أن العقد السياسي يتضمن الأطر الثابتة التي ستحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي المبنية على الأسس الديمقراطية
والحقوق الفردية والثقافة الليبرالية، ففكرة استخدام هذا العقد لتبرير أعمال تتنافى والمبادئ الليبرالية أصبح لا مجال لها اليوم في عالم السياسة، وبالتالي فالتنازل هنا مبني على فلسفة حكم الأغلبية المرتبطة بالحقوق الفردية كأساس للحقوق الجماعية، مع ضرورة مراعاة ألا يتم التفاوض مع المواطن أو المجتمع ومقايضتهما للتنازل عن الحقوق مقابل فكرة الأمن الفردي أو صيانة أمن المجتمع من خلال خفض أسقف هذه الحقوق أو إبطالها.
قد يرى البعض أن المجتمعات ليست بحاجة لعقد سياسي لأن العقد الاجتماعي موجود، ولكن نظرا لأهمية الفكر السياسي في صناعة الشرعية لأي نظام، فإن فكرة العقد السياسي أصبحت ضرورة ملحة للدول المتحولة نحو الديمقراطية حتى يكون العقد النظري بين المواطن والدولة له شكله وقواعده وبنوده القانونية التي يجب أن لا تتغير تحت وطأة الظروف الاستثنائية، إذ إن الاستثناء في الديمقراطية هو القاعدة المؤدية للديكتاتورية.إن الثورات العربية ما هي إلا إعلان عن (سقوط العقد الاجتماعي الذي كان قائم بين المواطنين ودولهم)
نتيجة تراجع الأخيرة في الوفاء بإلتزامتها الاقتصادية والاجتماعية نحو مواطنيها وتضييق شديد في جانب الحقوق المدنية والسياسية. حيث إن مفهوم الثورةُ يعتمد على (تأسيسٌ لعقدٍ اجتماعي جديد) يعبر عن مطالب الشعب المحقة وتطلعاته، ويُنهي أزمنة التناقض الذي بلغ حدا لا يُطاق. الثورة من هذا المنطلق هي انسلاخ من سيادة الماضي ووصاية المرجعيات المستبدة الأبوية، وارتباطا بالفكر المدني الحديث المعتمد على حقوق المواطنة الكاملة والمساواة.
وهذا يعني إن ثورات الربيع العربي هي في الأساس تشكل قطيعة مع نظام لم يعد بمقدوره ادعاء القدرة على قيادة هذه الشعوب بعد أن تآكلت شرعيته ومصداقيته. لكن في الآن نفسه، لن تكون عملية الانتقال هذه سهلة، وسوف يتطلّب تجسيد أفكارها في الواقع بذل جهود مضنية حيث لم يعُد الفكر السّياسي يبحث في أفضل الأنظمة الحاكمة وشرُوط المدينة الفاضلة، وإنما صارَ يبحث عن الشرعيَّة شرعيةِ تمثيل الإرادة الشعبية وحِماية حُقوق الأفراد الطبيعية. الشرعية الجديدة تتمحورُ حول الإنسان، حول حقوق المواطنة لديه، حول حريته، حول أمنه الاجتماعي والاقتصادي، حول حقه في المشاركة الكاملة والمساواة.
والعقد الاجتماعي هو في حقيقته دستور الدساتير لأنه انعكاس حقيقي وحي وصادق للإرادة السياسية للمواطن ومشاركته المجتمعية علي أرض الواقع. وإذا كانت مواد الدستور تبدو في صياغتها نصوصا قانونية جافة في معظم الأحيان فإن العقد الاجتماعي في صياغته منظومة فكرية أخلاقية ارتضاها المواطن ميثاق عهد متبادل مع المجتمع ومن هنا يكتسب العقد الاجتماعي أهميته ومرجعيته الشعبية، فالعقد الاجتماعي هنا بمثابة (وثيقة ديمقراطية للفكر السياسي ومقدمة ضرورية للحراك الاجتماعي علي مستوي المجتمع ككل بهدف تحريك الشق الآخر للديمقراطية السياسية والتي تتضمن الديمقراطية الاجتماعية).
ومعنى ذلك أن العقد الاجتماعي الجديد يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين، ووضع برنامج للتنمية المستدامة، والتركيز على مبدأ المواطنة، والانتقال من السلطوية التي ميزت أداة الدولة في الماضي إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان وفتح الباب أمام تداول السلطة.
إن الفريضة الغائبة والمهمة المفقودة في المجتمع السياسي العربي، صناعة التوافق الوطني العام وبناء السلام الاجتماعي وتعزيز شبكة العلاقات الوطنية وترصينها على أساس التفاهم والتعاون، من خلال جهد دءوب وصبور لفض النزاعات وصناعة الثقة، وتنشيط الطاقات الإيجابية في المجتمع، وتحفيز الحراك الاجتماعي المُولِّد بدوره للأفكار والبدائل، وتنمية “رأس مال اجتماعي” داعم للمصالحات الكبرى بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، ليكون متاحا، في ظل هكذا بيئة جديدة ومسئولة ومواتية، نمو وتبلور المناخ السياسي والاجتماعي اللازم لانبثاق أعراف دستورية داعمة للواقع التوافقي والسلمي المتحقق على الأرض. الدستور هو ابن السياسة
ومُنتَج الواقع الاجتماعي، وحين يكون الواقع تناحريا طائفيا يسوده انعدام الثقة سياسيا والكراهية اجتماعيا والفشل والتراجع اقتصاديا، يحكمه مبدأ حرب الجميع ضد الجميع، فإن الأعراف والتأويلات والتطبيقات الدستورية ستكون سيئة ومعطوبة مهما كانت نصوص الدستور متقدمة وجميلة وبراقة! أن العقد الاجتماعي، صار من الضروري أن يكون هو الفيصل في تحديد وظائف الدولة، وواجبها تجاه المواطن، وكذلك العلاقة بينهما وغير ذلك من المحددات التي من شأنها صياغة عقد اجتماعي جديد، يضمن انتقال ديمقراطي سليم، يحقق النتائج المرجوة منه.
لما كانت آمال الشعوب، التي تتطلع إلى الحرّية والحياة الكريمة، معقودةً على بناء الدولة الوطنية دولةَ حقٍّ وقانونٍ ومؤسّساتٍ، لجميع مواطناتها ومواطنيها، بالتساوي، دونما تمييزٍ على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس أو الثروة والمكانة، وبناء العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والثقافية على أسس المساواة والحرية والعدالة؛ فإن العقد الاجتماعيّ هو السبيل الوحيد الممكن والواجب لتحقيق هذه الآمال.
يذهب بعضهم إلى اعتبار العقد الاجتماعيّ تصوّراً ذهنياً ومثالياً يفسّر انتقال بعض الجماعات من “الحالة الطبيعية” إلى الحالة المدنية، أو من حالة اللاعقل إلى حالة العقل، حسب تعبير كانط. ويذهبون، قبل ذلك، إلى اعتبار “الحالة الطبيعة” تصوّراً ذهنياً، لا واقعاً تاريخياً.
خلافاً لهذه الرؤية، نفترض أن الحالة الطبيعية واقعٌ تاريخيٌّ، يشهد عليه انفجار المجتمع وترنح الدولة في كلٍّ من سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، وانفجار العنف الأعمى، وانهيار الثقة، وافتقاد الأمن، وتفشي مظاهر الهمجية والتوحش.
التاريخ، في اعتقادنا، هو مجرى الحياة الإنسانية، هنا والآن، وسيرورة تمدّنها وتقدّمها، أو انتكاسها وتراجعها، لا الماضي، ولا مجرّد تسجيل الأحداث والوقائع وفق تسلسل حدوثها في الزمن الخطّي، والزمن ليس كذلك. والحكم الرشيد كأحد القيم التي تبنتها هذه المنظمات راغبة أو راهبة، وأدمجتها في أجندة عملها، شقت طريقها نحو تطبيقات مختلفة في كيانات هذه المنظمات سواء على صعيد تطوير أنظمتها الداخلية بناءً أو تحديثاً أو على صعيد خططها الإستراتيجية وبرامج عملها ومشاريعها، بعد أن مرت بمراحل متعددة من النقاش والتدريب. إن غياب تشريعات منظمة لآليات عمل هذه المؤسسات يساهم في ذلك
فإن عدم تبني هذه المنظمات لمنهج التداول الديمقراطي في اختبار مجالس إداراتها يعكس بالضرورة غياب هذه القيمة من الممارسات الفعلية، أضف إلى ذلك أنه يقلص من مبدأ المساءلة الذي يعد ركناً هاماً من الأركان التي يقوم عليها الحكم الرشيد.
إن معضلة تحقيق الحكم الرشيد في المنظمات الأهلية ليست بمعزل عن محيطها الثقافي والاجتماعي والسياسي ـ سيما وأن هذه المنظمات هي انعكاس لمجتمعها وقيمه، إلا أن ذلك لا يعفيها من مسؤولية العمل الفعال وبجد نحو تحقيقه وترسيخ مبادئه في كيانها أولا وفي بيئتها المحيطة ثانياً سعياً نحو تحويله لثقافة سائدة وسلوك عام يتبناه المجتمع بكل مكوناته.