د/ عبد العليم سعد سليمان دسوقي
رئيس فرع الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بمحافظة سوهاج
مقدمه: شهد العالم في الحقب الأخيرة من القرن الماضي تشكلا لنظام عالمي جديد اتضحت معالمه و آلياته تدريجيا حتى وصلت في تجلياتها العليا الى ما يطلق عليه العولمة , التي أصبحت الإطار الذي يفترض أن تتحرك فيه و تتأثر به كل الظواهر المجتمعية على المستوى المحلي و الإقليمي و الدولي . كما اعتبرت آلياتها هي الحاكمة لكل ما سبقها من انجازات المجتمع الدولي الاقتصادية و السياسية و الثقافية بحيث أصبحت هذه الانجازات الى حد كبير مسخرة لخدمة أهداف العولمة سلبية كانت أو ايجابية.
تبلورت ظاهرة العولمة و تم تأسيسها و تقنينها على مدى الحقبتين الماضيتين من خلال عدد من السياسات التي من شانها أن تؤدي الى تحقيق الهدف الاستراتيجي لها , و هو إعادة تشكيل النظام الاقتصادي لجميع الدول و تحويلها الى اقتصاد السوق بهدف إدماجها جميعا في اطار السوق العالمي , و لتحقيق هذا الهدف الاقتصادي ,تشمل العولمة تجليات و آليات ذات أبعاد سياسية و اجتماعية و ثقافية و عسكرية , تنعكس على الشعوب العربية من خلال تبني الحكومات لسياسات وبرامج العولمة وتحويلها الى سياسات عامة وطنية يؤثر تطبيقها على حياة المواطنين سلبا أو إيجابا .
- الشباب العربي و التداعيات الثقافية للعولمة :
يمتلك الوطن العربي تراثا ثقافيا ثريا وعميقا بعمق تاريخ المنطقة , بني من تنوع عناصره البشرية (عرب- فراعنة – بربر – أتراك – أفارقة – عجم …) ومن تعدد الديانات به ( الإسلام – المسيحية – اليهودية ) و من تنوع الحضارات المؤثرة فيه ( الإسلامية – الفرعونية- اليونانية – الرومانية …) فضلا عما تضيفه جغرافية المكان للثقافة العربية , ووفق المد أو الجذر الحضاري لأي وطن تبرز أو تختفي الملامح الايجابية لأي ثقافة , و إذا كنا الآن في مرحلة جذر حضاري , فان الملامح الايجابية لثقافتنا العربية يحجبها بعض الحجب , مما يسهل الأمر كثيرا على ثقافة المرحلة الراهنة و هي العولمة ,تلك المرحلة التي تتبلور ملامحها بحكم تعرض البشر في كل مكان لرسائل إعلامية و ثقافية مشابهة تصدر أساسا من المركز الذي هو الآن الولايات المتحدة الامريكية خصوصا و مصادر الثقافة الغربية عموما و منى ذلك إننا أمام أخطار تهدد الخصوصيات الثقافية للوطن العربي .
- تداعيات العولمة على القيم عند الشباب :
هناك أدوات كثيرة لا يحدها شدة التقسيم الطبقي أو السكاني أو التعليمي أو الجغرافي مثل القنوات الفضائية و ما تبثه من مواد إعلامية ” معولمة ” تجد أرضية خصبة في المنطقة العربية تتفاوت خصوبتها انطلاقا من قوة بناء المورد البشري ( الشباب ) المستقبل لها.
و يمكن تقسيم الشباب الى ثلاثة فئات رئيسية تبعا لتأثرهم بأدوات العولمة ( المعولمة ) التكنولوجية , فئة الشباب الذي حصل على فرص تعليم جيد و امتلك مهارات متعددة و يتقن أكثر من لغة حيث تنتمي هذه الفئة اقتصاديا الى الأثرياء القادرين على شراء الخدمات التعليمية الراقية ومن ثم فان أسواق العمل أمامهم متاحة وواسعة .
فهم شباب يتمتع بقدر كبير من حرية الاختيار مقارنة بنظرائهم تحكمهم علاقات أسرية أكثر مرونة و بصورة عامة لا ينشغل شباب هذه الفئة بالقضايا السياسية المحلية و قد مدت العولمة هذه الفئة بأدوات و إمكانيات عليا للمعرفة و المتعة و فرص التعلم الأمر الذي أمدها بعلاقات اتصالية أعمق بالعالم في حين اضعف صلتها بوطنها ” ازدواج الجنسية ” حيث لم تعد هناك فعاليات محلية قادرة على جذبها و انتزاع اهتمامها كتلك الأحداث الوافدة عبر التكنولوجيا و الاتصال الحديث , و هي الحالة التي يمكن أن نطلق عليها العزل الاختياري .
و هناك فئة الشباب الذين يستفيدون من الإمكانيات الوطنية المتاحة و التي غالبا ما تكون متاحة و التي تتيح لهم الحصول على شهادات دراسية متنوعة الا أنها لا تمدهم بالمهارات و المعارف التي تفتح لهم سوق العمل و تضم هذه الفئة شباب الحضر و الريف الذين يدركون من تكنولوجيا العولمة القنوات الفضائية أكثر من الانترنت لسهولة الوصول إليها في حين يكون الثاني غالبا أداة للمتعة و اللعب و التمرد على المحظورات أكثر من كونه وسيلة كسب معرفية و اتصالية متاحة و تتلقى هذه الفئة قيم العولمة عبر القنوات الفضائية و تقليد الفئة الأولى سلوكيا و هو ما ساهم في تغيير ثقافة هذه الفئة .
و الفئة الثالثة هي فئة الشباب الذين لم يتعلموا أو لم يتخرجوا أو أولئك الحاصلين على مؤهلات متوسطة و الخارجين من عمق الفقر و الحرمان و خاصة القادمون من القرى الفقيرة و مناطق العشوائيات هؤلاء إما محرومون حرمانا تاما من تكنولوجيا العولمة أو مستهلكون للمواد الإعلامية التي تبث عبر الإعلام المدني و المسموع و هم فئة واسعة يختلف حجمها من بلد لآخر الا إن اخطر مشكلاتها هو هذا التعرض الكثيف لقيم جديدة تقدم بواسطة أنداد لهم من شرائح أخرى الأمر الذي يدفع شباب تلك الفئة الى التقليد بدون الاستناد الى بناء فكري نقدي يقلص من التقليد , فتكنولوجيا العولمة تكرس الشعور بالدونية و الحرمان لدى هذه الفئة من الشباب و تدفع بهم الى الياس و العنف , هذه الفئة تشكل القوة الأساسية للجريمة و المخدرات و العنف.
إن التداعيات الثقافية للعولمة على الشباب العربي لا تتم بصورة واحدة و لا تمارس نفس التأثير لدى الفئات المختلفة للشباب الأمر الذي يعزز و يعمق نوعين من الازدواجية في نسق القيم .
ازدواجية قيمية داخل المجتمعات العربية تفسرها مؤشرات متعددة كالفساد الإداري و الدعوة للانتماء للوطن و ازدواجية قيمية داخل الشباب ذاته تعكسها مظاهر منها الفقر و المغالاة في المظهر و الرقة كلا النوعين من الازدواجية يتقدم و يتراجع بناءا على قوة الكيان المجتمعي أو قوة كيان الفرد.
و بصفة عامة فان الوعي في عملية الاتصال الثقافي يتطلب توفر النضج النفسي و الاجتماعي و الاطلاع بما يحدث في العالم و هو الأمر الذي يتطلب بحثا عن الآليات التي تحقق هذا الوعي , و إذا كان الشباب العربي اليوم مضطرا الى الانخراط في العولمة لكن مشكلة الانخراط هي تداعياته التي تحدد الى درجة كبيرة مدى القدرة على التكيف والمشاركة في أوجه النشاط داخل الوسط الاجتماعي المحلي , فالشباب العربي الآن تحكمه حالتان , الأولى تتعلق بالتفاعل مع التكنولوجيا القادمة و التدفق الإعلامي و المعلومات القادمة إليه عبر الانترنت و الأقمار الصناعية و القنوات الفضائية , أما الثانية فتتعلق بالانعزال عن التكنولوجيا و الحفاظ على الهوية العربية للشاب العربي بخصوصيته الثقافية .
و الحقيقة إن الشباب العربي يعيش كلتا الحالتين , لهذا فالشاب ليس كتلة صماء في تأثره بالتداعيات الثقافية و الاجتماعية للعولمة , تلك التداعيات التي يحدد ملامحها العامة الانتماء الاجتماعي و الاقتصادي للشاب , فهناك فئة قادرة اقتصاديا و هي تمثل القلة القليلة , و فئة متوسطة تتقلص الى الثلث و القطاع الأكبر ينتمون الى الفقراء .
- آليات مقترحة لمواجهة تداعيات العولمة على الشباب العربي :
إذا كان علينا أن نبحث عن سبل للتعامل و التكيف مع العولمة و تحدياتها على ارض الواقع , شاننا شان الدول النامية من منطلق إننا نبحر في قارب واحد تتلاطم أمواج العولمة العالية حوله .
فعلينا أن نفكر قبل ذلك في الأسس التي يمكن الاستناد إليها في التعامل الخلاق مع العولمة . ربما كان الاستناد في هذا التعامل الى رؤية غير تقليدية لظاهرة العولمة و الاستفادة من النماذج الناجحة في التأمل مع هذه الظاهرة و أن يرتكز التعامل الى دور الدول القومية , و أن نختار بين أساليب التأمل الخلاقة و المتاحة ما قد يسهم في تجاوز هذه التحديات . فالواقع إن التهميش هو اخطر ما يواجه العرب , لان هويتنا اقوي من أن تتآكل و ثقافتنا أكثر صلابة من أن تذوب , و لم يتمكن الاستعمار الاستيطاني من تذويب هوية الفلسطينيين مثلا و لكن يصعب تحسين الوضع و تجنب التهميش بدون اندماج في العالم , و لذلك كان من الضروري أن تنحاز رؤيتنا في التعامل مع العولمة الى جانب هذا الاتجاه العقلاني الذي يبحث عن العوامل و المشكلات التي تكرس التهميش الذي يهددنا . و يمكن لهذه الرؤية غير التقليدية أن تستفيد من التجارب العالمية الناجحة سواء كانت نماذج يابانية أو غيرها لان تجربة اليابان جديرة بان تكون في الخلفية عند مناقشة أوضاع و مستقبليات العولمة , لأنهم لم يتأثروا في خصائصهم الثقافية و سماتهم القومية الأساسية بالغرب . و قد تقدم النموذج الياباني بالاعتماد على توجهات خاصة تركز على المصلحة الوطنية من منظور جماعي , و التصق اليابانيون بالمصلحة الوطنية و ابتكروا أساليبهم لمواجهة التنافسية الدولية في مجال التكنولوجيا و البحث و التحديث و التطوير , و صعدت دول النمور الآسيوية من خلال الكثير من المبادئ الجماعية و التكتلات و التعلم و التدريب و هكذا يمكن لمسيرة التأمل مع العولمة أن تستلهم ايجابيات اليابان و إخوانها ما قد يسهم في تحفيز و تنظيم و تعظيم القدرات الوطنية و يجعلها سندا قويا للتنمية .
غير أن تغليب الرؤية غير التقليدية في التعامل مع العولمة و استلهام التجارب الناجحة في العالم يتوقف على دور الدول القومية , و إذا كانت العولمة تؤثر من خلال مساراتها المختلفة على وضع الدولة , الا إن الدولة القومية لم تختف بعد , كما أن نطاق عمل الحكومة قد ازداد و لم يتقلص مع توسع العولمة , و تحتفظ الدول بقدر معقول من القوة الحكومية داخل حدودها الإقليمية و مع الهيئات و التجمعات غير القومية ,هذا ما يساعدها على الاندماج في المجتمع الدولي و التعاون مع غيرها من الدول في الحدود الإقليمية و العالمية , و كل هذه العوامل تتضافر و تؤثر على فاعلية اختيار الوسائل الخلاقة في التأمل مع العولمة .
و إذا كانت أهم مشاكل العرب في تعاملهم مع العالم هي مشكلة المعرفة فان التأمل الخلاق مع العولمة يتطلب إقامة مجتمع المعرفة , و على الدول العربية أن تعيد تقييم أوضاعها العملية و التكنولوجية , بهدف مواكبة الجديد و التغلب على مخاطر التهميش و قد ازداد على مدى الأعوام الماضية الوعي بأهمية تطوير نظم المعرفة خاصة في مجالات الدراسة العلمية و التكنولوجية باعتبارها القاعدة الأساسية أو المدخل الأساسي لبناء قاعدة علمية و تكنولوجية متطورة , ولمواجهة التحديات المختلفة للعولمة يتطلب الأمر التحرك على مستويات مختلفة , من خلال إعادة بناء القدرات الوطنية و تقويم الاقتصاد على أسس سليمة و تحقيق قيم العدالة و المساواة و الكرامة و تأهيل المجتمع للدفاع الايجابي عن استقلال الوطن و كرامة قراره السياسي المستقل بعيدا عن ضغوط المساعدات و شروط المعونات و إجحاف الاتفاقيات و تعسف المانحين , و يستطيع المجتمع المدني أن يتحرك في اتجاه المشاركة في تجنب مخاطر العولمة و تنظيم الاستفادة بما تقدمه من فرص , و أن تسهم المنظمات غير الحكومية في مواجهة أنماط الفقر و تأسيس شبكات الأمان و برامج التدريب و خلق فرص عمل و نقل المهارات و أن تلعب دورا تنمويا شاملا يحقق نقلة نوعية في الحياة تمشيا مع الاهتمام العالمي في هذا الاتجاه و تجعل البعد الدفاعي لمناصرة الحريات و حقوق الإنسان و الفئات المهمشة بعدا أساسيا في أنشطتها استثمارا لما تقدمه العولمة من فرص لدعم الديمقراطية .

التعليقات