حين يذهب زيد ويأتي عمرو، يسأل الناس عنسر الإطاحة بالأول، لكنهم لا يسألون أبدا عنسبب قدوم الأخير .. ربما لأنهم جربوا زيدا ولميروا على يديه إلا الفقر والبؤس والحاجة،وربما لأنهم يفهمون بالسليقة أن الاختيار كانعشوائيا بامتياز، فلا يكاد يميز أى عمرو إلايدين متسختين ولسان يكيل المديح لكل من علترتبته وسمت منزلته. لكننا نظلم الوطن حيننخصه بالفساد، فقد سبقتنا إلى سبل الرذيلةالسياسية شعوب كثيرة، وما الإغريقيون القدماءمنا بقريب. 

فذات زيارة إلى مأوى الحكيم الساخر ديوجين،والذي كان بيته نصف برميل لا يكاد يقيهحرارة الصيف ولا برد الشتاء، رأى الحكيمأرستيبوس صديق طفولته البائسة يجلسالقرفصاء فوق أرض خشنة أمام طبق منالعدس البارد وفي يديه كسرات خبز يابسة.عندها رق قلب الحكيم لحال صديقه، ومال علىرأسه اليابسة يقبله ويقول بصوت متهدج: “لوتعلمت مديح الملوك يا صديقي، لما اضطررتإلى تناول العدس.”

وهنا فقط، رفع ديوجين رأسه، ليرى أثر النعمةباديا على وجه صديقه القديم  ومنحنى كرشهالمتهدل. ازدرد ديوجين المضغة التي ظليلوكها في شدقيه دونما شهية، وقال لأرستيبوسفي هدوء وثقة: “ولو تعلمت تناول العدس ياصديقي، لما اضطررت إلى مديح الملوك.”

الداء عضال إذن، والرذيلة متوارثة، وما نحنإلى دروب الفساد بسابقين. كان ديوجين غريبالأطوار حد الفجاجة حين خرج على قومه منالبرميل في وضح النهار وهو يحمل في يمناهمصباحا لا يكاد يضيء بحثا عن رجل. وكانشجاعا حد التهور حين زاره الاسكندر الأكبرذات ظهيرة في مأواه الحقير وهو نصف عاريستمتع بحمام شمس ليسأله عن حاجته. في ذلكالوقت كان الإسكندر يحكم نصف ما أشرقتعليه الشمس من أوطان، وكان باستطاعةديوجين أن يلقي قصيدة عصماء في امتداحشارب الحاكم أو حاجبيه، ليحظى بنومة مريحةفوق أسرة من زغب. كان باستطاعته أن يمتدحزي الحاكم أو أن يثني على فتوحاته العظيمةلينال عشرين فدانا في الساحل الشمالي أو وديعةفي حسابه الخاص ببنك كريدي سويس، لكنالبائس التعس لم يفعل. وحين سأله الاسكندر: “هل لك من حاجة؟” قال في صلافة غر: “نعم.. أريدك أن تبتعد قليلا لأنك تحجب الشمسعني.”

فلنعتد إذن مضغ الخبز اليابس والنوم في براميلالوطن، فهو أشرف وأنبل من رقص القرود عندأقدام الولاة على أية حال. وعلى من يملك كفيننظيفين وقلبا نقيا في مجتمع يزداد فسادا كل نانوثانية أن يحمد الله، وأن يرفع رأسه كديوجينليقول لكل من يحجب ضوءالشمس: “إليكعني.”

لا نريد من وطن يزداد قتامة سياسية كل يوم إلاحمام شمس دافئ، ولا نطمع في اقتسام الثرواتمع المطبلين للولاة أو الراقصين فوق كل بلاط.لا نريد أن نحمل حقائب وزارية ولا نحب أننكون من المحافظين. فقط نريد من وطن يزدادضيقا كل مطلع فجر بيوتا من صفيح تقينا قيظالهجير وزمهرير الشتاء. دون أن يحجب أحدهمعنا ضوء الشمس التي توارثناها جيلا بعد جيل.لكننا كنا نتمنى أن يخرج المسئولون عن وطنيتلمس مصيره في محيط معتم وفي أياديهممصابيح من وعي للبحث في براميل الوطنالمتهالك عن رجال يقدرون حجم المسئوليةويأكلون العدس ولا يأكلون الحرام.

عبد الرازق أحمد الشاعر

By جريدة الفراعنة

(جريدة الفراعنة) عندما يكون للحرف معني ، جريده مصريه مستقلة شامله تعبر عن مختلف الآراء لمختلف الأطياف نرحب فيها بآرائكم ومقالاتكم وأشعاركم وأخباركم ، نقدم خدمه إخباريه ثرية لدينا عدد كبير من المراسلين المميزين و نخبه من الكتاب البارزين ويسعدنا أن تكون جريدة الفراعنة مدرسه لتخريج جيل من شباب الصحفيين جريدة الفراعنة مستقبل له جذور أسسها محمد زكي في ديسمبر 2011 البريد الإلكتروني alfaraena1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.