إبراهيم الشافعي
حين يتحدث خالد عبدالغني عن الأدب فهو أديب يعرف صنوفه وألوانه، فهو يكتب الشعر ويكتب القصة القصيرة، وحين يتحدث عن العلم فهو عالم متبحر في تخصصه ورغم صغر سنه فله كتب مطبوعة تفتخر بها المكتبة
العربية، وهو في ذات الوقت قارئ نهم في العلوم الإنسانية والفلسفة والدين، حتى لتظن أنك أمام رجل لم يترك بابا في العلم إلا وطرقه وفوق هذا كله إنسان بما تحمله الكلمة من معاني الإيثار وحب الآخرين. وأحكي مشهدا أخيرا جمع بيننا في ندوة عن مجموعة من الأحاديث النبوية جمعها ورتب لها المفكر الكبير الأستاذ رزق سالم والذي أشار إليه الدكتور خالد عبد الغني في أحد كتبه حين تناول حديث ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” من وجهة نظر علم النفس فقد صدر حديثه بسؤال هل من الصعب أن أحب لأخي هذا وأشار إليّ أن يحصل علي الدكتوراه مثلي وفي زمن قصير مثلما فعلت ،وما الصعوبة في ذلك ؟. وأجاب فقال: “هي من الصعوبة بمكان حتى يقرن الرسول بينها وبين الإيمان، إنها النرجسية الغشوم وحب الذات الذي لابد وأن يتخلص منه الإنسان ليستقيم إيمانه” فالنرجسية تحمل فيما تحمله من معاني “عشق الذات والعزلة والموت” كما تقول بذلك الأسطورة، وبهذا الروح التي لا تنم إلا عن شخصية الإنسان الحق أولا في اختيار الحديث والذي ينم عن حتمية نفسية في اختياره للحديث النبوي السابق، – فما عرفته إلا محبا للخير متسامحا إلا فيما يتصل بالقيم والمبادئ وكرامة الإنسان – ثم تناوله بهذا الشكل الجديد والذي هو في آن رؤية متفردة لصاحبها.
ويتناول كتاب “التحليل النفسي للإخوان والشيعة والهوية” قضايا طالما هي شائكة ومثيرة للجدل ولاسيما الإخوان وتاريخهم وحقيقة السلطة والدين وأيهما هو الأصل في فكر الجماعة، هل هو صراع في الأصل حول السلطة ويتخذ من الدين ستارا لهذه الطموحات السياسية؟ أم هو الدين والذي هو جزء منه السياسة بحكم أنها الموصل الشرعي لتحقيق الأهداف الدينية؟. والحديث عن الإخوان لم يبعد كثيرا عن فكرة الهوية والتي هي المبحث الأول في الكتاب، حيث يعتقد مؤلفنا أن فكر الجماعة والذي يهدف في الأصل إلي الوصول كما يزعمون إلي الخلافة الإسلامية ثم أستاذية العالم، فهم يفتقرون بلا شك إلي مفهوم الهوية المصرية والانتماء لها، إذ أنهم ينتمون في الأصل إلي كيان أكبر ومفهوم أوسع، فمصر جزء من الكل.. ومصر رغم الجهود المضنية من قبل المستعمر – منذ بدأ الاحتلال الفرنسي 1798 ومرورا بالاحتلال الإنجليزي 1882 والذي استمر لقرابة سبعين عاما – لم يستطع المستعمر خلالها أن يغير من الهوية المصرية والتي قال البعض أن سببه هو الأزهر كعامل أساسي وغيره من العوامل الفرعية، إلا أن الشخصية المصرية متفردة بطبيعتها تؤثر وتتأثر ولكن لا تذوب في الآخر وهو ما أبقى لهذه الإشكالية رونقها وبهاءها وخلاصة القول كما قال صاحب الكتاب “إن الهوية المصرية متفردة فقد استوعبت كل الحضارات التي مرت عليها وأنتجت نسيجا خاصا بها هو “المصرية” وإن أردت أن تصنفها فلن تستطيع فهي الهوية الإسلامية بحكم الأغلبية والعربية بحكم الثقافة واللغة وهي المصرية القديمة والقبطية بحكم التاريخ والوجود والمكان. وفي قضية الانتماء أشار الدكتور خالد محمد عبد الغني في كتابه الذي بين أيدينا إلى فكر المستعمر في تقسيم المنطقة وإدخال تعديلات جوهرية على ترتيب دوائر الانتماء بتراجع الانتماء للدولة ليحتل ذيل القائمة وتصعيد انتماءات أخرى عرقية ودينية ومذهبية لتحتل الصدارة، فهو فكر استعماري خبيث وتغيير في جغرافيا المكان. وأشار أيضا إلى أن الإخوان المسلمين كانوا يسيرون في خلال فترة حكمهم لمصر إلى تغيير هذه الهوية في محاولة منهم لنزوح أهل غزة إلى شمال سيناء واقتطاع حلايب وشلاتين للسودانيين في إشارة ضمنية منه أنهم ينفذون هذا المخطط بأنفسهم فهم شركاء فيه. الأمر الذي لم يحدث في الواقع خلال فترة حكمهم والتي لم تكمل عامها الأول والتي لم تنتهي من يومها نكبات المناطق التي أشار إليها صاحب الكتاب.. وعندما ترى بعين الحقيقة تجد أن من هجر البدو في شمال سيناء لم يكن الإخوان ومن يساعد علي تغيير هوية المكان الآن ليسوا هم بالضرورة. كما إن هناك مستجدات على أرض الواقع تقول أن من يغير خريطة مصر ومن ينادي الآن بأن بعضا من أرض مصر- ليست مصرية – ليسوا الإخوان والذين أظن أنهم لم يعطوا فرصة كاملة للحكم عليهم في مدي صدق ما ذهب إليه الدكتور خالد عبد الغني ويبقي على ما أظن أن ما يقول فيهم مجرد رأي شخصي ومن خلال وقائع فردية لا ترقي للحكم علي جماعة ممتدة في تاريخ مصر من عهد الملكية إلى الآن.
ويقول صاحب كتاب “دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين” الشيخ محمد الغزالي بأن ملهم هذا الكتاب وصاحب موضوعه هو الإمام حسن البنا، الذي وصفه ووصفه كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة. ويضيف أيضا أنه وخلال عشرين عاما صنع الجماعة الذي صدعت الاستعمار الثقافي والعسكري ونفخت روح الحياة في الجسد الهامد. كما يقول أيضا أن هذا كان سبب تحرك أمريكا وانجلترا وفرنسا للضغط علي الملك لحل الجماعة فحلت الجماعة وقتل إمامها الشاب الذي بلغ اثنتين وأربعين من العمر. فقد مات الإمام ولم تمت الجماعة والسبب الأول في حل الجماعة أظن أنه هو السبب الأخير في حظرها وهي أسباب واحدة يهدف المستعمر إلى إيجادها لزعزعة الاستقرار ووضع فتيل الأزمة والفرقة . وفي هذا يذكر المؤلف ما يلي :” ارتكبت الجماعة أعمال عنف واغتيالات تسببت في قرار حلها، فقتل الإخوان النقراشي باشا – رئيس الوزراء – فى يوم الثلاثاء 28 ديسمبر 1948 أمام المصعد فى مدخل وزارة الداخلية. فقتلت الدولة حسن البنا في 12 فبراير 1949 ردا على مقتل النقراشي. وأما القول بأن حسن البنا إماما ففيه قدر كبير من المبالغة فقد يكون ذكيا فطنا ملهما مثقفا مبدعا…الخ أما إماما فأعتقد لا فهي بحاجة لعمر طويل وباع في العلم وتفرغ تام لتحصيله وتراث معرفي يتركه الفرد، وماذا يمكن أن نسمي الشيخ محمود خطاب السبكي مؤسس الجمعية الشرعية قبل الإخوان على الأقل بعشر سنوات؟.. ألا يكون هو الآخر إماما ومجددا للإسلام تلك الصفة التي ألصقت بكثيرين على غير الحق وحرم منها الكثيرون بغير الحق أيضا، وفيما يتصل بكونه شهيدا نجد أنه قتل بعد خروجه من المركز العام الشبان المسلمين بشارع رمسيس فأي ميدان للشهادة مات فيه!! ولعلنا نشير إلى أن صلاح شادي يهمس بطرف خفي بضلوع بعض قادة النظام الخاص في التآمر على حسن البنا، خاصة بعد أن كتب بيانه الشهير الذي قال فيه أن مرتكبي قتل النقراشي “ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين”، ولا نستغرب ذلك فهؤلاء القادة هم من قتلوا السيد فايز قائد النظام الخاص الذي تولى المسئولية بعد عزل عبد الرحمن السندي من قيادته”.
وفي مبحثه الثالث من الكتاب يتناول الدكتور عبدالغني قضية الشيعة وهي من القضايا التي تؤرق من يتكلمون عن الوحدة والسعي ورائها..ولكن التناول هنا ليس تناول فقهي ولا لرأب الصدع بين أهل السنة والشيعة إنما تناول من وجهة نظر خاصة جدا لا أجد في الرد عليها أو تفنيدها ما يعينني عليه. بل لا بد أن تسلم بها، فهي كأبجديات الرياضيات تؤدي أحدها إلى الأخرى ويقف الرجل موقف المحايد من القضية ويتعامل مع شخوصها على أنهم بشر فلا عصمة لبشر غير النبي فتجده يقف موقفا صارما من الصحابة الذين تخاذلوا عن نصرة الحسين وكأنهم أرادوا له ذلك ضمنيا والرأي الأوجه الذي أظنه ينسب لصاحب الكتاب ولم يسبقه إليه غيره هو “أنّ قتلة الحسين إنما قتلوه انتقاما من الدين وامتدادا لثارات قديمة لأجدادهم وآبائهم مع الرسول والرسالة ويثير المؤلف في بحثه تساؤلات عدة حول الحسين ومقتله وكثير من سلوكيات الشيعة، إلا إننا نرجوا منه في أبحاثه المقبلة برأيه الثاقب وبصيرته النافذة أن يكمل لنا البحث في هل ثمة فرصة للالتقاء، أقصد بين السنة والشيعة؟ أم هو طريق ومنحي سياسي فقط كما يقول وليس له علاقة بالدين من بعيد أو قريب !!..
وفي مبحثه الرابع والأخير يتناول الكاتب بأسلوبه الفريد قضية قهر الضحية وجنون الجلاد في رواية يوسف إدريس “العسكري الأسود”، ولم أكن أعلم أبدا ولم أتخيل أن يحتوي الأدب علي كل هذا الثراء النفسي والذي يفاجئنا الدكتور خالد في بحث جديد سواء أكان شعرا أو نثرا قصة أو رواية بتحليل وإبراز ما في شخصيات الكتاب من مكبوتات. و أكاد أجزم أن صاحب الكتاب هو من أكثر من قدموا بحوثا في التحليل النفسي للأدب بلغت حتى الآن سبعة عشر بحثا منشورة بالدوريات المتخصصة في النقد الأدبي في مصر والبلاد العربية. وتتفق شخصية الدكتور شوقي في رواية “العسكري الأسود” مع ما ذهب إليه الكاتب في بحثه عن الإخوان والسلطة حيث صور لنا يوسف إدريس صاحبه بالمؤمن شديد الإيمان بقضيته فهو يدافع عنها بثبات ويبرز يوسف إدريس تطلع الدكتور شوقي للسلطة في سعيه الدائم للعمل في الفترة المسائية حيث يكون هو السيد والآمر والناهي كما يبين انتهازيته حين يطالع كشوف المرضى ليأخذ من بينها شخصية تكون قريبة من عيادته أو بيته ومن ثم يذهب بعربة العمل والتي توصله بعد ذلك خلسة لبيته.. ويتوحد شوقي بعد ذلك بجلاده بعد خروجه من السجن فنجده يمارس التسلط ذاته مع العساكر الذين يأتون إليه لعمل أجازة مرضية فلا تجدي معه توسلاتهم ولا دموعهم وبابتسامة تنم عن تشفي تجده يرفض هذه التوسلات..إن شخصية شوقي من الشخصيات الثرية في رواية العسكري الأسود ولا أدري إن كانت أحداث الرواية حقيقية عاشها يوسف إدريس مع صديقه الإخواني ومن ثم فالتحليل ينطبق بشكل كبير علي حقيقة التكوين النفسي لهؤلاء أم من خيال المؤلف ومن ثم فالتحليل هنا سيكون له منحي أخر ومعني يتسق مع رؤية يوسف إدريس للإخوان. ويحضرني موقف مع صديق إخواني – أعرفه منذ فترة طويلة ولم أعلم عنه إنه إخواني إلا من فترة ما قبل الثورة في 25 يناير أو أثنائها – هو متحجر الرأي لا يثنيه عن رأيه شئ, ثم إذا ما لزم الأمر فهو شتام وبذيء ، وقد أطلعنا الدكتور خالد في تحليله أن هذه السمات هي صفات النكوص الفموي والتي صاحبت شخصية شوقي في الرواية فهل ثمة تقارب أو تشابه بين الشخصيتين – شوقي وصديقي الإخواني – فشوقي كان مؤمنا بقضيته مدافعا عنها بكل جوارحه فصاحبي أيضا فيه نفس السمات وإذا كان شوقي مفوها ومتحدثا لبقا لا يمل من الحديث ويدافع عن رأيه بهدوء بال كأنما خلق لمثل هذا الجدل، فصاحبي ولا شك فيه هذه الصفات أيضا. وأما الأصل الأصيل في شخصية شوقي وهو التوحد بالمعتدي والنكوص الفموي في صورتيه كما بينها الدكتور خالد عبد الغني من النكوص العكسي أي حب الاستماع الشديد والذي بينه لنا يوسف إدريس في مشهد من الرواية عندما يتوقف يوسف إدريس عن الكلام كان يحثه بنفخة من سيجارته أو إيماءة. والصورة الثانية التي تتمثل في اتخاذ أساليب دفاعية في إحداث لذة عن طريق كثرة الكلام والبلاغة، فصديقي الإخواني أيضا يتمتع بحب الاستماع كما أن فيه هذه الطاقة إلى كثرة الكلام والبلاغة. وتكاد تجزم بمطالعة بسيطة لكلا الشخصيتين أن كلاهما سواء. وفي نهاية الطواف في هذه الأبحاث الشائكة، مهما اتفقت أو اختلفت مع مؤلف الكتاب إلا إنك لا تملك أن تقطع ببطلان هذا التحليل كله أو تقبله كله، فأنت في صراع بين ما هو حقيقي فرضته هذه الرؤية التحليلية النفسية وبين ما هو مثل أعلى تحب أن يكون في شخصية هؤلاء – الإخوان – الشيعة – إلا أننا نسلم بالعلم على الهوى والطموح إلى المثل الأعلى، يجعلنا أولا نرى النقص والقصور في حياة هؤلاء.. كما أنه لا يعنينا المثل الأعلى– الفردوس المفقود – حيث أنه حتما غير موجود الآن. طوّف صاحبنا وأبدع وننتظر منه كل جديد.