ألقينا الضوء سابقًا على “بريق شعار الحرية” إبان الثورة المصرية (25-30)، ثم تطرقنا إلى ولادة مصطلح الحرية، وتطور مفهوم الحرية خلال الحضارة الإغريقية، والرومانية، والمفهوم المسيحي للحرية، وعصور الظلام الأوروبية، والحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، والعصور الوسطى المصرية، وعصري النهضة والتنوير الأوروبيين، وكل من الليبرالية
الكلاسيكية، والاجتماعية، والجديدة، وحقوق الإنسان، والاشتراكية العلمية، والاشتراكية الديمقراطية، وما بعد الحداثة، والعثمانيين، والحملة الفرنسية، ولحظة الوعي المصرية الأولى، والتأصيل الفكري للحرية، ومرحلة الزخم التنويري، والتيار الاشتراكي العلمي، ومقالتي هذه عن “نشأة الإسلام السياسي”.
منذ الصدمة الحضاري التي احدثتها الحملة الفرنسية، وإدراك المصريين للفجوة الحضارية الهائلة بين مستنقعات العصور الوسطى التي يعيشها في كنف الاحتلال العثماني، وبين حضارة العصر الحديث التي يحياها الغرب، كانت محاولته الأولى للنهوض واللحاق بحضارة العصر الحديث على يد “محمد علي”، وواكب ذلك ولادة فكر تنويري وتحديثي بدأ مع رائد التنوير المصري والعربي رفاعة التهطاوي، ثم نشأة البرجوازية المصرية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين، وما واكبها من ظهور كوكبة من رواد التنوير بزعامة الإمام الشيخ محمد عبده، مما أدى إلى ولادة عدة مدارس سياسية وفكرية وفلسفية واجتماعية ودينية وعلمية، عبرت عن طموح الشعب المصري في الحداثة والتقدم والتطور، وبناء الدولة المصرية الحديثة والمدنية التي تحقق العدالة الاجتماعية والحريات العامة والخاصة واحترام حقوق الإنسان وصون كرامته، ولكن لضعف بنيان الرأسمالية المصرية، وتشابك مكوناتها مع مكونات الأنظمة السابقة عليها من الإقطاع، وسيطرة طبقة الكومبرادورات المتحالفة مع رأس المال الأجنبي والتابعة له، وسيطرة الأجانب على قسم كبير من الاقتصاد المصري، وهيمنة القوى العاملة الأوروبية على سوق العمل في مصر آنذاك، ولأسباب كثيرة جعلت من الرأسمالية المصرية نظامًا اقتصاديًا مشوهًا، وقد ولدت تلك العوامل تيارات فكرية تغايرت رؤاها حول الحريات، بين قوى اجتماعية تقدمية لديهاإيمان مطلق بحرية الشعوب، وبين قوى رجعية تؤيد الاستبداد بكافة أشكاله وتسانده وتدعوا إليه بمبررات دينية وتحالفات سياسية واجتماعية و تتعارض مصالحها مع سيادة مبدأ الحرية، وتشكلت تلك القوى الاجتماعية من الإقطاعيين وأصحاب رأس المال التجاري والعناصر الكومبرادورية إضافة إلى القوى المجتمعية الجديدة وهي قوى “الإسلام السياسي”، والتي ارتبطت بشكل أو آخر بالإحتلال الأجنبي، وسعت إلى تحقيق أهدافة الإستراتيجية في مصر والمنطقة العربية، وذلك في إطار ربط مصر والدول العربية بالإمبريالية العالمية لتحقيق مصالح القوى الاستعمارية التي تسعى دومًا لتطويع دول المنطقة لتحقيق مصالح الرأسمالية العالمية، بالاعتماد على الأنظمة المحلية المستبدة والطاغية على شعوبها، والتابعة والمدجنة مع دول مركز الرأسمالية العالمية.
وبتتبع جذور فكر الاستبداد والقهر والتغلب في تراثنا الإسلامي، نجد أن الفكر السياسي الإسلامي عمومًا انقسم منذ العصر الأول إلى مدرستين رئيسيتين، هما المدرسة السنية التي تقول بالشورى (في الغالب)، والمدرسة الإمامية التي تقول بالنص والتعيين، حيث قالت المدرسة السنية بصورة عامة بنظرية الشورى في الحكم، وعدم تعيين نبينا الكريم (ص) لأي خليفة من بعده بالنص، خلافًا للمدرسة الإمامية التي قالت بأن النبي (ص) قد عين خليفته من بعده، وأنه قد حصر الخلافة في أهل البيت، وتبعًا لذلك فقد آمنت المدرسة السنية بشرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، عن طريق البيعة والانتخاب بالصور المختلفة التي تمت بها، وبغض النظر عن تحول الخلافة في العهدين الأموي والعباسي إلى نظام وراثي قائم على القوة والغلبة، إلا أن المتكلمين السنة ظلوا يتحدثوا عن البيعة والشورى كأساس لشرعية النظام، كما فعل الأشعري في “الإبانة” والباقلاني في “تمهيد الأوائل” حيث قال “إنما يصير الإمام إمامًا بعقد من يعقد له الإمامة من أفاضل المسلمين الذين هم أهل الحل والعقد المؤتمنين على هذا الشأن”، ومع أن بيعة أهل الحل والعقد وأفاضل المسلمين لم تكن دائمًا تمثل عموم المسلمين، إلا إنها كانت تلبي (نسبيًا) طموح أصحاب نظرية الشورى والراغبين بقيام الحكم الإسلامي على أساس من الشرعية الدستورية المبنية على الانتخاب والشورى ورضا الأمة، وليس القوة والقهر والغلبة، ولكن هذه الرغبة تراجعت قليلا، في القرن الثالث الهجري مع الإمام “أحمد بن حنبل” الذي اشتهر عنه القول “بأن من غلبهم صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يرى إمامًا عليه، برًا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين”، ثم جاء أبو يوسف الماوردي، في القرن الخامس الهجري، ليقبل في “الأحكام السلطانية” إمارة الاضطرار والاستيلاء، إلى جانب عملية العهد من الإمام السابق إلى اللاحق، واختيار أهل الحل والعقد.
وبذلك أصبح الفكر السياسي الإسلامي (السني) انعكاسًا لطبيعة الأنظمة الاجتماعية البدوية، وأكثر تعبيرًا عن رغبة الأنظمة الاستبدادية القائمة، عندما أخذ الفقهاء يعترفون بصراحة بشرعية الطريق الثالث القائم على القوة والقهر والغلبة، الى جانب أختيار أهل الحل والعقد وولاية العهد، حيث اعترف الجويني في كتابه (الغياثى) بإمكانية غياب الإمام الحق، و قرر إمامة المستولي غير المستجمع للشروط ما دام متغلبًا ومستبدًا بالسلطة، وسماه “واليًا” واشترط عليه فقط مراجعة العلماء، وقال ابن قدامة (630هـ) في (الكافي – كتاب أهل البغي ) “كل من ثبتت إمامته حُرم الخروج عليه وقتاله سواء ثبتت بإجماع المسلمين عليه كإمامة أبي بكر الصديق أو بعهد الإمام الذي قبله كعهد أبي بكر إلى عمر، أو بقهره للناس حتى أذعنوا له ودعوه إمامًا كعبد الملك بن مروان”، وأقر يحيى بن شرف النووي (677هـ) في “منهاج الطالبين” و “روضة الطالبين” القهر والغلبة كوسيلة مشروعة للاستيلاء على السلطة، حيث قال صراحة ” تنعقد الإمامة بثلاث طرق، البيعة، واستخلاف الإمام من قبل وعهده اليه، وأما الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء، فاذا مات الإمام فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإن لم يكن جامعًا للشرائط بأن يكون فاسقًا أو جاهلًا فوجهان: أصحهما انعقاده لما ذكرناه وإن كان عاصيًا بفعله”.
وفي هذا السياق من تدهور الفكر السياسي الإسلامي باعترافه بالأمر الواقع، أو إضفاء نوع من الشرعية عليه، والاستسلام لنظرية القوة والقهر والغلبة، والابتعاد عن نظرية الشورى، جاء الإمام أحمد بن تيمية (1263-1328م)، فنظر الى المشكلة السياسية من زاوية انسجام الحكام مع الشريعة الاسلامية أو عدم انسجامهم، وطرح نظرية التوحيد في الألوهية، أي عبادة الله وحده لا شريك له، تلك العبادة التي لا تتحقق إلا باتباع الشريعة الإلهية، وعلى رغم اقتضاء تلك النظرية للحديث بتفصيل عن العدالة في الحكم وشروط الحاكم وصفاته وكيفية وصوله إلى السلطة بطرق شرعية، إلا إن الشيخ ابن تيمية لم يبحث مشكلة السلطة من ناحية طرق الحصول عليها، ولم يجد أية ضرورة لبحث موضوع الشورى واشتراط مجيء الحكام عبر أهل الحل والعقد، أو حصولهم على رضا الأمة، وقدم ابن تيمية نظرة واقعية إلى موضوع السلطة، إذ فصل مختلف الأنظمة السياسية التي مرت على العالم الإسلامي، عن خلافة النبوة، التي قال إنها استمرت ثلاثين سنة فقط، وإنها اختلطت بعد ذلك بالملك أو تحولت إلى ملك خالص، واعتمد ابن تيمية في تحليله التاريخي لمسألة السلطة على حديث منسوب إلى رسولنا الكريم (ص) يقول فيه “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكًا عضوضًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ” ثم سكت. وقال ابن تيمية “إن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، ومعاوية قد شابها الملك، وليس هذا قادحًا في خلافته” وإن “انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علمًا وعملًا، فإن كان مع العجز كان ذو الملك معذورًا في ذلك… وإن كان مع القدرة علمًا وعملًا، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة وأن اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا، فهذا التقدير اذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك العادل أيضًا”، وبينما كانت الخلافة عند عامة العلماءمن أهل السنة إما صحيحة وإما باطلة ولا توسط بينهما، وإن معيار الإمامة الشرعية هو من جهة انعقادها أو توليتها، لم يذكر ابن تيمية في (السياسة الشرعية) مسألة تنصيب الإمام، لأن الخلافة الراشدة انتهت في نظره خلال السنوات الثلاثين الأولى بعد وفاة الرسول (ص)، ولن تعود ثانية، وأنها كانت تستند إلى نصوص ولم تقم على أساس الشورى، إضافة الى أنه كان يعتقد أن إمامة الراشدين ذاتها كانت قائمة على الغلبة والسيطرة، إذ يقول “الإمام هو من يُقتدى به، وصاحب يد وسيف يطاع طوعًا وكرهًا… وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين” ويقول “إن الإمام الذي يُطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلًا أو ظالمًا”، وقد توصل ابن تيمية من خلال ذلك التحليل الى جواز قيام الأنظمة السياسية على أساس القوة والقهر والغلبة، و قال إن الإمامة “تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فان المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان… وأما نفس الولاية والسلطان فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله كسلطان الخلفاء الراشدين، وقد تحصل على وجه فيه معصية كسلطان الظالمين”، لقد كان ابن تيمية يعتقد أن الإمامة تقوم على أساسين هما “القوة” و”الأمانة” بناء على نصوص قرآنية ورد فيها ذكر القوة قبل الأمانة مثل قوله تعالى “إن خير من استأجرت القوي الأمين”، وقول صاحب مصر ليوسف (ع) “إنك اليوم لدينا مكين أمين”، وقول أحمد ابن حنبل “أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين”، ومن هنا فقد جمع ابن تيمية صفات الولاية في صفتين رئيسيتين هما القوة والأمانة، وقد اختلف في هذا عن فقهاء أهل السنة وغيرهم من الذين اشترطوا صفات عديدة في الإمام أو عينوا طرقًا محددة لتولي السلطة، حيث كانت القوة عنده أهم وأكثر ضرورة ولا بد منها، والأمانة تابع للقدرة، فهي حينئذ مكملة لها أو هي التي تضفي عليها المثالية، وبتعبير آخر فان القدرة هي أساس الولاية الواقعي، بينما الامانة هي مطلوب الولاية الشرعي، وبعد القبول بفلسفة القوة في السلطة كان لا بد من التراجع عن كثير من الأمور المثالية والشروط التي ذكرها العلماء السنة السابقون وأكدتها أحاديث نبوية عديدة، تتعلق بصفات الحاكم، مثل شروط التقوى والعدالة والعلم والكفاءة ورضا الأمة أو بيعة أهل الحل والعقد.
ربما كان تخلي ابن تيمية عن مبدأ الشورى في الحكم، يرجع لطبيعة البيئة البدوية التي نشأ فيها، وحالة الإضطراب والتفكك الشديدة التي سادت في عصره، كما يعود إلى النظرة السلبية التي كان ينظر من خلالها الى “الأمة الإسلامية” بعد أن قال بانحرافها وتدهورها وضلال معظم فرقها وطوائفها، وبغربة الإسلام فيها، استنادًا إلى بعض الأحاديث التي تتحدث عن “غربة الإسلام” وعن أفضلية القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فقد كان ابن تيمية يعتقد أن الأمة الإسلامية ليست كلها على الحق ولا هي مضمونة النجاة، وانما بعض منها وهم “أهل الحديث” الذين كانوا يشكلون “الفرقة الناجية”، ويقول “إن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة، وإنه لا يزال فيها طائفة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله”، ومن المعروف أن ابن تيمية قد أخرج معظم طوائف الأمة وفرقها حتى الأشاعرة (السنة) من أهل الحق، ولم يكن مفهوم “الأمة” عنده بالمعنى المعروف المتبادر، أي الجماعة الشاملة التي تتخذ الإسلام دينًا لها، بكل فرقها، وكما تكونت وتطورت في الواقع التاريخي، بل كان معنى “الأمة” عنده هي “الجماعة الجزئية” وهي “أهل الحديث” أو “أهل السنة والجماعة” كما يسميهم، وبما أن “أهل الحديث”، أو “أهل الحق” لا يشكلون الأغلبية دائمًا، وخاصة في زمان “اغتراب الإسلام” فقد كان من المستحيل أن يحتكم ابن تيمية إلى الشورى والأغلبية، أو يشترط حصول الإمام على رضا الأمة، وكان من الطبيعي أن يميل إلى نظرية القهر والغلبة، ويضفي نوعًا من الشرعية على حكومات الأمر الواقع، بغض الطرف عن الطريقة التي استولت فيها على السلطة.
جاء الشيخ محمد بن عبدالوهاب (1703-1791م)محملًا بهذا التراث المشوب بالاستبداد الصريح، الذي سادبسبب استمرار نفس النظم الاقتصادية الرعوية، وجمود الحراك الاجتماعي، وسيادة الأيدولوجية الفكرية القبلية، فهذا الشيخ البناني (1194هـ) المعاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه “حاشية البناني على شرح الزرقاني” يقول “أعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاث،إما بيعة أهل الحل والعقد، وإما بعهد الإمام الذي قبله، وإما بتغلبه على الناس، و حينئذ فلا يشترط فيه شرط، لأن من إشتدت على الناس وطأته وجبت طاعته” بل إن فقيهًا مثل “ابن عابدين” اعتبر الإمامة مقرونة بالقوة ودائرة مدارها، وسلب الشرعية من الإمام الذي يبايعه الناس ولا يملك القوة، وقال “يصير الإمام امامًا بالتغلب ونفاذ الحكم والقهر بدون مبايعة، أو استخلاف، فان بايعه الناس ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه لا يصير امامًا، نشأ الشيخ محمد بن عبدالوهاب وسط تلك البيئة البدوية الجافة وهذا التراث الفكري المنسجم مع النظام الاجتماعي والسياسي البدوي، هذا التراث القائم على القوة والوراثة وليس الشورى والانتخاب، ولم يلتفت محمد بن عبدالوهاب كثيرًا إلى مشكلة النظام السياسي، وانخرط في النظام البدوي الوراثي القائم، بل كرس ذلك النظام وأعطاه شرعية دينية وبايع الأمير “محمد بن سعود” بدلًا من أن يأخذ البيعة من الأمير له، ومن هنا كان من المتوقع جدًا أن يلغي الشيخ محمد بن عبد الوهاب “الشورى” من قاموسه السياسي، وأن لا يفكر بالسماح للجماهير الواسعة بالمشاركة في الحكم، أو يشترط رضاها أو رضا أهل الحل والعقد في تنصيب الإمام وأن يعتمد على القوة والعنف في توسيع رقعة الدولة السعودية الوهابية الأولى (1745-1818) التي أُنشأت في نجد وكانت عاصمتها في الدرعية، مستندًا إلى الفكر السلفي آنذاك الذي يبيح استخدام القوة في الاستيلاء على السلطة أو يعتبر “الشوكة” أساسًا للحكم، وكان الشيخ محمد ابن عبد الوهاب يرى نفسه منخرطًا في عملية ثقافية جذرية، أكبر من مجرد بناء نظام سياسي، وينظر إلى موقعه تمامًا كموقع النبي أمام أهل الجاهلية، حيث لم يكن يوجد أي معنى لمنحهم حق ممارسة الشورى أو السماح لهم بالمشاركة في بناء الدولة الإسلامية أو اختيار الإمام أو اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية، ولم يكن يملك ما يضيفه على الفكر السياسي الموروث من ابن تيمية، أو يشكك فيه، أو يقدم بديلًا جديدًا عنه، وهو الذي قام بحركة ذات صبغة فكرية عقدية، أكثر منها سياسية، وعقد المؤسسان تحالفًا إستراتيجيًا بين العائلتين، آل سعود وآل الشيخ محمد ابن عبدالوهاب، على أن يكون الحكم والولاية السياسية للأمير محمد بن سعود وأعقابه من بعده، والولاية الدينية للشيخ محمد بن عبدالوهاب وأعقابه من بعده، وبقي هذا التحالف بين الأسرتين فاعلًا إلى الآن، وانتشرت العقيدة الوهابية بين أبناء قبائل البدو من أعراب نجد الأميين الجهلة، بالترهيب بحد السيف، والترغيب بوعدهم بالجنة، بعد تعريضهم إلى دورات تدريبية صعبة من عزل في قرى سميت بالهجر، وعمليات غسل دماغ، وتحويلهم إلى قطعان منفذة لتعاليم وأوامر هؤلاء الشيوخ والأمراء بشكل أعمى، كما أعطى محمد ابن عبد الوهاب مبررًا لمحمد بن سعود لغزو البلاد المجاورة وقتل أهلها بعد اتهامهم بالكفر وإكراههم على قبول الوهابية، على أن الإسلام يجعل من الآخرين ومنهم الشيعة كفارًا، وعلى أية حال فان إتفاق الشيخ مع الأميرلم يشر إلى أي دور له أو لذريته في تعيين الإمام في المستقبل، أو كيفية إدارة الدولة واتخاذ القرارات المهمة فيها، كما لم يتحدث عن طريقة تبادل السلطة داخل الإمارة بين الأبناء والإخوان من آل سعود، وإنما ترك كل ذلك لما اعتاد عليه النظام القبلي ولإرادة الأمير الحاكم، وهكذا اتخذت التجربة الوهابية السعودية الأولى التي قامت على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود صفة الحكم الاستبدادي المطلق، وخلت من أي صورة من صور المشاركة الشعبية، سواء في داخل الحركة الوهابية أو بالنسبة للجماهير التي خضعت لحكم الدولة التي أقامتها باسم الوهابية وينقل عن عثمان بن بشر النجدي مؤلف كتاب “عنوان المجد في تاريخ نجد” أن ابن سعود ارتكب مذبحة في كربلاء عام 1801م وسجل النجدي بفخر تلك المذبحة قائلا ” أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أهلها فالحمد لله رب العالمين ولا نعتذر عن ذلك ونقول: وللكافرين أمثالها”، والجدير بالذكر أن الوهابيين قتلوا من أهل كربلاء في تلك الغزوة نحو أربعة آلاف عراقي، ونهبوا المدينة وخزائن ضريحي الحسين والعباس التي لا تقدر بثمن، وقد أسقط هذه الدولة محمد علي باشا، الوالي العثماني على مصر عام 1818،ثم أتت الدولة السعودية الثانية (1821-1889)، ولكن سرعان ما سقطت بسبب الصراعات الدموية داخل الأسرة الحاكمة، وتأييد الإخوان الوهابيين لكل من يصل إلى الحكم بالقوة والقهر والغلبة، ثم الدولة السعودية الثالثة وهي الراهنة، التي بدأت مرحلة التأسيس بين عامي 1902و 1925على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، وبجهود “الإخوان” الوهابيين النجديين أيضًا، وإضافة الى إيمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب بشرعية الحاكم المتغلب والقاهر، ورفضه للشورى، كان يدعو الناس إلى طاعة الإمام في ظل الدولة الوهابية والتسليم له، ويحرم الثورة عليه، بغض النظر عن طبيعة سياسته وسلوكه، إذ يقول “أرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله”، ويقول ” من ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه”، وحسب تفسير الوهابية للإسلام، على الرعية طاعة ولي الأمرأي الحاكم حسب قول نسبوه إلى النبي محمد (ص) “أطع أميرك وإن جلد ظهرك وإن أخذ مالك”، وهناك أحاديث كثيرة أخرى بهذا المعنى يرددها هؤلاء ليل نهار، وذلك ضمن السياق العام للموقف السني المدعوم بروايات كثيرة حول الموضوع، وقد أضاف الفكر الوهابي إلى ذلك وجوب التسليم والخضوع لأئمة الدعوة الوهابية من قبل أبناء الحركة، فضلا عن عامة الناس، وبناءً على ذلك فإن الشيخ لم يعط الأمة أو الحركة الوهابية الحق في المعارضة أو التمرد والخروج على النظام الوهابي، إضافة إلى عدم وجود أي قانون للمحاسبة أو النقد أو التغيير، ورفض توجيه النقد للأمراء بصورة عامة، وكل من يعترض أو يبدي مجرد رأي بسيط لا يرتضيه النظام الحاكم، يُتهم بالتكفير والزندقة، وبواسطة هذه المؤسسات “الدينية” التي يهيمن عليها شيوخ الوهابية، والتي تسيطر على التعليم والتثقيف وتوجيه الرأي العام من خلال المساجد والمدارس والمعاهد والإعلام والسيطرة المجتمعية من خلال منظمات الشرطة الدينية “المطاوعة” وغيرها، استطاعت الأسرة السعودية الحاكمة فرض حكمها المطلق على الشعب السعودي والتسلط على الرقاب بالقبضة الحديدية.
تسلل الفكر الوهابي إلى مصر عن طريق الجمعية الشرعية التي أُنشأت عام 1913م والتي تحولت للمذهب السني بالطريقة الوهابية، وجمعية أنصار السنه التي أنشأت عام 1926 بتمويل سعودي كامل، وجمعية الشبان المسلمين عام 1927م، ورغم عدم الإنسجام بين طبيعة الشعب المصري وبيئته الزراعية النهرية، وتلك الأفكار البدوية الصحراوية، إلا أن عوامل استثنائية كثيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية، منها الفوارق الطبقية الحادة التي اجتاحت مصر في النصف الأول من القرن الماضي، وضعف وهشاشة الطبقة الوسطى، وعزلها عن العمل السياسي واحتكار طبقة الإقطاعيين وحلفائهم بالعمل العام والسياسي، حيث بدأ الملك عبدالعزيز بن سعود بكسب ولاء شيخين أزهريين من أصول شامية، وهما رشيد رضاومحي الدين الخطيب، عن طريق مستشاره حافظ وهبة، وأصبح رشيد رضا من اهم رموز الرجعية في مصر لمواجهة المتغيرات والتحولات السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة، ومجابهة ورفض رموز التنوير والعقلانية من المثقفين والمفكرين الليبراليينواليساريين المصريين والعرب آنذاك،وقد جاء رشيد رضا من بلاده في الشام محملًا بالفكر السلفي مع كراهية موروثة للمسيحيين استقاها من بيئته الشامية، إضافة إلى ارتباطه المصلحي مع الملك عبد العزيز بن سعود، وكان الشيخ رشيد رضا يخلف الإمام المجدد والمصلح محمد عبدة، الذي تمثلت مساعيه في أصولًا للإسلام تخالف الأيدولوجية الوهابية في عدة نقاط، مثل قيام الإيمان على أساس العقل، وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض بينهما، والابتعاد عن التكفير، والتفكر بسنن الله في الخالق، أي بالاستدلال العقلي، وهدم السلطة الدينية والدولة الدينية على أساس إنه ليس في الإسلام سلطة دينية، والبعد عن الغلو في الدين، وإن القتال في الإسلام لرد الاعتداء وليس التكفير والإكراه في الدين، وعلى العكس من ذلك استغل رشيد رضا تخلف ورجعية الكثير من مشايخ الأزهر، وأخذ يدعو للفكر الوهابي بعد توطيد علاقته بآل سعود لقاء دعمها له بالمال، وعن طريقه تم إدخال العقيدة الوهابية إلى الأزهر بذريعة تنقية الدين من الشوائب والخرافات والتعاليم الصوفية، وإعادة الدين إلى أصوله النقية،وقدم رشيد رضا بدوره المدرس الشاب حسن البنا (1906-1946) إلى حافظ وهبة وإلى السعودية، وهو الذي قام بصياغة أهداف الجماعة التي تبناها حسن البنا آنذاك، وتتلخص في العودة إلى أصول الإسلام الأولى (المدرسة الوهابية) ومجابهة المد الوطني لحزب الوفد ومناهضة أفكاره الليبرالية، ومقاومة الفكر الاشتراكي، ودعم شرعية الملك ومقاومة الفكر التنويري والديمقراطية وقطع كل محاولة للوصول إلى منابع الحضارة الحديثة،واعترف البنا في مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بحافظ وهبة والدوائر السعودية، وإنه كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان الشيخ حسن البنا يتمتع بإمكانيات تنظيمية كبيرة، فبعد أن هيأ شيوخه الأزهريون له القاعدة الأيديولوجية، قام هو بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928على شكل تنظيمات شبه عسكرية بواجهة جمعيات خيرية، ولكنها تقوم بتدريب الأعضاء الشباب على السلاح وتحضيرهم للأعمال المسلحة ضد المعارضين، وبدعم مالي من السعودية مستغلين فقر حال الشباب في مصر، وبذلك تلخص فكر حسن البنا في بعث الإسلام الأصولي لا الاجتهاد فيه، وقطع كل محاولة للتصالح أو التوفيق مع الحضارة الغربية، على أساس أنها “حضارة مادية مريضة، ملوثة بالإلحاد، وإن إسلامنا وحده بشموليته وتفرده قادر على التصدي لكل تفاصيل حياة الفرد والمجتمع دون حاجة إلى أي اقتباس أو استعارة من حضارات أجنبية”، وبذلك فإن الأخوان المسلمين في مصر هم الطبعة المصرية من الوهابية النجدية الأعرابية، ومن ذلك نعرف أن الانتماء إلى جماعة الأخوان المسلمين هو عملية تغيير المسلمين من أهل السنة، من مذاهبهم المسالمة المتسامحة عبر قرون، إلى الوهابية التي تكفر ليس غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى فحسب، بل وتكفر كل من لا ينتمي إليها حتى من المسلمين من أصحاب المذاهب الأخرى، وبالأخص الشيعة والصوفية بمختلف فرقهما وتفتي بقتلهم.
ونتيجة لهذا التراث الانعزالي المعادي للحريات، تقاطع تيار الإسلام السياسي مع كافة التيارات والمدارس الفكرية والسياسية والفلسفية والدينية والاجتماعية والعلمية، التي اتخذت مسارًا تقدميًا ووطنيًا رغم تعدد وتنوع رؤاها ومنطلقاتها، فتلاقى اليسار بكافة مدارسهوفصائلة مع التيار الليبرالي بكافة مدارسه وفصائله، وكذا تشاركت أغلب منظمات المجتمع المدني الوليدةالعمالية والمهنية والطلابية والفلاحية، وشذ تيار الإسلام السياسي عن هذا النسيج الوطني، واتخذ مسارًا نرجسيًا وتكفيريًا وعدائيًا واستبداديًا من كافة منظمات وفصائل وطوائف المجتمع المصري، وتمثل هذا الفكرالاستبدادي في أشكال متعددة، نورد البعض منها للتوضيح، ففي عام 1930 عندما ألغى صدقي باشا (رئيس الوزراء المستبد والموالي للقصر والإنجليز) دستور 1923، عارضته كافة القوى السياسية والوطنية، باستثناء الإخوان المسلمين الذين خرجوا يؤيدونه ويرفعون اللافتات التي وضعته صنوًا لنبي الله إسماعيل مستخدمين آية قرآنية شريفة “واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صديقًا نبيًا”، وبينما كانت القوى السياسية تتكاتف وتتحالف في الهبة الوطنية عام 1946، والتي تزعمها اليسار المصري وكان حزب الوفد وحزب مصر الفتاة حليفين كبيرين له، نجد جماعة الإخوان المسلمين تقف مع الجهات المعادية لتلك الهبة، وهي الاستعمار والقصر الملكي والحكومات الرجعية، ولم يكن غريبًا أن تقف جماعة الإخوان المسلمين مع رئيس الوزراء الطاغية إسماعيل صدقي باشا الذي بطش بالحركة الوطنية وبقادة هبة 1946 الشعبية، ففي10 يوليو 1946 قام اسماعيل صدقي بحملة اعتقالات ضد القوى التي قادت تلك الهبة، أي القوى التي أسست”اللجنة الوطنية للطلبة والعمال” ووجهت نشاطها، وفي أعقاب تلك الحملة ضد القوى الوطنية ظهر مباشرة على الملأ تأييد جماعة الإخوان المسلمين لرئيس الوزراء الطاغية، وعندما اتسع نطاق الحركة الجماهيرية واستجاب النحاس باشا للضغط الشعبي وألغى في 8 أكتوبر1951 معاهدة 1936 التي كانت تربط مصر ببريطانيا، انطلقت في أعقاب ذلك عمليات الكفاح المسلح في منطقة قناة السويس، وشارك فيها الاشتراكيون تحت راية منظمة حدتو وحزب مصر الفتاة والوفديون، ولم يشارك فيها الإخوان وأبلغوا الملك فاروق بذلك، ولم تتوقف عمليات الكفاح المسلح إلا بعد مؤامرة حريق القاهرة في 26 يناير 1952، وكانت المخابرات البريطانية وجماعة الإخوان المسلمين وراء تدبير تلك المؤامرة وإشعال الحرائق بقصد إخماد الحركة الوطنية المتصاعدة وإيقاف عمليات الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال بمنطقة قنال السويس، وبعد تطور موقف حكومة الوفد وتخليها عن أسلوب المفاوضات ووقوفها في صف عملية الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال، والذي شكل ذلك منعطفًا هامًا، ومن علامات ذلك المنعطف اشتراك رئيس الوزراء الوفدي مصطفى النحاس في المظاهرة المليونية في 14 نوفمبر1951 التي حملت اسم “موكب الشهداء”، وشارك فيها الوفد وحدتو ومصر الفتاة، وتم الاتفاق أن يتم رفع شعارات وطنية عامة وليس شعارات حزبية، ولم يشارك الإخوان المسلمون في المظاهرة، وهكذا تعود الإخوان على تأييد ومنافقة الحكام الرجعيين الطغاة المعادين للشعب ولقضية تحرره،وكان القصر الملكي يستخدمهم دائمًا ضد الوفد وضد القوى التقدمية.
ثم اتخذ مسار الإخوان المسلمون منحنى أكثر عنفًا ودموية، وقامت جماعات الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ حسن البنا باغتيال بعض المعارضين، كان من بينهم رئيس الوزراء أحمد ماهر عام 1945،ومحمود فهمي النقراشي نهاية عام 1948 الذي كان رئيسًا للوزراء ووزير الداخلية آنذاك، وكذا اغتيال المستشار أحمد الخازندار في مارس عام 1948، على خلفية قضايا سابقة أدان فيها شباب الإخوان المسلمين، وعلى أثر هذه الأعمال، قامت جهات يعتقد أنها حكومية، باغتيال حسن البنا عام 1948، وإمتد الصراع بين الإخوان المسلمين وكل قوى التقدم والتحرر والديمقراطية في مصر، وبذلك لم يكن للإخوان أي رصيد نضالي في الحركة الوطنية التي مهدت لقيام ثور يوليو عام 1952،وعندما حدث صراع بين أجنحة ثورة يوليو حول مستقبل الديمقراطية، وقف الإخوان والإقطاعيون والأمريكان إلى جانب منع إقامة حياة نيابية، وكان هؤلاء جميعًا يروا أن عودة الحياة النيابية ستؤدي إلى إتاحة المجال للقوى الوطنية الديمقراطية لممارسة نشاطها السياسي والنقابي والثقافي الفعال، لهذا اتفق الإخوان المسلمون والرجعيون في الداخل والأمريكيون في الخارج على تأييد حل الأحزاب وعدم إقامة حياة نيابية، وسارت في نفس الاتجاه الصحافة الرجعية مثل دار أخبار اليوم ورموزها مصطفى وعلي أمين وأستاذهم محمد التابعي، وعندما اكتشف تنظيم الإخوان أن تنظيم الضباط الأحرار لن يشاركهم في السلطة، قاموابمحاولة اغتيال فاشلة للزعيم الراحل جمال عبدالناصر عام 1954 في حادثة المنشية الشهيرة،صدور بعدها قرار حل الجماعة، إلا إنها كمنت، متحينة الفرصة للعودة لتحقيق أغراضها متى سنحت الفرصة لذلك، وهو ما تحقق على أيدى إجيال جديدة، أكثر تطرفًا ورجعية وتخلفًا وظلامية واستبدادًا، استمر البعض منهم تحت نفس الافتة للإخوان المسلمين، بينما انشق الكثيرون مكفرين من سبقوهم وعلموهم التكفير، ثم انشق عنهم الأكثر تطرفًا واستبدادًا ووحشية، وهكذا دواليك، مدعومين بظروف موضوعية وذاتية كثيرة، مرت بها أغلب دول العالم الثالث، وفي مقدمتهم مصر والعالم العربي، وكانت بداية للهيمنة الفكرية الظلامية لتيار الإسلام السياسي، وخاصة الأكثر تخلفًا منهم، وهو موضوع مقالتنا القادمة.