأخرى.. والقسم الثالث هو أحزاب اليسار أو الأحزاب الراديكالية ومنها الحزب الجمهوري والأحزاب الاشتراكية، وكانت هذه تعد الموجة الأولي من قيام الأحزاب في مصر والتي امتدت حتى قيام ثورة عام 1919م، لتدخل مصر بعد ذلك في مرحلة الزخم الفكري والثقافي والوطني، الذي تصدره تلامذة الشيخ الإمام محمد عبده، وهو موضوع مقالتنا القادمة.

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.