إن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد المالي والاقتصادي بكافة مظاهره، والسهر على سيادة القاعدة القانونية التي يحاسب في ظلها الجميع وإعادة الثقة الاقتصادية والقضائية، تعد من الرهانات الأساسية الموضوعة أمام المعنيين
بالتشريع والقائمين على تطبيقه في المجتمعات الاقتصادية النامية
ولا شك إن هناك جرائم عادية لها آثار اقتصادية كالسرقة والاختلاس والتزوير والرشوة والابتزاز والنصب والاحتيال والغش والتدليس والتهرب الضريبي والسطو والمماطلة في سداد الديون وغيرها من صور الجرائم المالية، حيث يتأثر بها المجني عليه كسلب أمواله فلا يحقق تقدماً ونمواً اقتصادياً يستفيد منها أو يستفيد اقتصاد بلاده إلا أن الجرائم الاقتصادية هي في المقام الأول موجهة للسياسة الاقتصادية للدولة وتضر بمصالحها المالية
تعرف الجريمة الاقتصادية بأنها «فعل أو امتناع ضار له مظهر خارجي يخل بالنظام الاقتصادي والائتماني للدولة وبأهداف سياستها الاقتصادية، يحظره القانون ويفرض عليه عقاباً ويأتيه إنسان أهل لتحمل المسئولية الجنائية وهناك من يرى إنها كل فعل أو امتناع من شأنه المساس بسلامة البنيان الاقتصادي، كما تعبر عنه القواعد الآمرة للنظام الاقتصادي المشمولة بالجزاء الجنائي.
تعد الجرائم الاقتصادية بأنواعها المختلفة أكثر تأثيراً واشد خطراً على برامج التنمية والتقدم الحضاري لأي مجتمع حيث إنها تقوض من تقدمه نحو النمو الاقتصادي وتضر بمصالحه ولاسيما في الوقت المعاصر حيث الانفتاح الاقتصادي والتقدم السريع لمناحي الحياة والثورة التكنولوجية التي بدورها زادت من انتشار التجارة الالكترونية وعولمة الاقتصاد وبالتالي عولمة النشاط الإجرامي.
وتفوق مخاطر الجرائم الاقتصادية أي نوع آخر من الجرائم وذلك لان آثارها قد تشمل أجيالا وحياة آلاف من البشر فإنهاك اقتصاد الدولة أو الشركات والمؤسسات الكبرى يؤدي إلى كوارث مالية واجتماعية تهدد حياة العاملين فيها وضياع لمدخراتهم ومصادر دخلهم كما أن التلوث في البيئة البحرية والأرضية يؤدي إلى الإضرار بحياة الإنسان والثروات النباتية والحيوانية فيؤدي إلى موته أو انتقال الإمراض القاتلة إليه،
ومن جانب آخر فان الممارسات غير المشروعة التي تقوم بها الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات وسيطرتها على الاقتصاد الوطني والدولي زاد من خطورة الجرائم الاقتصادية مما حدا بكثير من الدول والمنظمات إلى التنبيه والعمل علي التصدي ومكافحة الجرائم الاقتصادية بمختلف الوسائل والأساليب. إذ لا يقتصر التصالح في القوانين الأوروبية الحديثة علي مجرد رد الأراضي والعقارات أو المنقولات محل الجريمة، وإنما يقترن ذلك بحركة من الجزاءات الاقتصادية المدنية التي قد يخضع المستثمرون لإحداها.
لقد أفرزت سياسة الإصلاح والتحولات الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي للدول العربية على العالم عددا مهولا من الجرائم الاقتصادية، وكانت من أهم الملامح الأساسية لسياسة هذا الانفتاح الاقتصادي في عددا من الدول العربية الإفراط التشريعي وارتجالية القرارات والتي نتج عنها صدور بعض القوانين والقرارات المشوهة وغير المحكمة أو المنسجمة مع الواقع تلا ذلك إدخال المزيد من التعديلات المستمرة والسريعة على هذه القوانين في فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز في بعض الأحيان شهور.
وقد ترتب على هذه التحولات الاقتصادية السريعة دون الاستعداد الجيد والترتيبات الملائمة لنجاح هذه التحولات العديد من الأزمات التي انعكست على توجهات وسلوكيات أفراد المجتمع حيث اتجهت رأسمالية الإصلاح في سعيها السريع إلى تكوين الثروة وبروز بعض الوسائل غير المشروعة للكسب وفي المقابل كانت الفئات المنتجة في المجتمع أكثر الفئات معاناة في ظل هذا التحول، وهو ما نتج عنه تدهور قيمة العامل المنتج وأصبحت المكانة الاجتماعية المتميزة غير مرتبطة بمفاهيم العلم والثقافة بالإضافة إلى سيادة قيم الفردية واللامبالاة بمصالح المجتمعات وظهور الطبقات الطفيلية التي تقوم بتجميع الثروة بشكل لا يتناسب وطبيعة العملية الإنتاجية السائدة دونما إسهام حقيقي في تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ومع دخول الشركات الأجنبية للاستثمار في دول أخرى نتج عن ذلك ظهور قدر كبير من الفساد بسبب هذه الشركات حيث أظهرت التجارب العملية على مر السنين أن الشركات الأجنبية في البلدان المضيفة تستطيع المشاركة في الصراع السياسي الداخلي عن طريق إنشاء علاقات وثيقة مع بعض الفئات المحلية ذات النفوذ المتمثلة في دوائر رجال الأعمال والسلك السياسي والعسكري والحكومي وتحاول تلك الفئات تحقيق مصالحها من خلال وسائل متعددة بدءا بتقاضي الرشوة حتى الأعمال المشتركة مرورا بالمساعدات المالية للأحزاب السياسية وتخطيط الدعاية الانتخابية واستغلال السلطة في الحصول على التراخيص والأذونات وتقديم التسهيلات والزج بالمال العام في مشروعات غير مدروسة.
ومن أمثلة تفشي أوضاع الفساد هو ارتباط أسماء مسئولين حكوميين في العديد من البلدان المتقدمة والنامية بعدد من قضايا الفساد، فعلى سبيل المثال فضيحة شركة لوكهيد الأمريكية بعد قيامها برشوة أعداد كبيرة من المسئولين الحكوميين في عدد من الدول في الوقت الذي استخدمت هذه الشركات أساليب الضغط الاقتصادي المختلفة لمقاومة الحكومات الوطنية التي تنتهج سياسات لا ترضى عنها الشركات أما البنوك الأجنبية فقد هيمنت مراكزها الرئيسية على شطر كبير من النشاط الاقتصاد في بعض الدول من خلال تمتعها بوضعية خاصة في النظام المصرفي نتيجة شغل الوزراء ونوابهم وكبار المسئولين السابقين مناصب قيادية لعدد منها كما تحولت هذه البنوك إلى أماكن لعمل أبناء الطبقة الجديدة للتمتع بمزايا الرواتب العالية وعليه باتت تلك البنوك قادرة من خلال تلك العلاقات على التأثير في بعض السياسات النقدية عندما تتعارض مع مصالحها.
وجدير بالذكر أن تجار العملة في البنوك الأجنبية قد شكلت نوعا من الضغط في بعض الدول حتى أنهم أسهموا في إيقاف بعض القرارات الوزارية التي هدفت إلى قصر فتح الاعتمادات المستندية للاستيراد من الخارج على البنوك التجارية المملوكة للدولة بهدف انحسار نشاط بنوك الانفتاح قدر الإمكان في تمويل الاستثمارات الجديدة، وبالفعل تم تعديل تلك القرارات في نهاية الربع الأخير من عام 1981 إلى جانب رضوخ بنوك القطاع العام بشراء العملات الأجنبية من السوق السوداء بالسعر الذي يفرضه تجار العملة وإعادة تحميل تلك الأسعار على قروض شركات القطاع العام تحت مسمى علاوة تدبير عملة وهو ما نتج عنه توسيع نطاق السوق السوداء لتجارة العملة ورفع أسعار منتجات القطاع العام نتيجة لزيادة تكاليف الاقتراض.
ونوعا آخر من الفساد المصرفي هو تحرير سعر الصرف بسرعة مفاجئة في العديد من البلدان العربية وترك تحديده لقوى السوق مع عدم وجود أرصدة كافية من النقد الأجنبي والتسارع في خصخصة المشروعات الاقتصادية المملوكة للدولة دون الاعتماد على أسس اقتصادية في ذلك أسهمت في ارتفاع العديد من أسعار السلع وتحول عدد كبير من العاملين في هذه المشروعات إلى القطاع غير الرسمي.
ومن ذلك علي سبيل المثال، ما ورد بالقانون الفرنسي من حظر مباشرة النشاط الاقتصادي الذي وقعت الجريمة بسببه، وحظر التعامل مع بنوك دول الاتحاد الأوروبي لفترة معينة، وحظر إصدار دفتر شيكات لمدة أخري.
حينما أشير إلي أن القانون الفرنسي ألغي تجريم إصدار شيك بدون رصيد بمقتضي القانون رقم 1382 الصادر في 30 ديسمبر 1991، أي منذ ما يربو علي الأعوام العشرين، شريطة خضوع الساحب لأي من الجزاءات الاقتصادية – دون الحبس – السابق ذكرها.
