ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، وكل من الليبرالية الكلاسيكية، والاجتماعية، والجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيين، والحملة الفرنسية، ولحظة الوعي المصرية الأولى، ومرحلة التأصيل الفكري للحرية، ومقالتي هذه عن “مرحلة الزخم التنويري “.
أوضحنا سابقًا كيف تشكلت البرجوازية المصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد استمرت نفس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ظل الاحتلال الإنجليزي، ويكاد لم يطرأ عليها تغيير كبير في النصف الأول من القرن العشرين، وفي سنوات الحرب العالمية الأولى كثرت حالات مصادرة ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول لأجل المساهمة فى تكاليف الحرب، كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التى تتناسب مع متطلبات الحرب، وعلى القيام ببيع المحاصيل بأسعار تقل كثيرًا عن الأسعار السائدة، وتم تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسرى للمشاركة فى الحرب فيما سمي “فرقة العمل المصرية” التى استخدمت فى الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال فى سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها، وفى الوقت نفسه شهدت هذه الفترة ارتفاعا للأسعار بشكل ملحوظ، وارتبط ذلك أيضا بنقص حاد فى السلع الأساسية، وأدت تلك الأوضاع إلى تدهور الأحوال المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، وعلى الجانب الآخر كان هناك استياء من قبل كبار الملاك بسبب تدخل السلطات فى نوع المحصول على حساب زراعة القطن ولصالح السلع الغذائية وأهمها القمح، رغم أن هذه الطبقة قد استفادت من ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بما فيها القطن والسلع الغذائية، ومن ناحية أخرى، أدت سنوات الحرب إلى ازدهار بعض أقسام الرأسمالية المصرية بسبب إغلاق الطرق البحرية، ومن ثم صعوبة وردود المنتجات الأجنبية، وهو ما أتاح فرصة للتوسع الصناعى والتجارى، وبشكل عام ارتفعت معدلات العمالة خلال سنوات الحرب، غير ان هذا التوسع تزامن مع زيادة الأسعار ونقص الغذاء كما أسلفنا، إضافة إلى تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التى تحرم التجمهر والإضراب، فقد شهدت الفترة منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب، قدرًا من النمو فى حجم الطبقة العاملة بسبب تدفق الاستثمارات الأجنبية والتوسع فى شبكات النقل، ومنذ بداية القرن العشرين حتى نشوب الحرب، خاض عمال الصناعة والنقل عددًا من الإضرابات للمطالبة برفع الأجور وتقليل ساعات العمل، كما تشكل عدد من النقابات للدفاع عن حقوق العمال مثل الرابطة الدولية لعمال السجائر والورق فى القاهرة، ونقابة عمال الصناعة اليدوية، ولكن مع نشوب الحرب تم إجهاض النشاط النقابى وأصبح العمال عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم، ورغم الأوضاع الاجتماعية الطبقية الحادة، إلا أن الاحتلال الإنجليزي لمصر أجج المشاعر الوطنية، وإمتد نطاق الإهتمام بقضايا الوطن ليشمل كافة أرجاء المحروسة، ممتزجًا برغبة عارمة في تحرير الوطن، وجعل قضية “التحرر الوطني” القضية المحورية للأمة، مما خلق مناخًا ملائمًا لنمو الأفكار المتعددة والمتنوعة، المتنافسة أحيانًا والمتسارعة أحيانًا أخرى، وتولدت كافة التيارات السياسية الليبرالية والأيدولوجية، فأوجدت زخمًا فكريًا وثقافيًا وفنيًا، تشكل وتشابك مع تطور الحركة الوطنية منذ الاحتلال الإنجليزي لمصر وحتى ثورة 1919م وما بعدها، وأدى نشأة وتطور البرجوازية المصرية كما أوضحنا سابقًا إلى ميلاد مفكرين ومثقفين وأدباء وسياسيين يعبرون عن تلك البرجوازية الوليدة، وكان أبرزهم الشيخ الإمام محمد عبده، الذي أدت آرائه التجديدة والتنويرية والتقدمية بالنسبة لزمانه إلى ميلاد مدرسة وطنية وفكرية شاملة وفريدة، وقد ألقينا الضوء على بعض ملامحها في مقالتنا السابقة، وقد امتدت آثارها لبعد وفاته لتتبلور في عدة مدارس سياسية واجتماعية وفلسفية وفكرية ودينية، كان لها دورًا هامًا وحيويًا في بناء زخم سياسي وفكري وثقافي، ومبشرة بالحرية بكافة أنواعها، وضمت تلك المدارس رجالًا من كافة التيارات السياسية والفكرية، وهم بالكثرة التي يستحيل معها حصرهم، وعمالقة لدرجة يصعب معها إيجاز أفكارهم أو نشاطاتهم أو مسيرتهم العامرة بالأحداث والمواقف، لذا سنركز الضوء فقط على بعض الرموز المعبرة عن هذا الزخم الفكري والتنويوي في تلك الفترة الهامة والحيوية من تاريخ بناء وعي ووجدان الشعب المصري، وإدراكه لذاته وإيمانه بحريته.
وتمثلت المدرسة الأولى في “المدرسة السياسية” التي ضمت جيلًا ليبراليًا وتنويريًا وثوريًا بقيادة سعد زغلول (1859-1927)، الذي تتلمذ علي يد الشيخ محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني، ودرس سعد زغلول الحقوق ثم التحق بجريدة الوقائع المصرية ليواكب مشكلات الوطن، وعندما عمل كمعاون لوزارة الداخلية ألقى بقيود العمل خلف ظهره وشارك بثورة عرابي مطالبًا برحيل الإنجليز، وبعد إخفاق الثورة ومطاردة رجالها، فُصل وحُورب كما حُورب جميع أنصاره، لتفصله وزارة الداخلية ويعود للعمل بسلك المحاماة، ثم عين قاض في محكمة الاستئناف في آخر القرن التاسع عشر، واختير وزيرًا للمعارف عام 1906م، واستطاع أن يضع بصمة واضحة علي العملية التعليمية في مصر، ثم تولي وزارة الحقانية (العدل) عام 1910م، فبدأ عمله بالحفاظ علي كرامة القاضي، وأيضًا اهتم بكرامة المحامين فأسس نقابه المحامين لتحميهم وتصون حقوقهم، وقد انتصر لحرية الصحافه في ظل وجود (قوانين المطبوعات) فرفض تطبيقه على جريدة “المسامير” عندما انتقدت بشكل لازع رئيس أمريكا السابق “روزفيلت” لامتداحه الاحتلال الإنجليزي لمصر، وأيضا حينما أرادت الحكومه إلغاء جريدة “البهلول” بحجة أنها مُضرة بالآداب وقف سعد زغلول معارضًا للقرار محاولًا تخفيفه، وقدم استقالته من الوزارة بسبب رفضه محاكمة الزعيم محمد فريد بتهمة تحريضه علي الحكومه دون استشارة سعد بوصفه وزيرًا للحقانية، كما كان سعد أحد المساهمين في وضع حجر الأساس لإنشاء الجامعة المصرية مع كل من محمد عبده، ومحمد فريد، وقاسم أمين.. وعندما أوشكت الحرب العالمية الأولى على الانتهاء، كان الجميع يتأهب لكي يتقرر مصير مصر، ولكن تمسكت إنجلترا باحتلال مصر بعد انتصارها في الحرب، ففكر بعض المصريين في تكوين وفد مصري للسفر لباريس لعرض قضية استقلال مصر على مؤتمر السلام هناك، وانتهي الأمر بتشكيل وفد مصري واحد يعبر عن كل طوائف الأمه مسلميها ومسيحييها كما يعبر عن أحزابها القائمه آنذاك، وأجمع كل الأعضاء علي اختيار “سعد زغلول” رئيسًا للوفد، وتشكل الوفد المصري الذي ضم سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وآخرين وأطلقوا على أنفسهم “الوفد المصري”، وقد جمعوا توقيعات من أصحاب الشأن وذلك بقصد إثبات صفتهم التمثيلية وجاء في الصيغة “نحن الموقعين على هذا قد أنبنا عنا حضرات: سعد زغلول و(…… ) في أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعي سبيلًا في استقلال مصر تطبيقًا لمبادئ الحرية والعدل التي تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى”، علي أثره غضبت قوات الاحتلال الموجودة في مصر من موقف سعد وزملاءه، فقامت بنفي اللجنة المكونة للوفد إلي جزيرة مالطة في 8 مارس 1919 لتنفجر أول ثورة شعبية بعد الحرب في عام 1919م، وفي اليوم التالي لاعتقال الزعيم الوطني المصري سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة المدارس العليا في القاهرة شرارة التظاهرات، وفي غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر، وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع الأنحاء من قرى ومدن، وعلي الجانب الآخر كان رد فعل القوات البريطانية من أفظع أعمال العنف الذي لاقاه المصريون.
اضطرت إنجلترا الي عزل الحاكم البريطاني وأفرج الإنجليز عن سعد زغلول وزملائه وعادوا من المنفى إلي مصر، ويصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، وهو أحد زعماء الحزب الوطني المشهورين بمنافستهم الشديدة لسعد زغلول، يصف إستقبال الجماهير لسعد زغلول يومذاك بقوله “وقوبل في الأسكندرية وفي الطريق منها إلى القاهرة وفي العاصمة بأعظم مظاهر الفرح والحماسة بحيث كانت مقابلته سلسلة لا نهاية لها من الزينات والمظاهرات والحفلات والأفراح مما لا مثيل له في تاريخ مصر الحديث”، وسمحت إنجلترا للوفد المصري برئاسة سعد زغلول بالسفر إلي مؤتمر الصلح في باريس، ليعرض عليه قضية استقلال مصر، ولم يستجب أعضاء مؤتمر الصلح بباريس لمطالب الوفد المصري فعاد المصريون إلي الثورة وازداد حماسهم، وقاطع الشعب البضائع الإنجليزية، فألقى الإنجليز القبض على سعد زغلول مرة أخرى، ونفوه مرة أخرى إلي جزيرة “سيشل” في المحيط الهندى، فازدادت الثورة اشتعالًا، وحاولت إنجلترا القضاء على الثورة بالقوة، ولكنها فشلت ليعود سعد زغلول، وبعثت قوات الاحتلال لجنة لمعايشة الأحوال في مصر بقيادة اللورد “ملنر” التى قاطعها المصريون مقاطعة تامة وتم التصدى لها بكافة الطرق، لإجبارها علي التفاوض مع “سعد” ممثل الأمة، وتم بالفعل التشاور حول الأوضاع المصرية، فجاء قرار اللجنة بضرورة منح مصر الاستقلال الذي تريده مع وضع عدد من التوصيات عين الاعتبار لحماية المصالح البريطانية (أي استقلال منقوص)، وأخيرًا عاد “زعيم الأمة للوطن” في عام 1923، وصدر دستور 1923، الذي وضعته لجنة مكونة من ثلاثين عضو ضمت ممثلين للأحزاب السياسية والزعامات الشعبية وقادة الحركة الوطنية وتزعم تلك اللجنة عبد الخالق ثروت، وقد أكد دستور 1923 أن جميع سلطات البلاد مصدرها الأمة أي الشعب، وأن البرلمان هو السلطة التشريعية ويتكون من مجلسين، مجلس النواب وأعضاؤه منتخبون وهو الذي يمنح ويسحب الثقة من الوزارة ويراقب أعمال الوزارات، ومجلس الشيوخ 3/5 منتخبون والباقي بالتعيين، وأن المواطنين متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وتحمل الأعباء الوطنية دون تمييز بسبب الدين أو الأصل أو اللغة، ومن أهم مواده المادة(3) التي تنص على أن المصريين لدى القانون سواء وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين وإليهم وحدهم يعهد بالوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية ولا يولي الأجانب هذه الوظائف إلي في أحوال استثنائية يعينها القانون، والمادة (4) وتنص على أن الحرية الشخصية مكفولة، والمادة (5) وتنص بأنه لا يجوز القبض على أي إنسان ولا حبسه إلا وفق أحكام القانون، والمادة (14) وتنص على أن “حرية الرأي مكفولة. ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون، والمادة (22) وتنص على أن “لأفراد المصريين أن يخاطبوا السلطات العامة فيما يعرض لهم من الشئون وذلك بكتابات موقع عليها بأسمائهم. أما مخاطبة السلطات باسم المجاميع فلا تكون إلا للهيئات النظامية والأشخاص المعنوية.”، والحقيقة أن هذا الدستور كان جيدًا كخطوة مهمة للحياة الديموقراطية، ولكنه لم يخل من أوجه النقد مثل أنه أعطي الملك الحق في حل البرلمان وإقالة الوزارة، فمكن الملك وهو صاحب السلطة التنفيذية من التحكم في السلطة التشريعية وهي البرلمان، وفي ظل دستور 1923 كرم الشعب المصري سعد زغلول ورفاقه خير التكريم بحصول حزب الوفد علي 90% من مقاعد البرلمان وتولي زغلول علي إثرها مقعد رئيس الوزراء، وظل سعد محاربًا ورافضًا لتعسفات الاحتلال البريطاني، وفي خضم محاولات الجانب البريطاني لاقتطاع السودان من مصر علي أثر توصيات ملنر، والتعسف المتواصل للاحتلال البريطاني، وعدم دعم الملك فؤاد حاكم مصر لسعد زغلول، قدم “زعيم الأمه” استقالته من منصب رئيس الوزراء عام 1924، وواصل نضاله ضد الإنجليز وخاض صراعًا مع الملك فؤاد وأحزاب الأقلية المتعاونة مع الملك دفاعًا عن الدستور، وتوج كفاحه بفوز حزب الوفد بالأغلبية البرلمانية مرة ثانية عام ١٩٢٧ وانتخب سعد رئيسًا لمجلس النواب حتي وفاته عام 1927م.. وقد أسفرت تلك الثورة بعد ثلاثة أعوام من نشوبها إلى منح مصر إستقلالها، والغاء الأحكام العرفية فيها شريطة أن تبقى القوات البريطانية على أرضها، لكن الاستقلال جاء منقوصًا وشكليًا، ولم يتحقق الاستقلال إلا عبر ثلاث مراحل أخرى، وهي الهبة الشعبية في عام 1946 التي قادتها “اللجنة الوطنية للطلبة والعمال”، وقد حققت إنجازات على طريق الاستقلال، وتأتي بعد ذلك فترة حكم الزعيم “مصطفى النحاس” بين 11 يناير 1950 وحريق القاهرة في 26 يناير1952، وتحقق خلالها خطوات أيضا على طريق الاستقلال من أهمها إلغاء معاهدة 1936 التي كانت تربط مصر ببريطانيا، وجاءت بعد ذلك ثورة 23 يوليو 1952 واستكملت هدف ثورة 1919، وهو التحرر من الاستعمار.
ويعتبر سعد زغلول من مؤسسي الليبرالية في مصر، ومن أهم الإضاءات التي كانت اتخذت كشعارات من أقوال الزعيم الكبير سعد زغلول قوله ” الحق فوق القوة ، والأمة فوق الحكومة “، ليؤكد للجميع رسالة الحرية والتي تهدف لحرية شعب ناضل من أجلها للتحرر من الظلم والإستعمار، كما كان يكرر دائمًا ” نحن لسنا أوصياء على الأمة ، بل وكلاء لها “، ومن الحريات التي ناضل زغلول من أجلها حرية المرأة وتحريرها من الإضطهاد والإستعباد والظلم حيث قال بشأن هذا الأمر “انني من انصار تحرير المرأة، ومن المقتنعين بهذا الأمر، لأنه بغير تحرير المرأة لن نتوصل لبلوغ غاياتنا في التحرر”، آمن الزعيم بحرية المرأة ونيلها حقوقها بصفتها نصف المجتمع، وإن أهمل هذا النصف فستكون النتيجة حدوث شرخ في قضية مجتمع يسعى للتحرر، كما ساند سعد زغلول كتاب “تحرير المرأة ” وكاتبه قاسم أمين، وسمح سعد لزوجته أن تتزعم الحركة الوطنية خلال منفاه وتفتح بيتها في غيابه لزعماء الثوره وتخرج وتحتج وتزاول نشاطها السياسي والاجتماعي، ولم يكن ليحدث ذلك في هذا الوقت لولا مساندة سعد لتحرير المراة وتنوير المجتمع، وأكد على “أن دفاعه عن تلك الأمة هو فرض ملزم عليه العمل به للوصول الى حرية هذه الأمة من كل ما يعرضها للخطر باعتباره فردًا من هذه الأمة ” نحن نحب الحرية، ولكن نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها “، إيمانًا من الزعيم بأن للحرية قوانين وضوابط تحكمها، أي أن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وبذلك كان سعد زغلول مفجر الثوره ومؤكد الوحده ورائد هام من رواد الحرية والتنوير .
تمثلت المدرسة الثانية في “المدرسة الاجتماعية” في الكتابات والحركات الاجتماعية المطالبة بتغيير العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية البالية والمعوقة للتقدم والتطور التي تنشده البرجوازية المصرية الوليدة، وكذلك تركيز الضوء على قضية تحرير المرأة والارتقاء بمستواها التعليمي ومشاركتها في بناء المجتمع، وهي امتداد لجهود رائد التنوير المصري رفاعة الطهطاوي، وقاد تلك المدرسة قاسم أمين (1863-1908)، وكان قاسم قاضيًا وكاتبًا وأديبًا فذًا ومصلحًا اجتماعيًا، كما اشتهر بدفاعه عن الحرية الاجتماعية وبدعوته لتحقيق العدالة وإنشائه الجامعة المصرية وبدعايته للتربية في سبيل النهضة القومية، وهو احد رجال الإصلاح المنتمين لمدرسة الإمام محمد عبده، الذين يؤمنون بالإصلاح التربوي التدريجي الذي من شأنه أن يبني جيلًا مثقفًا مستنيرًا قادرًا على القيام بأعباء التغيير والتحول بعد أن يتمرس تدريجيًا ويجد في نفسه القدرة على ذلك، وركزت جل كتابات قاسم أمين على قضية تحرير المرأة وتغيير النظرة إليها ومساواتها الكاملة في كافة المجالات، وخاصة في كتابيه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة”، وما قصده قاسم أمين بكلامه عن تحرير المرأة هو إصلاح الوضع الذي تعيش فيه، أي إحداث تغيير في العادات والتقاليد، وإعادة النظر في فهم الشريعة الاسلامية لجهة نصوصها المتصلة بالنساء، فضلًا عن رفع يد الجهل عنهن، وإنهاء عهد استبداد الرجال بهن، ونهضت هذه الدعوة الجديدة آنذاك على قاعدة الترابط بين صلاح وضع الأمة وصلاح حال المرأة، ويشخص قاسم أمين الواقع الذي تعيش فيه المرأة المصرية آنذاك، فهي “اختصت بالجهل، واستعملها الرجل متاعًا للذة، له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر… فهي في حاجة إليه في كل شأن من شؤونها، لا تخرج إلا مخفورة به، ولا تسافر إلا تحت حمايته، ولا تفكر إلا بعقله ولا تنظر إلا بعينه ولا تسمع إلا بأذنه، ولا تعمل إلا بواسطته، ولا تتحرك بحركة إلا يكون مجراها منه، فهي بذلك لا تعد إنسانًا مستقلًا، بل هي شيء ملحق بالرجل”، ويوضح قاسم أمين براءة الدين الاسلامي من الحال المزرية التي ترزح تحت كابوسها المرأة المصرية، فالإسلام ليس سبب انحطاط المرأة في المجتمع المصري، إنما الأخلاق السنية الموروثة عن الأمم التي انتشر فيها الإسلام، وأن العامل الأكبر في “استمرار هذه الأخلاق توالي الحكومات الاستبدادية علينا”، ويستند الكاتب إلى حديث نبوي شريف فيه أن “الجنة تحت أقدام الأمهات” ليقرر أن تشريعنا مهما قيل لا يمكن أن يكون تشريعًا بربريًا، ولا يمكن أن يقر بأية صورة عبودية المرأة، كما أن الشرع الاسلامي كان سباقًا بين الشرائع لتقرير المساواة بين الرجل والمرأة “فأعلن حريتها واستقلالها يوم كانت في حضيض الانحطاط عند جميع الأمم، وخولها كل حقوق الإنسان، واعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الأحوال المدنية من بيع وشراء وهبة ووصية من غير أن يتوقف تصرفها على أذن أبيها أو زوجها، ومن الأدلة التي يعرضها قاسم أمين على المكانة التي منحتها الشريعة الإسلامية “أن أباحت لها أن تكون وصية على الرجل وأن تتولى وظيفة القضاء والافتاء، أي وظيفة الحكم بين الناس بالعدل”، ويتراءى لقاسم أمين أن المرأة الغربية هي نموذج التقدم الذي عرفه تطور النساء، معلنًا أن “لا شيء يمنع المرأة المصرية من أن تشتغل مثل الغربية بالعلوم والآداب والفنون الجميلة والتجارة والصناعة إلا جهلها وإهمال تربيتها”، وانطلق قاسم أمين من دعوته إلى تعليم المرأة وتربيتها من اعتبار أن صلاح حال الأمة يتوقف بالدرجة الأولى على تربية المرأة، التي أصبحت ضرورية “فليس تربية المرأة من الكماليات التي ينتظر بها مرور الزمان، ويجوز الإبطاء في إعداد الوسائل لها كما يتوهمه كثير من الناس، وإنما هي من الحاجيات بل من الضروريات التي يجب البدء بها والعناية بتوفير ما يلزم لها من المعدات، وهي الواجب الخطير الذي إن قمنا به سهل علينا كل إصلاح سواه”، ويذهب الكاتب إلى القول أن تربية المرأة هي الأداة لأن تقوم بدورها في المجتمع والعائلة، عن طريق التربية العقلية، والأدبية، والصحية.
يربط قاسم أمين في سياق دعوته إلى حرية المرأة بين الرقي والحرية التي هي “قاعدة ترقي النوع الإنساني ومعراجه إلى السعادة، ولذلك عدتها الأمم التي أدركت سر النجاح من أنفس حقوق الإنسان، ولما كان للحرية أثرها في تقدم الرجال ونهضتهم، فلابد إلا ن يكون لها ذلك الأثر في نفوس النساء”، ويرمي قاسم أمين التهمة القائلة بأن حرية المرأة تضر بعفتها قائلًا “أن التجارب المؤسسة على المشاهدات الصحيحة، تدل على أن حرية النساء تزيد في ملكاتهن الأدبية وتبعث فيهن إحساس الاحترام لأنفسهن وتحمل الرجال على احترامهن”، كما أن حق المرأة في العمل هو من أول الواجبات تجاه نفسها، لكن للمرأة واجبات تجاه العائلة والمجتمع، ثم يعرض لنظرة الأوروبيين إلى دور المرأة في المجتمع ليخلص إلى أن عمل المرأة “في الهيئة الاجتماعية هو تكوين أخلاق الأمة، تلك الأخلاق التي أثرها في الاجتماع، من حيث ارتقاء الأمم وانحطاطها، يفوق آثار الأنظمة والقوانين والديانات”، ويرى الكاتب أن تعدد الزوجات هو من العوائد القديمة، ويتوقف مدى انتشاره أو انحساره على تقدم الأمة أو تأخرها، ويعتبر أن في “تعدد الزوجات احتقارًا شديدًا للمرأة، ويوضح قاسم أمين أن الحجاب ليس خاصًا بالمسلمين، فهو عادة كانت معروفة عند كل الأمم القديمة تقريبًا، ويعتبره عنوانًا لذلك الملك القديم، وأثرًا من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الانسانية أجيالًا، ويتناول قاسم أمين قضية الحجاب من الوجهتين الدينية والاجتماعية، فمن الوجهة الدينية يقرر مسبقًا أنه لو كان في النصوص الدينية ما يتصل مباشرة بالحجاب لأحجم عن البحث “لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة”، وما دام الأمر من قبيل العادة التي عرضت للمسلمين من مخاطبة بعض الأمم، لكنهم ألبسوها لباس الدين “كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين، لذلك لا نرى مانعًا من البحث فيها”، ويستشف الكاتب من الآية الكريمة “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها” أن الشريعة أباحت للمرأة أن تظهر بعض أعضاء جسمها أمام الأجنبي عنها غير أنها لم تسم تلك المواضع” وينقل حديثًا للنبي (ص) قاله لواحد من الأنصار عندما أبلغ بأنه خطب امرأة، فيه قوله “أنظرت إليها” أجابه: لا، فقال الرسول (ص): “أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤوم بينكما”، وبعد أن يجزم قاسم أمين بأن الله أباح للمرأة كشف وجهها وكفيها يناقش مسألة العفة فيقول: “وأما خوف الفتنة الذي نراه يطوف في كل سطر مما يكتب في هذه المسألة تقريبًا فهو أمر يتعلق بقلوب الخائفين من الرجال وليس على النساء تقديره ولا هن مطالبات بمعرفته، وعلى من يخاف الفتنة من الرجال أن يغض بصره”.. ومن الوجهة الاجتماعية، يقرر قاسم أمين أن “الحجاب على ما ألفناه مانع عظيم يحول بين المرأة وارتقائها، وبذلك يحول بين الأمة وتقدمها، ليس هذا فحسب، بل إن الحجاب يحبس المرأة في دائرة ضيقة، “فلا ترى ولا تسمع ولا تعرف إلا ما يقع فيها من سفاسف الحوادث”، وفي رده على القول بأن الحجاب يصون شرف المرأة، يقول الكاتب أن الرجل إن لم يصل إلى امتلاك قلب امرأته لا يملك فيها شيئًا ” ذلك لأنه ليس في استطاعة رجل أن يراقب حركات امرأته وسيرها في كل دقيقة من الليل والنهار”، ويلح قاسم أمين على بناء التكوين الاجتماعي على أسس العلوم والفكر الاجتماعي في الغرب، والملائمة بين احتياجات المجتمع وروح العصر، عن طريق إعادة بناء العادات، المتغيرة بطبيعتها حسب الزمان والمكان، وهي معلم من معالم إعادة بناء المجتمع، كما يرى قاسم أمين أن العلم أداة الإصلاح، حيث تستقيم دعوة قاسم أمين إلى إصلاح المجتمع ودفع الأمة في طريق التقدم على أسس وقواعد وضعية، في مقدمها العلم باعتباره الأداة الوحيدة التي “يرتفع بها شأن الإنسان من منازل الضعة والانحطاط إلى مراقي الكرامة والشرف”، ويؤكد إنّ السير في ركب التقدم لا يكون في استعادة الحلول من الماضي، إنما بالاستفادة مما بلغه التمدن والحضارة على قاعدة تنشيط العقل والعزيمة.. ويتضح لنا أن الاتجاه المدني والعلماني واضح وجلي عند قاسم أمين، ذلك أن مبادئ التشريع الوضعي المستندة إلى العقل والعلم هي ركائز بنيان التقدم الذي دعا إليه، والمتمثل بتحرير المرأة وإصلاح ما هي عليه لإصلاح الأمة، مكرسًا نمطًا جديدًا من التفكير، فحواه الحكم على الأشياء في ضوء المباديء الوضعية، كما يتبين من النظر الموضوعي أن الأصالة لا تبدو خالصة عند الكاتب، فهو لا يعود إلى الأصول الإسلامية يستخرج منها حلولًا لقضية تخلف المرأة، إنه يوظف هذه الأصول من آيات وأحاديث وتاريخ لنصرة ما يذهب إليه، مقدمًا طرحًا جديدًا تمثل في طريقة المعالجة، وفي المخارج التي أوجدها كي يكتب لدعوته أن ترى طريقها إلى حيز التنفيذ، ومحاولًا في الوقت نفسه ألا يخرج في هذا الطرح عن هوية المجتمع وشخصيته التي يشكل الإسلام أحد أبرز مكوناتها، ولم يتنكر قاسم أمين لتاريخ الآباء والأجداد وعاداتهم، بل انتقد ما في هذا التاريخ والعادات من الشوائب، داعيًا إلى التخلص منها، واستلهام ما بلغه الغرب في هذا المضمار، إن الدعوة للاقتباس عن الغرب لا تحمل في طياتها إقرارًا بالدونية، بل إقتناعًا لا مراء فيه بتفوق الغرب وتقدمه في ما بلغته المرأة من شأن، وإن الأصالة والتغريب يلتقيان عند قاسم أمين في إتجاهه العلماني، إزاء قضية تقدم المرأة والأمة على حد سواء عند نقطة الجمع بين الأخذ عن الغرب مع مراعاة أصول الاسلام كما وردت في القرآن والسنة، على قاعدة إعادة النظر في تراث السلف لمصلحة مجاراة روح العصر وضرورة الأخذ بناصية التقدم.
وتمثلت المدرسة الثالثة في “المدرسة الفلسفية” بزعامة الإمام الأكبر شيخ الأزهر مصطفى عبدالرازق (1885 – 1945)، وهو مجدد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، التحق بالأزهر حيث إلتقى بالشيخ الإمام محمد عبده، وهناك حصل على شهادة العالمية سنة (1908م)، ثم سافر إلى فرنسا ودرس في جامعة “السوربون”، ثم “جامعة ليون”، وترجم إلى الفرنسية “رسالة التوحيد” للإمام محمد عبده بالإشتراك مع “برنار ميشيل” وألفا معًا كتابًا بالفرنسية، وكان نشطًا في الصحافة والسياسة، وألف كتاب “الشيخ محمد عبده” وصدر عام 1946م، وركز فيه على الجانب الإصلاحي والفلسفي من حياة الإمام، ثم أصدر أهم كتبه الفلسفية “تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”، وكتاب “فيلسوف العرب والمعلم الثاني”، وقد أسس في هذه الفترة ما يسمى حاليا بـ “الفلسفة الإسلامية”، ودافع عن أن الفكر الإسلامي ليس مجرد امتداًد ونقل للفلسفة اليونانية وإنما له سماته الفلسفية المتميزة، وتخرج على يديه عدد من تلامذته الذي عمقوا هذا التصور ومنهم الدكتور على سامي النشار، والدكتور توفيق الطويل، والدكتور ابراهيم بيومي مدكور، ويعد الشيخ مصطفى عبد الرازق رائد الدرس الفلسفي في مصر المعاصرة، وأول أستاذ جامعي يقوم بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، حيث كانت تدرس من قبل في الجامعة المصرية من خلال الدرس الاستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأنكر أي دور للعقل المسلم في تطوير الفكر الفلسفي عامة، وقدم الشيخ مصطفى عبد الرازق رؤية جديدة، تقوم على تلمس نشأة التفكير الإسلامي الفلسفي في كتابات المسلمين أنفسهم قبل أن يتصلوا بالفلسفة اليونانية ويدرسوها دراسة وافية، ودعا إلى تدريس علم الكلام والتصوف في أقسام الفلسفة، وإلى البحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، ورأى أن الاجتهاد بالرأي هو بداية النظر العقلي، ومن ثم فإن علم أصول الفقه ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو علم الكلام، ودحض الشيخ مصطفى عبدالرازق مزاعم المستشرقين وعلى رأسهم “رينان” من أن العقل الإسلامي من الناحية البيولوجية غير قادر على إنتاج فلسفة يعتد بها، لأنه يميل إلى البساطة والوحدة ويرفض التعدد والتركيب، ودحض الشيخ عبد الرازق هذا، مؤكدا على المكانة الرفيعة التي يتبوأها العقل في الإسلام، من خلال دراسته للنظر العقلي في الفكر الإسلامي، مدعمًا بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وتحليله لمكانة الرأي في الفكر الإسلامي.
تمثلت المدرسة الرابعة في “المدرسة الفكرية”، فقد شهدت تلك الحقبة التاريخية الهامة في تكوين وعي الشعب المصري، كوكبة من أهم مفكري مصر في العصر الحديث مثل عباس العقاد، الذي كان أحد كبار المدافعين عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وخاض معارك فكرية وسياسية حامية مع القصر الملكي، واُنتخب عضوًا بمجلس النواب، وسُجن بعد ذلك لمدة تسعة أشهر عام 1930 بتهمة العيب في الذات الملكية، وحينما أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلًا “إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه” لقد كان العقاد يؤمن بالفكر وبحريته لذا فإن الحرية بمعناها الواسع نالت الكثير من إهتمام العقاد، سواء في أعماله الفكرية أو في مواقفه العملية، وهذا مادفعه لمساندة طه حسين في معركته الفكرية على أثر صدور كتابه “في الشعر الجاهلي”، فرغم اختلافه الدائم مع طه حسين إلا أنه لم يتنكر لمبادئه، وأولها الإيمان بحرية الفكر، تلك التي تتيح للكاتب أن يكون حرًا فيما يبدي أو يكتب، لذلك انبرى مؤيدًا للدكتور طه حسين داعيًا إلى مزيد من حرية الفكر، كما أيد العقاد الأفكار التي طرحها الشيخ علي عبد الرازق في كتابه ” الإسلام وأصول الحكم”، والذى أوضح فيه أن الإسلام لم يكن إلا رسالة دينية ولا شأن له بنظم الحكم، والتي يراها عبد الرازق رهنًا بتطورات المجتمع مختصرًا دعوته في أن الإسلام دين لا دولة، وكان العقاد يرى أن حرية الفكر هي شيء أعم من حرية الأراء كما نفهمها، فكان يقول “حرية الفكر هي حرية التعبير عن الشخصية الإنسانية بكل ما تشمل من حُسن وإدراك وخلق ومزاج ومجهود . حرية الفكر بهذا المعنى هي شيء لا يختلف عن حرية الحياة أو حرية الوجود . فسيان أن تمنع الإنسان أن يحيا وأن تمنعه أن يفكر، وسيان أيضًا أن تمنع التفكير وأن تمنع التعبير عن التفكير، لأن الفكرة التي لا ترى ضوء الشمس هي فكرة ميتة، أو هي فكرة حية ولكن حياتنا هي سبب الألم والكبت والفساد”، ولقد وصف كاتبنا الروائي نجيب محفوظ “العقاد” بأنه “الحرية بكل ما تعنى الكلمة من أبعاد، فهو الحرية إذا التمسنا لشخصيته فكرة يُرمز بها إليه” ذلك لأن الحرية عند العقاد هي كل شيء في حياته الفكرية هي الجمال في فلسفته، وهي الديمقراطية في سياسته، وهي الفردية في رأيه الاجتماعي.. كما ضمت تلك الكوكبة من المفكرين سلامة موسى (1887-1958) وهو من أعلام الفكر الموسوعي التنوري والعلماني في النهضة العربية المعاصرة ومن مؤسسي المشروع الثقافي المعرفي النهضوي وحاملي راية اليقظة الفكرية الداعين إلى المساواة والعدل الاجتماعي والدمقراطية وحرية الفكر والرأي والتعبير والكفاح من اجل بناء المجتمع المدني الديمقراطي والحضاري الذي يضمن حرية وكرامة الإنسان، ويعتبر سلامة موسى من الشخصيات الهامة والغنية في الحياة الفكرية والثقافية العربية الحديثة وهو إنسان مثقف وعميق ومفكر شفاف أدهش الناس بحلمه الجميل واصالته الملتزمة بالإنسان وجمع بين النبرة الفلسفية وسطوع الفكرة وعفوية التناول وشغلته الهموم الشعبية المختلفة واهتم بالطبقات الشعبية الفقيرة والبائسة ولم يغمض عينيه عن القضايا الاجتماعية وحارب المفاهيم السلبية في المجتمع ودعا إلى بناء العلاقات الإنسانية على قواعد وأسس سليمة خالية من المسلكيات الخاطئة وحض على الحب والمودة والتكاتف والتكافل الاجتماعي وتحطيم قيود القهر والظلم، وعالج مختلف القضايا والموضوعات الاجتماعية والأدبية والفكرية ملتزمًا بمنطلقات الفكر العلمي ووضوح رؤياه.. كما شملت تلك الحقبة عميد الأدب العربي “طه حسين” الذي قرن تحقق الحرية بالعلم وتجديد العقل، ورأى ارتباطًا وثيقًا بين العقل والحرية، كون هذه الحرية لن تتحقق بدون قيام العلمانية التي ترتبط بدورها بتحديث الدولة وإشاعة الديمقراطية، ويشير في مقطع معبر عن وجهة نظره في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” حيث يقول “إن النظام الديمقراطي يجب أن يكفل لأبناء الشعب جميعًا الحياة والحرية والسلم”، وقوله “وما أظن الديمقراطية تستطيع أن تكفل غرضا من هذه الأغراض للشعب إذا قصرت في تعميم التعليم الأولي، وأخذ الناس جميعًا به طوعًا أو كرهًا، فلأجل أن تكفل الديمقراطية للناس الحياة يجب قبل كل شيء أن تكفل لهم التصرف في هذه المذاهب المختلفة التي تمكن الفرد من كسب قوته… ومن الطبيعي أن الحياة التي يجب أن تكفلها الديمقراطية للناس إنما هي الحياة القابلة للتطور والرقي من ناحيتها المادية ومن ناحيتها المعنوية، فيفرض عليها أن تمنح أفراد الشعب وسائل الكسب التي يسعون بها في الأرض ويلتمسون بها الرزق، وأن تزيل من طريقهم ما قد يقوم فيها من العقبات التي تنشأ عن الجور والظلم، وعن التحكم والاستبداد وعن مقاومة الطبيعة نفسها لتصرف الإنسان”، واجه طه حسين حملة شعواء ضد التجديد الفكري الذي طرحه بوضوح في كتابه “في الشعر الجاهلي”، وقاد الحملة مؤسسة الأزهر التي رأت خطورة طروحات طه حسين على منظومتها الفكرية التقليدية السائدة، ولا ينفصل إخفاق مشروع طه حسين عن السياق التاريخي ودرجة التطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في مصر والعالم العربي آنذاك، فقد ظل فكر طه حسين كباقي جيله، أسير النخب المصرية ولم تتوفر له القوى الاجتماعيّة والاقتصادية لحمل مشروعه التنويري التحرري وجعله مشروعا وطنيا عاما، وهو أمر قد انطبق على رواد النهضة الأوائل مثل الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم.. كما برز في تلك الحقبة “أحمد لطفي السيد” أستاذ الجيل وأبو الليبرالية والقومية المصرية، وأحد رواد التنوير المصري في النصف الأول من القرن العشرين، وهو شخصية موسوعية آمن بمصر والأمة المصرية فعمل على النهوض بها، وآمن بالليبرالية أو مذهب الأحرار، كما كان يسميه، فعمل على نشره والدعوة إليه باعتباره أفضل الوسائل لتحقيق نهضة الأمة المصرية، وتبنى المفهوم الغربي لليبرالية خلال القرن التاسع عشر مناديًا بتمتع الفرد بقدر كبير من الحرية وبغياب رقابة الدولة على المجتمع ومشددًا على ضرورة أن يكون الحكم قائمًا على أساس التعاقد الحر بين الناس والحكام، وهو صاحب المقولة الشهيرة “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” ونادى بتحديد مفهوم للشخصية المصرية رافضا ربط مصر بالعالم العربي أو تركيا أو العالم الإسلامي سياسيًا، وربط بين الجنسية والمنفعة، وكان أهم ما طرحه في هذا الشأن الدعوة إلى القومية المصرية كأساس لانتماء المصريين، كما نادى بتعليم المرأة، وتخرجت في عهد رئاسته للجامعة أول دفعة من الطالبات عام 1932، كما طالب باستقلال الجامعة، وقدم استقالته حين تم إقصاء طه حسين عن الجامعة سنة 1932، كما قدم استقالته مرة أخرى حين اقتحمت الشرطة حرم الجامعة عام 1937، كما كان ضد إنشاء المدارس الدينية سواء إسلامية أو إرساليات مسيحية إضافة لرفضه إنشاء المدارس الأجنبية في مصر، ودعى إلى استعمال اللغة العامية المصرية بدلًا من العربية الفصحى، ودعى إلى دراسة الفلسفات اليونانية، والاقتباس منها، وتشجيع تلامذته على ذلك، كما ترجم بعض كتب أرسطو إلى العربية، وللطفي السيد عديد المؤلفات الفكرية منها “صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية”، “تأملات”، “المنتخبات”، “تأملات في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع” كما ترجم عدة مؤلفات لأرسطو… أما المدرسة الخامسة وهي “المدرسة الدينية”، التي قادها الشيخ المراغي وآخرين، فهي موضوع مقالتنا القادمة، وقد رأيت أن أخصص لها مقالة منفصلة، وذلك لعلاقتها القوية لما عاشته مصر قبل وأثناء وبعد ثورة (25-30).