تجلس فوق أريكتك متعبا تداعب شعر الفراغ،وتنظر ذاهلا لكأسك وقطعة من الكعك المحلى هيآخر ما تبقى من وجبتك الدسمة .. ثم تتناول فيبطء شوكتك الفضية وسكينا ينعكس فوقها نورالثريا فوقك. تشطر الكعكة
نصفين، وتمزقالنصفين أنصافا كثيرة. ثم ترفع في تؤدة أنصافك،وتتباعد بين شفتيك لتضع حمولة لذيذة بينأضراسك النخرة، ثم تضع الشوكة جانبا، وتمسحشفتيك. وبعد دقيقة .. وربما دقيقتين، ترفع الشوكةنحو فمك في فتور، ولا تعبأ بعينين تراقبانك فينهم وأنت تمارس طقوس مللك.
وحين لا تجد في فضاءات بطنك متسعا للمزيد،ترفع الطبق ونصف الكعكة فوق رأسك لتضعها فيدولاب نصف مفتوح. وتوارب جفنيك قليلا فلاترى إلا يسيرا من الموجودات حولك. لكنك تنتبهفجأة إلى مواء قطة قفزت فوق كرسي مقابل،لتصعد في حركة بهلوانية فوق الطاولة، ومنها إلىخزانة الطعام نصف المفتوحة. وقبل أن تتمكن منفتح عينيك على مصاريعها، تمد القطة فمها لتلتهمما نجا منك. وفي تلك اللحظة، ينقض عليها غرابطويل، لم تنبته لسواد أرياشه فينتزع من بينمخالبها قطعة الكعك، لتدور بينهما معركة يختلطفيها المواء والعقعقة.
تنتبه من فتورك، وتقرر التدخل للحسم .. فتحركيدك يمنة ويسرة، فتطرد المتصارعين حول وليمةليست لهما، وتمسك الطبق بكلتا يديك، ثم تضعه فيحزم أمام كلبك الوفي الذي لم يبارح مجلسه بينركبتيك، ولم يرفع قائمة لينتزع قطعة الكعك منطبقك أو من فم المتخاصمين بين يديك رغم قدرتهومسغبته. كنت تسمع قرقرة بطنه، وترى سيللعابه يتدفق بين قدميك، لكنك كنت تتجاهل حاجتهوصبره. والآن، لا تجد خيرا منه يصلح لحراسة مااشتهى واشتهيت. تضع الطبق في بطء بين قدميه،وتغمض عينيك في انتظار إغفاءة تشتهيها. وبعدساعة أو ساعتين، تفتح عينيك وتتثاءب كالعادة،وتنظر بين قدميك، فتجد الصحن فارغا، والكلب فيسبات. فتهزه بشدة وتشده من ذيله، وتركله بأقصىما تستطيع من حنق، فينبح الكلب قليلا، ثم يعودللنوم.
كان الكلب وفيا بقدر عجزه، لكنك لم تلمح ذلك بينعينيه. ولم يمد قوائمه لينازعك طعاما تشتهيه، لأنهيعلم كما تعلم أنت عقوبة من يتجرأ عليك. ولم يقفزالكلب فوق مائدتك لأنه لا يستطيع الوصول إلىخزانتك العالية، ولأن جسده أثقل من أحلامه، ولأنعصاتك الغليظة أقرب إليه من حبل الوريد. لهذا،اكتفى بالصمت والقرقرة. كنت تظن صمته عجزاوسكونه أمانة، لهذا تجاوزت في ظلمه والاستخفافبمخالبه وأضراسه.
كيف يستطيع كلب أن يتحمل قرصة الجوع في حينيراك لا تتحمل تخمة الشبع؟ وكيف يصبر علىقرقرة لا تهدأ، وهو يرى من لم يحرث أو يحرسشريكا في وليمة صنعها على عينيه؟ جوعت كلبكأيها السمين الشره كي يتبع ظلك، ويجلس طوالحفل الشواء بين قدميك، دون أن تمد يدك المغلولةإلى فيك بعظمة أو فك، ونمت مطمئنا إلى حكاياتالعجائز عن وفاء المضطر وولاء المعوز. واليوميصدمك فراغ الأطباق وفراغ الكون حولك منالمخلصين. جوع كلبك أو لا تجوعه، فلن يتبعكحتى يرى خيطا غير هلامي يربط مصيركبمصيره، ويضمن له حق البقاء.